: آخر تحديث
من السيطرة على الأرض إلى الخلايا الصغيرة والاغتيالات والعبوات

داعش بعد الأسد.. ثلاثة أهداف تحرك عملياته المتسعة في سوريا

2
2
3

إيلاف من لندن: بعد أكثر من عام على سقوط نظام بشار الأسد، بدأ تنظيم داعش توسيع عملياته في سوريا خارج معاقله التقليدية في البادية وشمال شرقي البلاد، مستهدفاً قوات الحكومة الجديدة وقوات سوريا الديمقراطية ومواقع مدنية ودينية، في تحرك يلخص باحث أهدافه بثلاثة عناوين: «البقاء والاستنزاف وإعادة البناء».
ولا تشير الهجمات إلى عودة التنظيم إلى نموذج السيطرة على الأرض الذي أقام عليه «دولته» سابقاً، بقدر ما تعكس انتقاله إلى استراتيجية تعتمد على الخلايا الصغيرة والاغتيالات والعبوات والهجمات المحدودة، بهدف استنزاف السلطة الجديدة والإيحاء بمحدودية قدرتها على فرض الأمن، بالتوازي مع إعادة بناء شبكاته داخل البلاد.
وفي الأشهر السبعة الأولى من عام 2026 وحدها، وثق المرصد السوري لحقوق الإنسان تنفيذ داعش 67 هجوماً في سوريا، أسفرت عن مقتل 53 شخصاً، بينهم 39 عسكرياً و6 مدنيين و8 من عناصر التنظيم، فيما تصدرت دير الزور خريطة عملياته.

مؤشرات مبكرة على توسيع العمليات
بدأت مؤشرات توسيع داعش لنشاطه مبكراً. ففي كانون الثاني (يناير) 2025، أعلنت السلطات السورية إحباط مخطط للتنظيم لتفجير مقام السيدة زينب في ريف دمشق. وفي أيار (مايو) من العام نفسه، تبنى داعش أول هجوم على قوات تابعة للحكومة الجديدة، قبل أن تتسع عملياته لاحقاً لتشمل مناطق وأهدافاً متنوعة. وفي حزيران (يونيو)، وقع تفجير انتحاري داخل كنيسة مار إلياس في دمشق، أدى إلى مقتل وإصابة عشرات الأشخاص.
ورغم أن داعش لم يتبنَّ الهجوم، قالت السلطات السورية إن الخلية المنفذة مرتبطة بالتنظيم، وإنه أعد بالتوازي مخططات مماثلة «في إطار مساعيه لإثارة الفتنة وضرب وحدة المجتمع السوري وتقويض الاستقرار».

«مرحلة جديدة» ضد الحكومة
بحلول شباط (فبراير) 2026، أعلن داعش بدء ما سماه «مرحلة جديدة من العمليات ضد الحكومة». وانتقد التنظيم الرئيس أحمد الشرع وانضمام دمشق إلى التحالف الدولي لمحاربته. ويعيد الخبير في الجماعات الإرهابية الدكتور مصطفى أمين جذور المواجهة بين داعش والسلطة السورية الحالية إلى أكثر من عقد.
وبحسب أمين، أُرسل الشرع إلى سوريا بتكليف من زعيم داعش آنذاك أبو بكر البغدادي، قبل أن يرفض الشرع مبايعة «الدولة الإسلامية»، ويؤسس جبهة النصرة ويبايع القاعدة، ليتحول الخلاف لاحقاً إلى اقتتال بين النصرة وداعش.
ومنذ ذلك الحين، ينظر داعش إلى الشرع، وفق أمين، باعتباره «خائناً»، وإلى السلطة الجديدة باعتبارها «جماعة مرتدة وموالية للغرب». كما واصلت مجلة «النبأ» التابعة للتنظيم، المصنف جماعة إرهابية، مهاجمة الشرع والتحريض على مواجهته.

جغرافيا مختلفة بعد سقوط الأسد
بعد سقوط نظام الأسد، نقل داعش هذه العداوة القديمة إلى بيئة سورية مختلفة. فقد انفتحت الجغرافيا السورية على بعضها ولم تعد البلاد مناطق مقسمة، ما سهّل على عناصر التنظيم الدخول إلى حواضر المحافظات والمدن، بعدما كان وجودهم مقتصراً على البوادي.
ويقول المحلل السياسي الدكتور حمزة المحيميد لموقع «الحرة» إن داعش أصبح يستغل انشغال الحكومة بملفات ثقيلة تشمل المسلحين الموالين لنظام الأسد، والتوترات في السويداء، والملف العالق مع قوات سوريا الديمقراطية.

أكثر من 165 هجوماً في عام
شهد العام الأول بعد سقوط نظام الأسد أكثر من 165 هجوماً للتنظيم ضد الحكومة السورية. وفي المقابل، أعلنت السلطات تحييد 60 قيادياً، وتدمير 35 موقعاً، واعتقال 270 عنصراً.
ويربط الباحث السياسي والقانوني فراس الحاج يحيى قدرة التنظيم على الحركة بعوامل إضافية خلفتها سنوات الحرب، تتراوح بين المساحات الصحراوية وانتشار السلاح وصولاً إلى ملف السجون والمخيمات والمقاتلين السابقين. ويلفت الحاج يحيى إلى التحذيرات من محاولات داعش تحرير عناصره من مراكز الاحتجاز لإعادة رفد صفوف التنظيم.

67 هجوماً في 7 أشهر
تكشف أرقام الأشهر السبعة الأولى من عام 2026 عن اتساع جغرافي في نشاط التنظيم. فقد وثق المرصد السوري لحقوق الإنسان 67 هجوماً لداعش في سوريا خلال هذه الفترة، أسفرت عن مقتل 53 شخصاً. وشملت الحصيلة 39 عسكرياً و6 مدنيين و8 من عناصر التنظيم.
وتصدرت دير الزور المحافظات بـ34 هجوماً، تلتها حلب بـ14 هجوماً، ثم الرقة بـ10. وسُجلت 3 هجمات في الحسكة، وهجومان في كل من إدلب ودمشق وريفها، وهجوم واحد في كل من حمص وحماة.

اتساع الهجمات لا يعني عودة «الخلافة»
لكن اتساع رقعة العمليات لا يعني أن داعش أصبح قريباً من استعادة «دولة الخلافة». فقد فرضت خسارة معاقله عليه تغيير بنيته وأسلوب عمله، والانتقال من إدارة الأرض إلى إدارة الشبكات. وبدلاً من المقرات والقوات الظاهرة، أصبح التنظيم يعتمد على خلايا صغيرة وعمليات اغتيال وعبوات وهجمات محدودة، إلى جانب أدوات الاتصال والدعاية والتجنيد. ويكشف هذا التحول اختلافاً في طبيعة النشاط الحالي للتنظيم مقارنة بالمرحلة التي اعتمد فيها على السيطرة المباشرة على الأرض.

ثلاثة أهداف: البقاء والاستنزاف وإعادة البناء
يختصر فراس الحاج يحيى أهداف داعش في مرحلة ما بعد الأسد بثلاثة عناوين: «البقاء والاستنزاف وإعادة البناء». فالعمليات، وفق هذا التوصيف، تضمن استمرار حضور التنظيم، وتضع المؤسسات العسكرية والأمنية تحت الضغط، وتوفر له مادة دعائية يستخدمها لإظهار قدرته على العمل رغم خسارته السابقة. ويحاول التنظيم أيضاً إظهار الدولة عاجزة عن حماية مواطنيها عندما تمتد الهجمات إلى المدنيين أو المواقع الدينية، بما قد ينتج عن ذلك من خوف وتوترات مجتمعية تتجاوز آثارها الخسائر المباشرة للهجوم.

محاولة لخلق «بيئة متوترة»
ويضع النائب في مجلس الشعب السوري محمد بلعاس التحركات الحالية لداعش ضمن الإطار نفسه. ويرى أن التنظيم يحاول «خلق بيئة متوترة، أو على الأقل صراعاً جغرافياً في مناطق معينة». ورغم اعتباره أن التنظيم يمر «بمرحلة سيئة جداً»، فإنه يستبعد في الوقت نفسه أن تكون نهايته قريبة.

حملات أمنية وانخراط في التحالف الدولي
في المقابل، استشعرت السلطات السورية الجديدة خطر داعش مبكراً، ونفذت حملات أمنية أسفرت عن تفكيك خلايا واعتقال عناصر وقيادات بارزة. ثم انخرطت دمشق في التحالف الدولي، بما يمنحها مظلة أكبر لمحاربة التنظيم.
وبين اتساع خريطة العمليات وتغيير أسلوب العمل، تقدم مرحلة ما بعد الأسد صورة لتنظيم لا يعتمد على استعادة السيطرة المباشرة على مساحات من الأرض بقدر اعتماده على شبكات وخلايا صغيرة وعمليات محدودة. وفي قلب هذه الاستراتيجية تبقى الأهداف الثلاثة التي حددها الحاج يحيى: البقاء، والاستنزاف، وإعادة البناء.
 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في أخبار