عبد الله سليمان الطليان
كلما ظهرت أمامي مقاطع مصورة لأحياء قديمة، وشوارع ضيقة، ومبانٍ متواضعة، وأطفال بأجساد نحيلة وملابس مهترئة، أجد من يكتب بحنين: «يا ليت الزمن يعود»، أو يقول: «كان زمناً جميلاً وبسيطاً.»
أتوقف أمام هذه العبارة طويلاً. أي زمن نتمنى أن يعود؟ هل نتمنى عودة الوجوه التي غابت، والبيوت التي كانت تجمع العائلة، والأصدقاء الذين أخذهم الزمن، واللحظات البسيطة التي لا تتكرر؟
أم أننا نتمنى بالفعل عودة ذلك الزمن بكل ما كان فيه من قسوة ومشقة ونقص؟
إن الصورة القديمة قد تكون جميلة في عين من ينظر إليها اليوم، لأنها أصبحت جزءاً من الذاكرة والتاريخ، لكنها لم تكن بالضرورة جميلة لمن عاشها.
عندما ندخل إلى تفاصيل الحياة اليومية في تلك المرحلة، نكتشف واقعاً مختلفاً تماماً. الكهرباء كانت محدودة وضعيفة في كثير من الأماكن، والتبريد في أجواء الصيف الحارة كان يعتمد في أحيان كثيرة على المراوح، قبل أن تصبح أجهزة التكييف أمراً مألوفاً.
وكانت الخدمات الصحية محدودة، والوصول إلى الطبيب أو المستشفى أكثر صعوبة، والتنقّل بين المدن والقرى رحلة طويلة على طرق لم تكن كما نعرفها اليوم، وفي سيارات تفتقر إلى كثير من وسائل الراحة.
لكن ربما يكون الجانب الأكثر قسوة هو ما ترويه حكايات الأجداد عن لقمة العيش.
كان الحصول على الطعام في بعض البيئات يحتاج إلى جهد شاق، وقد يخرج الرجل منذ الصباح إلى عمله، في الزراعة أو التجارة الصغيرة أو إحدى المهن اليدوية، ويبذل ساعات طويلة من التعب، ثم يعود في نهاية اليوم بما لا يكاد يكفي شخصاً واحداً، بينما في البيت أطفال كثيرون ينتظرون ما يحمله إليهم.
كانت اللقمة تأتي بعد عرق، وربما بعد عناء طويل، وقد لا يكون ما تحمله اليد كافياً لكل الأفواه.
وهنا يصبح الفقر أكثر من مجرد قلة في المال؛ يصبح امتحاناً يومياً للإنسان.
أن تعمل ولا تضمن ما يكفي.
أن تكون مسؤولاً عن أسرة كبيرة ورزقك محدود.
أن تنظر إلى أطفالك وتعرف أن ما حصلت عليه بعد يوم طويل من العمل لا يكاد يكفيهم.
وربما كان أصعب ما في الأمر أن الإنسان لم يكن يستطيع أن يؤجل حاجاته الأساسية. الجوع لا ينتظر تحسن الظروف، والطفل لا يستطيع أن يفهم لماذا لم يعد الأب بما يكفي من الطعام.
ومع ذلك استمروا.
كانوا يعملون بالقليل، ويصنعون من القليل بداية. أسرة تبدأ بزراعة صغيرة، أو دكان متواضع، أو حرفة يدوية، أو مهنة يتوارثها الأبناء، ثم تتوسع الحياة شيئاً فشيئاً.
وقد لا يكون ما تركه الأب أو الجد ثروة كبيرة، لكنه كان بداية الطريق الذي عبرت منه الأسرة إلى مستقبل أفضل.
ولهذا فإن بعض القصص التي يرويها الأجداد عن حياتهم ليست مجرد حكايات عن الفقر، وإنما شهادات على قدرة الإنسان على الاحتمال والبناء.
لقد كانوا يواجهون ظروفاً قاسية، لكنهم لم يتوقفوا عندها. كانوا يريدون لأبنائهم حياة أفضل مما عاشوه هم.
وهنا تكمن المفارقة.
نحن اليوم نشاهد صورهم القديمة، فنرى فيها البساطة والحميمية، ونسمع أصواتاً تتمنى عودة ذلك الزمن، بينما لو سألنا من عاشه فعلاً، لربما حدثنا عن أمنية مختلفة تماماً: أن يجد أبناؤه طعاماً أكثر، وتعليماً أفضل، وطباً أيسر، وطرقاً أكثر أمناً، ووسائل نقل أكثر راحة، وحياة أقل مشقة.
إننا أحياناً نخلط بين الحنين إلى الذكريات والحنين إلى الظروف.
نشتاق إلى الأسرة التي كانت تجتمع حول مائدة بسيطة، لكننا لا نشتاق إلى قلة الطعام التي كانت تملأ تلك المائدة.
نشتاق إلى اجتماع الناس في البيوت، لكننا لا نشتاق إلى ضيق البيوت.
نشتاق إلى الجيران الذين كانوا يتقاسمون ما لديهم، لكننا لا نشتاق إلى الحاجة التي جعلت المشاركة ضرورة.
نشتاق إلى الآباء والأمهات الذين رحلوا، لكننا لا نشتاق إلى التعب الذي أنهك أجسادهم.
فالذاكرة الإنسانية انتقائية؛ تحتفظ بالوجوه والضحكات والروائح والأصوات، وتخفف شيئاً من قسوة الألم. ولهذا قد يبدو الماضي بعد سنوات أكثر جمالاً مما كان عليه عندما كنا نعيش داخله.
وليس معنى هذا أن كل شيء في الماضي كان سيئاً.
كانت هناك قيم جميلة تستحق أن نحافظ عليها: القناعة، والصبر، والاعتماد على النفس، والتعاون بين أفراد الأسرة، ومساعدة الجار، والقدرة على تحويل القليل إلى الكثير. وهذه ربما هي الأشياء التي ينبغي أن نشتاق إليها بالفعل.
أما الظروف التي كان الإنسان يحاول طوال حياته أن يتجاوزها، فلا أظن أن من الوفاء لذلك الجيل أن نتمنى عودتها.
فالأجداد لم يكونوا يجمعون المال أو يعملون في الزراعة أو يمارسون الحرف الشاقة لكي يبقى أبناؤهم في الظروف نفسها. كانوا يعملون لكي يفتحوا لهم باباً آخر.
لقد كانت بعض المشاريع الصغيرة التي بدأها أب أو جد، مهما بدت متواضعة في زمانها، بذرة لمستقبل أسرة كاملة. وربما لم يكن صاحبها يعرف أنه يصنع تاريخاً عائلياً، لكنه كان يفعل ذلك بالفعل.
ولهذا فإن تلك القصص تستحق أن تُروى وتُوثق داخل العائلة، وأن يعرف الأبناء كيف بدأ آباؤهم وأجدادهم، وكم بذلوا من جهد حتى وصلوا إلى ما وصلوا إليه.
ليس لكي نقول إن الماضي كان أفضل، وإنما لكي نعرف كم كان ثمن الحاضر غالياً.
إن توثيق الماضي لا يعني تقديسه، والاعتزاز بالأجداد لا يعني تمني عودة الظروف التي عاشوها. نستطيع أن نحفظ صورهم، ونروي قصصهم، ونعتز بصبرهم، ونستعيد قيمهم، وفي الوقت نفسه نعترف بأن الحياة اليوم، بما وصلت إليه من تطور في الصحة والتعليم والطرق والاتصالات ووسائل الراحة، هي ثمرة طبيعية لمسيرة طويلة من العمل والتضحيات.
لذلك، عندما أشاهد تلك الصور القديمة، لا أتمنى أن يعود الزمن.
أتمنى فقط ألا تضيع الحكاية.
أريد أن أتذكّر الرجل الذي خرج في الصباح يبحث عن رزقه، وعاد بما لا يكاد يكفي أسرته، ثم خرج في اليوم التالي من جديد.
أريد أن أتذكّر الأسرة التي صنعت من القليل حياة، ومن التعب أملاً، ومن المشروع الصغير مستقبلاً لأبنائها.
أريد أن أتذكّر أن وراء تلك الصور التي تبدو لنا اليوم جميلة، أناساً تعبوا وجاعوا وانتظروا وكافحوا، حتى أصبح الطريق أمام أبنائهم أوسع وأسهل.
فربما لم يكن ذلك زمنًا جميلاً كما نصفه اليوم، لكنه كان زمناً عظيماً برجاله ونسائه الذين تحملوا قسوته، ولم يستسلموا لها.
لقد لم يكونوا يعيشون في زمن جميل؛ كانوا يصنعون لنا زمناً أفضل.
وهذا، في رأيي، هو المعنى الحقيقي الذي ينبغي أن يبقى من الماضي.

