: آخر تحديث

مُتلازِمة ستوكهولم في تَشييع العِراقيين لجَلّادِهِم خامنئي!

2
3
2

مُتلازِمة ستوكهولم حالة نَفسِيّة تُطَوّر فيها الضَحِيّة مَشاعِر إيجابية، مِثل التَعاطُف أو الوَلاء أو الحُب، تِجاه المُعتَدي. وقَد ظَهَر هذا المُصطَلح لأول مَرة بَعد عَمَلية احتِجاز رَهائن وسَطو على بَنك في سُتوكهولم عام 1973. فخِلال أيام الاحتِجاز السِتّة بَلوَر الرَهائِن رَوابط عاطِفية مَع الخاطِفين، لدَرَجة أنّهُم دافَعوا عَنُهم لاحِقًا ورَفَضوا مُساعَدة الشُرطة وتَسليمَهُم لَها.

مِن أبرَز أعراض هذه المُتلازِمة هو التَعاطُف مَع المُعتدي وتَبرير تَصَرّفاته، والتي هي عادة جَرائم خَطف واعتِداء وقَتل، وتَحميل مَسؤوليتَها لطَرَف آخَر! مُرورًا بالعَداء تِجاه المُنقذين، إذ تُبلوِر الضَحِيّة شُعورًا بالكَراهية تِجاه الجِهة التي تُحاول تَحريرَها أو إنقاذَها، وتتَعامَل مَعَها باعتِبارها تَهديدًا لها أو لخاطفيها! وصولًا إلى تَشويه الوَعي والإدراك، إذ تَبدأ الضَحِيّة برؤية المُعتَدي كشَخص إيجابي طَيّب، بسَبَب عَدَم إلحاقِه الأذى المُباشِر بها، حَتى لو آذى غَيرها! وبالرغم من ارتِباط المُتلازمة الوَثيق بعَمَليّات الخَطف، إلا أن مَفهومَها اتّسَع ليَشمِل سِياقات أخرى، ويُفَسِّرها عُلماء النَفس بكونها استِجابة لضَغط نَفسي تَعيشُهُ الضَحِيّة، لا سِيّما إذا كانَت مَأزومة الوَعي وضَعيفة الشَخصِيّة، إذ يَرى وَعيُها غَير المُتّزِن أن التَعاطُف مَع الجاني والتبَعيّة له هُما الطريق الأكثر أمانًا للنَجاة.

مُتلازِمة ستوكهولم هي بالضَبط الحالة التي يُعاني مِنها ويعيشها جُزء ليسَ بالقليل مِن العراقيين حاليًا، وخُصوصًا الشَيعة، وقد تَبَلوَرَت أعراضُها عِندَهُم بمُرور الوقت تِجاه خاطفيهم الذين يُمثلهم نظام ملالي إيران ومرتزقته مِن أحزاب وميليشيات الإسلام السياسي الشيعي، التي سَطَت على السُلطة واختَطَفت الشَعب العراقي بَعد 2003 بكذبة المَظلومية والأغلبية. فنِظام الملالي حارَب بَلدَهُم ثَمان سَنَوات ذَهَب ضَحِيّتها مليون مِن خيرة شَبابهم، إضافة لمليون مِثلها جَرحى ومُعاقين ومَفقودين، يوم كانوا لا يتجاوزون 13 مليونًا، وما تَرَتّب على ذلك مِن مَشاكِل اجتماعية واقتصادية. وبالرغم من أني بُتّ على قناعَة نتيجَة بَحث أن إيران مَن بَدَأت الحرب، بدليل شِعار تصدير الثورة، لكن حَتى إن اعتَمَدنا الرواية التي لا يزال أتباعُها يُسَوِّقونها، بأن صَدّام بَدأ الحَرب، لا يمكن أن نختلف، وهذا مُوَثّق، بأنه أراد إيقافها عام 1983، لكن إيران أصَرّت على استِمرارها، ووَصَف الخميني إيقافها بتجرع السُم، أي أن نظام الملالي وعَرّابه خميني مَسؤول عَن كُل قَطرة دَم أريقت وروح أزهِقَت بَعد هذا التاريخ مِن العراقيين والإيرانيين. قيل أيضًا، وهذا واقع عِشناه، بأن ليسَ هنالك بَيت في العراق ليس فيه شَهيد أو مَفقود أو مُعاق بهذه الحَرب، أي ليسَ هُنالك مَن لا تربِطُه قرابة بفَرد تَسَبّب الملالي، بسَبَب عَقيدة تَصدير الثورة التي باتَ بَعض العراقيين مُرتزقة للدفاع عَنها، باستِشهاده أو فُقدانِه. لكنهم نَسوا ذلك، ولا يَذكرون اليوم سوى البروباغندا التي تَم حَشو أدمِغَتَهُم بها مِن قِبل الملالي وذيولهم مِن العراقيين، كما تَم حَشو أدمِغة موظفي البنك مِن قبل خاطِفيهم!

أدخَلوا إليهِم القاعِدة، التي لا تَزال إيران تَحتَضِن قياداتِها وعَوائِلَهُم، لتقوم بتفجير شَوارِعَهُم، وَلأن أغلبهم مِن دول عَرَبية وسنّة، رَوّجوا بأن هذه الدُوَل تُحارب الشيعة والنِظام الجَديد، لاستِقطاب الشارع الشيعي، بالرغم من أن هذه الدُوَل دَعَمَت تَغيير صَدام، فيما عارَضَته إيران، والذي لولاه ما وَصَلت الأحزاب الشيعية إلى السُلطة، لكن تم إلقاء اللوم على السُنة، بالرغم من أن مُعسكَرات تَدريبَها كانت في سوريا الأسَد حَليفة إيران باعتِراف قياداتهم، وأولهُم المالكي! وحينَما لم يُحقِّق مُخَطّط القاعدة أهدافه، وَوَجَدوا أن العراقيين بسُنّتِهِم وشيعَتِهِم انتَخَبوا د. علاوي الليبرالي الشيعي عام 2010، أطلقوا داعِش مِن السُجون وفَسَحوا لها المَجال لاحتِلال الغربية، بعد أن أمَرَ المالكي بانسِحاب الجَيش مِن الموصل، وألقوا بالّلوم على أهالي المَنطقة مِن السُنّة، بالرغم من أنّهُم أكثَر مَن تَضَرّرَ مِن داعِش، لكن البروباغندا روّجَت كالعادة أن السُنة دَعَموها للقَضاء على الشيعة. فباتَ ملالي إيران وقيادات الأحزاب والميليشيات المُوالية لهُم القلب الطَيّب والصَدر الحَنون للشيعة، أما إخوانَهُم مِن السُنّة العَرب والأكراد فهُم أعداء، وباتَ سليماني وعراقجي والمُهندِس تيجان رؤوس وحُماة أعراض، بينما النجيفي والهاشمي والبارزاني ومحمد بن سلمان أعداء وعُملاء. ووَصَل التَدَنّي لدَرجة أن مُجرِم حَرب كخامنئي يداه ملطختان بدِماء المَلايين، يَجِب أن يُحاكَم لتَدمير أربَع دُوَل عَرَبية، باتَ رَمزًا دينيًا ليسَ فَقط للشيعة بل وبعض السُنّة، لمُجَرّد رَفعِهِ الشِعار التَسويقي الرَخيص بمعاداة إسرائيل، الذي باتَ يُمكِن لأي ساقِط أن يَرفَعَهُ ليُصبِح بَطَلًا بنَظَر الأمة التي ضَحِكَت مِن جَهلِها الأمَمُ!

بسَبَب تَطَرّف الشَخصِيّة العِراقية، الذي يَجِب أن يُضرَب به المَثَل، فاقَ العِراقيون، خُصوصًا بَعض شيعَتِهم، مُوظّفي بَنك ستوكهولم في تَعَلِّقِهم بجَلاديهم مِن الملالي، وفي تَفَنُّنِهِم بإظهار تذلّلِهم لهُم. بَدءًا بِغَسل أقدام زُوارِهِم وتقبيلها تَبَرّكًا بحُجّة أنّهم قَدِموا مِن إيران لزيارة أئِمّة أهل البَيت، لكنّهُم لا يَفعَلون ذلك مَع الزائر الهِندي أو البحريني أو الأفريقي، بالرغم من أنهُم قَدِموا مِن أماكن أبعد! مُرورًا بجَعل أبنائِهِم مُرتَزقة في ميليشيات تنفذ أجِندة إيران في العراق والمَنطَقة، وتُستَخدَم لضَرب السُنة والأكراد والدول العربية، والتي يَفتَخِر مُرتَزَقَتها بتقليد خامنئي وبأنّهُم سَيَقِفون مع إيران في حال حَدَثت حَرب بَينها وبَين العِراق! وصولًا إلى مَهزَلة تَشييع خامنئي في العِراق، الذي شارَكَ فيه ملايين العراقيين لطمًا ونُواحًا، وتم اعتِبار اليوم عُطلة قد تُصبِح رَسمِيّة سَنَويًا، تقام له فيها زيارة مليونية وتُبتَدَع لها طقوس خاصة. بَل وَصَل السُقوط بمُعَمّم عِراقي تابع لإحدى ميليشيات الحَشد الإرهابية إلى دَرجة القول أمام قطيع أتباعه: "هَويّة الشَعب العِراقي ظَهَرَت في تشييع السَيد خامنئي. العَشرة مَلايين الذين خَرَجوا في التشييع هُم مَن يُمَثلون هَويّة العراقيين. ومَن لا يُعجِبُه فليُغادِر، ويُمكِننا مُساعَدته في طَلب لجوء". مما يَدُل على مُستوى القبول بالذُل والدونية لإيران التي وَصَل إليها البَعض، والتي باتَت تُثير القَرَف!

تَعاطُف يَفوق الخَيال مَع إيران وتَبرير لكُل جَرائِمِها مُنذ 1980 إلى اليوم، والتي تَشمُل تدمير المَنطقة وزَعزعة استقرارها وإبادة شُعوبها ومُحاولة تجهيل ما تَبَقّى وتَحويلهُم إلى قَطيع تَسوقه بروباغندا نظام الملالي وذيوله مِن مُرتزقة أبناء هذه الشُعوب نَفسها وميليشياتها التي باتَت تَحكُم هذه المنطقة والكثير مِن دولها باسم الدين والعَقيدة والمُقاومة، لذا باتوا يُبَرّرون قتلها لأهلِهم في حَرب الثمانينيات لأنها كانت ضَحِيّة صدام الذي أراد وَأد الثورة الإسلامية، ويُبَرّرون قَصفَ إيران لأربيل وللإمارات والكويت وقطر والسعودية، بل ويَقومون هم بذلك نيابة عَنها من العراق، لأنها عَميلة للاستِكبار الذي يُريد وَأد تجربة الثورة الإسلامية. ثم العَداء تجاه الآخرين الذين يُعادون نظام الملالي، وإن كانوا أبناء بلدهم أو عُمومتهم أو جيرانهم أو أصدقاء عُمرِهِم، بل حَتى إن كانوا من نفس طائفتهم بل وإخوتهم الأشقاء. في حالة البَنك، الطَرف الآخَر كان الشُرطة، وفي حالة العراق إخوَتِهم العراقيين مِن السُنّة والكرد وأشِقّائهِم العَرَب، فبالنسبة إليهم باتَ المِقياس هو حُب إيران أو مُعاداتها، فهو سَيُحِبّك ما دُمتَ تُحِب إيران، حَتى لو كُنت تؤذيه وتستغله وتَسرقه وتَستغفِله وتَترُكَه ليَعيش عيشة لا تليق بالبَشَر، لكنّه سَيَكرهُك ومُستَعِد أن يَشرَب مِن دَمّك إن كُنت مُعاديًا لنظام ملالي إيران، حَتى إن كُنت تُحِبّه وتُريد مَصلحته ونصيحته والخير له. ثم أخيرًا تشَوّه الوعي والإدراك الذي باتَ سِمة كل قطيع إيران، فهُم يَتَحَرّكون ويَتَحَدّثون كروبوتات بكلام واحِد وجُمل جاهِزة بأن إيران اليوم تُمثل الحَق والطيبة والكَرامة، مَع أنها مَسَحَت كرامَتَهُم وكَرامة شَعبها بالوَحل.

طَبعًا حين تَنتَقِد هذه المَهزَلة، سَتُواجَه بحَملة شَعواء مِن التَسقيط والتكفير مِن قِبَل قَطيع الملالي وذُبابِهم الإلكتروني، الذي باتَت تطفَح به مَواقِع التَواصُل وبَرامِج التلفزيون. سَيَقولون لك ما شَأنك؟ هل أنتَ الذي ستُشَيّعَه؟ وكأن الإشكالية في مَن سَيُشَيّعه وليسَ في عار تشييعِه! باتوا يَتَصَرّفون وكأن العراق بَلد الذين خَلّفوهُم، وليسَ وطنًا لكل العراقيين! لكن لو أرَدنا الحَقيقة بعيدًا عَن العَواطف، لدَيهِم حَق. فالعِراق الحالي لم يَعُد لِكُل العِراقيين، بل لطائِفة واحِدة اختطَفَتهُ بمَن يُمَثِّلها مِن مُعَمّمين وأحزاب وميليشيات، ويا ليتها أقامَت دولة أوادِم لأبنائِها! على العَكس شَكّلَت كيانًا ذيلًا لإيران يَعيش أجواء وأفكار ومُمارسات العَصر الحَجَري، لا دَخل له بشَيء اسمُه حَضارة، فلم يَعُد العِراق عراقنا الذي نَعرِف، ولم تَعُد بَغداد بَغدادنا التي نَعرِف! لذا بَعيدًا عَن المُجامَلات والنِفاق، باتَ مِن العار والسُخف بقاء السُنة والكُرد ببَلَد واحِد مَع شَريك عَليل بِحُب خامنئي، ويَتَشَرّف بتشييعِه، ويَنوي جَعل مَهزلة يَوم تَشييعَه عُطلة رَسمِيّة سنوية، لِتُضاف إلى أيام الظَلام والعَويل والنُواح التي تَمتلئ بها روزنامة العِراقيين في زَمَن الحاكِمية الشيعية!


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.