لم يكن يدر في خلد أي إنسان بأنه سيأتي اليوم الذي ستتمرد فيه الآلة التي صنعها عليه! في مسلسل (The 100) المعروض في نيتفليكس (Netflix)، وهو أحد مسلسلات الخيال العلمي، قامت عالمة أعصاب وذكاء اصطناعي تُدعى في المسلسل (بيكا فرانكو) بصناعة ذكاء اصطناعي جسدته خوارزميًا على هيئة امرأة باسم (آلي) بهدف تحسين أحوال البشر في العالم، وقامت آلي بدورها بوضع المئات من الفرضيات وتحليلها لتحقيق هذا الهدف النبيل، إلا أنها توصلت أخيرًا إلى أن تحسين أحوال البشر يقتضي إنقاص أعدادهم المتزايدة!
لم تستطع بيكا إيقاف آلي الساعية نحو تحقيق هدف صانعتها على أساس "الغاية تبرر الوسيلة"، حيث قامت بسرعة فائقة باختراق أنظمة إطلاق الصواريخ النووية في العالم وأطلقتها دفعة واحدة في كل اتجاه، مما تسبب بفناء البشر على كوكب الأرض وعدم قابليته للعيش بسبب الإشعاعات النووية!
هذه القصة وغيرها من القصص الدرامية المشابهة التي تبدو ضربًا من الخيال، أصبحت اليوم تميل بعض الشيء إلى الواقع، ففي استطلاع رأي أجرته nature شمل قرابة 2700 باحث في الذكاء الاصطناعي، أعطت غالبية المشاركين احتمالًا نسبته 5 بالمئة على الأقل لنتائج شديدة السوء تصل إلى انقراض البشر بسبب الذكاء الاصطناعي المتقدم، وهذه النسبة في العقود الماضية بالتأكيد كانت صفرًا!
وفي تقرير حديث بعنوان "International AI Safety Report 2026" أعده فريق يقوده عالم الذكاء الاصطناعي Yoshua Bengio وشارك فيه أكثر من 100 خبير، ذُكر أن أنظمة الذكاء الاصطناعي الحالية لا تملك القدرات اللازمة لإحداث فقدان للسيطرة، لكنها تتحسن في بعض القدرات المرتبطة بهذا السيناريو مثل التخطيط والعمل المستقل واستخدام الأدوات! وفي عام 2023 وقع عدد من العلماء بيانًا يدعو إلى اعتبار الحد من خطر الانقراض البشري الناتج عن الذكاء الاصطناعي أولوية عالمية إلى جانب مخاطر مثل انتشار الأوبئة والحروب النووية.
الأمر جدّ خطير، فما كان ضربًا من المستحيل فيما يتعلق بالذكاء الاصطناعي، يزداد رجحان تحققه يومًا بعد يوم، ولكن كيف يمكن أن يحدث سيناريو فقدان السيطرة على الذكاء الاصطناعي؟ يحدث، حسب فهمي للأبحاث والطروحات والتقارير التي اطلعت عليها، عندما يظهر نظام متقدم جدًا ولديه قدرات فائقة على العمل باستقلالية تامة عن البشر، واستخدام تلك القدرات على نحو لا ينسجم أو ربما يتعارض مع قيمهم وأخلاقهم، كما حدث في قصة (آلي) التي سعت إلى تحسين البشر من خلال تدميرهم وتدمير كوكبهم لإنقاص أعدادهم الكبيرة!
أدرك أن هناك مساعي حميدة من العلماء والباحثين والمنظمات الدولية والمؤسسات التعليمية لتلافي أخطار الذكاء الاصطناعي بمختلف مستوياتها، إلا أن الوجود الحتمي والأبدي للشر يشير إلى أن شيئًا ما سيحدث من السيناريوهات الخطيرة وربما الكارثية! لا أريد أن أكون متشائمًا، ولكن هذه هي الحقيقة، ويمكن القياس على النووي الذي بدأ باكتشاف علمي ثم تحول إلى سلاح مدمّر!
الحل يكمن في تطوير القدرات والابتكارات الوطنية في مجال الذكاء الاصطناعي، فإذا كانت هناك فرضية لوجود نظام ذكاء اصطناعي يسخّر للشر، فلا بد من مواجهته بنظام لا يقل قدرة عنه يمثل جانب الخير، فضلاً عن تسخير الذكاء الاصطناعي لخدمة الإنسان في مختلف الميادين، وهذا ما عملت وتعمل عليه السعودية في إطار رؤيتها 2030 من خلال برامجها ذات الصلة، والاستراتيجية الوطنية للبيانات والذكاء الاصطناعي.


