: آخر تحديث

مآسي الأفارقة في الغرب

2
4
4

يتعرّض المواطنون الغربيون من أصول أفريقية لتفرقة تعود إلى سنوات الرق، الذي خطف أكثر من 12 مليون ونصف المليون منهم، وأرسلهم إلى العالم الجديد للعمل في السخرة، وإلى سنوات الاستعمار الأوروبي الطويلة لكامل القارة الأفريقية، ولم يغادرها إلا بعد أن ترك وراءه ثلاثاً: الجهل والفقر والمرض، وفساداً إدارياً شاملاً.

تعتبر قصة جيسون أرداي Arday، الأستاذ السابق في جامعة كامبريدج البريطانية العريقة، مثالاً «كلاسيكياً» لما يمكن أن يتعرّض له هؤلاء من ظلم في الغرب.

استقال أرداي من منصبه في 5 أغسطس، وسط تحقيقات وجدل أكاديمي، وسبق أن عُيّن أستاذاً لعلم اجتماع التعليم في الجامعة عام 2023، ووُصف تعيينه بأنه أصغر أستاذ أسود في تاريخ الجامعة، ثم ظهرت اتهامات تتعلق بوجود مقاطع منسوخة في بعض أعماله، وأسئلة حول مؤهلاته الأكاديمية، وبعض المناصب أو التعيينات الفخرية المرتبطة بسيرته. نفى أرداي الاتهامات، مع إقراره بوجود بعض الأخطاء، فتحت جامعة كامبريدج تحقيقاً في مؤهلاته وتعييناته، إلى جانب شكاوى منفصلة تتعلق بسوء السلوك الأكاديمي. وبعد أسابيع من التغطية الإعلامية والضغط، استقال أرداي قائلاً إن ذلك السبيل الوحيد لإنهاء «فترة صعبة»، لكنه شدّد على أن استقالته لا تعني اعترافه بالروايات أو الاتهامات المتداولة، عُثر عليه بعد 9 أيام ميتاً في منزله، وكان في الـ41 من العمر، ولم تُعلن رسمياً أسباب الوفاة، لكنها غير مشبوهة، ويقال إنه توفي «قهراً» نتيجة الضغوط الشديدة، التي تعرّض لها.

احتفت كامبريدج بنجمها الجديد، البروفيسور أرداي، مُشيدةً به كأصغر أستاذ أسود فيها، ومُروّجةً لقصته الشخصية الملهمة عن نشأته في مساكن شعبية وتغلّبه على تأخرات نمائية حادة ليشق طريقه إلى الأوساط الأكاديمية، ثم، فجأةً، اتهمت مدونة، كتبها باحث سابق في كامبريدج، سبق تأديبه، أرداي بالسرقة الأدبية وتزييف سيرته الذاتية، أثار هذا الاتهام عاصفة من الجدل. ووجدت وسائل الإعلام البريطانية، خاصة المحافظة منها، القصة جذابة للغاية.

جاء تعيين أرداي في منصبه المرموق تحت ضغط كبير لزيادة تمثيل الملونين بين أعضاء هيئة التدريس والطلاب، ولا يمكن المبالغة في وصف مدى صعوبة المهمة، فقد كانت كامبريدج، ولا تزال، بيئة ذات أغلبية بيضاء. وكان أرداي أفضل المرشحين، فقد كان حاصلاً على درجة الدكتوراه في التربية، لكن سجله البحثي كان متواضعاً، وكان يتنقل بين الجامعات، كما أن لديه قصة مؤثرة، حيث تم تشخيصه بالتوحّد في سن مبكرة، ولم يتكلم إلا في وقت متأخر، وتغلّب على ذلك ليصنع لنفسه اسماً، وكانت كامبريدج تروّج لهذه القصة كجزء من سعيها المتزايد لتوظيف شخصيات بارزة ذات قصص شخصية ملهمة وقاعدة جماهيرية واسعة، ما يضمن للمؤسسة تغطية إعلامية إيجابية، لكن تبيّن تالياً أن بعض ما قاله أرداي لم يكن صحيحاً، وبعضه الآخر كان مبالغاً فيه لدرجة يصعب تصديقه، علماً بأن توظيفه تم من قبل لجنة من 9 أعضاء، بينهم طبيب نفسي، أجرى بنفسه أبحاثاً حول التوحد، وكان من الممكن اكتشاف عدم صحة ادعاءات أرداي. لكن يبدو أن الرغبة في تغيير صورة كامبريدج، واتهامات تحاملها على غير البيض، عجّل في تعيينه، بالرغم من أن الشكوك حول قدراته وادعاءاته، والتي ظهرت بعد تعيينه بقليل، ومع هذا دافعت عن قرار تعيينه بقوة، بحجة أنه كان يواجه مشاكل عدة في الوقت الذي كتب فيه تلك الأبحاث المشكوك فيها، والتي أثرت في عمله، بما في ذلك العنصرية المباشرة وغير المباشرة.

ثم تلقت الجامعة تنبيهاً من إحدى المجلات الأكاديمية المرموقة حول وجود إشكاليات في أطروحة الدكتوراه الخاصة بأرداي، لكن كامبريدج تجاهلتها، وأنه ضحية حملة تشهير، وكانت تدافع عن نفسها وعن قرارها بتعيينه، وبالتالي تم توجيه اللوم لكامبريدج، بأنه لولا تلك التغطية الإعلامية الواسعة، ولو تعاملت مع الأمر مبكراً، لما انفجرت الأمور بتلك الطريقة العلنية والمأساوية،

والقصة لم تنتهِ.


أحمد الصراف


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد