: آخر تحديث

التي استيقظت بعد ألف عام.. قصة حقيقية

4
2
4

لم يبقَ من اسمها شيء.
رحل الذين عرفوها، ورحل الذين سمعوا صوتها في ذلك النهار وبقيت الحكاية وحدها تعبر من جيل إلى جيل تفقد اسمًا هنا، وتحتفظ بصورة هناك، حتى وصلت إليّ ناقصةً في التفاصيل كاملةً في غرابتها.
لذلك سأدعوها في هذه الحكاية سليمة.
أما الآخرون فقد احتفظ الزمن بأسمائهم.

كان ذلك في العراق في ثلاثينيات القرن العشرين في السنوات التي كان فيها جدي *عبد الله مخلص عبد الوهاب يعمل في الإدارة المحلية في شمال العراق. وتثبت السجلات الإدارية المنشورة أنه كان مدير ناحية آغجلر سنة 1936.[1]
وكانت جدتي فضيلة خاتون سيدة الدار.[2]
كان البيت من تلك البيوت الشرقية القديمة التي يكون الفناء فيها قلبًا للدار لا مجرد مساحة بين الغرف.
ساحة واسعة مفتوحة للسماء، تحيط بها الغرف والأروقة وخلفها حديقة كبيرة تمتد أشجارها حتى يخيل للناظر أن البيت انتهى بينما ظلاله ما تزال مستمرة.
أشجار رمان وتوت وأغصان تتشابك فوق الممرات وأحواض زهور وأرض ترش بالماء في الأيام الحارة فتنهض منها رائحة التراب المبتل.
وكان للدار نظامها.
يخرج عبد الله مخلص إلى عمله في الصباح، ويتحرك الخدم في أرجائها بينما تدير فضيلة خاتون شؤون البيت بهدوء وهي امرأة لا تحتاج إلى رفع صوتها لكي يسمعها الجميع
وكانت سليمة من أقرب الوصيفات إليها.
تعرف متى تريد فضيلة خاتون الشاي قبل أن تطلبه وأين تضع مفاتيحها، وأي نافذة تغلق عند اشتداد الشمس، وأي صينية تخرج للضيوف.
وكانت أمية.
لا تقرأ.ولاتكتب
ولولا ما حدث في ظهيرة ذلك اليوم، لما كان لهذه الحقيقة شأن في الحكاي.
 

عاد جدي من عمله عند الظهيرة.
اجتمعت الأسرة إلى الغداء في باحة الدار، ثم جاءت الفاكهة، واستدار الشاي في اكوابه الصغيرة.
بعدها بدأ البيت ينسحب ببطء إلى سكون القيلولة
أغلقت بعض النوافذ.
هدأت الأقدام في الممرات
وخفتت الأصوات حتى بدا أن البيت بأهله وأشجاره، قد نام.
وحين مالت الشمس وبدأ وهج النهار ينكسر عادت الحياة تدريجيا.
اشتعلت النار تحت إبريق الشاي
وملات رائحة الكليجة والكعك المكان
نهض الجميع.
إلا سليمة.
نادتها إحدى النساء.
لم تجب
اقتربت أخرى وهزت كتفها
تحركت قليلًا، وتمتمت بشيء لم يفهموه، ثم عادت إلى سكون ثقيل.
جاءت فضيلة خاتون.
جلست إلى جوارها، ووضعت يدها على كتفها.
— سليمة... قومي يا ابنتي. حل العصر.
 

وفجأة فتحت المرأة عينيها.
ثم انتفضت.
لم يكن استيقاظا طبيعيا من النوم.
كان أشبه بوصول شخص من مكان بعيد.
تراجعت حتى اصطدم ظهرها بالحائط.
حدقت في السقف. ثم في الباب
ثم في النساء الواقفات حولها.
وأخيرا استقرت عيناها على وجه فضيلة خاتون.
قالت:
— أين أنا؟
ابتسمت جدتي محاولة أن تطمئنها.
— اسم الله عليك. أنت في الدار.
لكن المرأة ظلت تحدق فيها.
— من أنت؟
اختفت الابتسامة من وجه جدتي
كان السؤال وحده كافيا لإخافتها
فالمرأة التي أمامها لم تكن غريبة عنها. كانت قد اتت بها منذ صغرها وتراها كل صباح، وتخدمها، وتعرف تفاصيل يومها الصغير.
قالت:
— أنا فضيلة
هزت سليمة رأسها.
— لا أعرفك
تعالت همسات النساء
قالت إحداهن:
— تعوذي من الشيطان
وبدأن يقرأن ما يحفظن من القرآن.
أما سليمة فكأنها لم تسمع شيئا
كانت تنظر إلى ثيابها.
رفعت طرف ثوبها بين أصابعها، قلبت القماش، ثم نظرت إلى يديها
— من ألبسني هذا؟
وصل جدي على اضطراب الأصوات
وقف عند الباب لحظة، ثم طلب من الجميع أن يهدأن.
اقترب منها.
— ما بك؟
قالت:
— أريد أن أعود.
— إلى أين؟
— إلى القصر.
— أي قصر؟
رفعت رأسها إليه وعلى وجهها استغراب حقيقي من السؤال.
— قصر أمير المؤمنين
قال:
— ومن أمير المؤمنين؟
أجابته بلا تردد:
— هارون الرشيد.[3]
لم يكن الاسم في ذاته غريبا.
كان هارون الرشيد من الأسماء التي يعرفها الناس من التاريخ والحكايات المتناقلة.
ولذلك لم يكن هذا ما جعله يطلب ورقة
ما استوقفه جاء بعد ذلك
بدأت المرأة تتحدث
كانت كلماتها متقطعة، كأنها تنظر إلى مشاهد لا يستطيع أحد في الغرفة رؤيتها
ذكرت القصر ثم خراسان
ثم توقفت فجأة وقالت:
— هرثمة...
اقترب منها جدي
— من؟
— هرثمة بن أعين.[4]
كتب الاسم.
وسأل:
— ومن هرثمة بن أعين؟
ظهر الضيق على وجهها، كأنها لا تعرف كيف تشرح شيئا تراه بديهيا
قالت شيئا عن الجنود
وعن خراسان.
ثم سكتت
وبعد لحظات ظهر اسم آخر
— رافع.
— رافع مَن؟
أغمضت عينيها قليلا
— ابن الليث.[5]
كتب جدي الاسم تحت الأول:
هرثمة بن أعين.
رافع بن الليث.
 

ثم راحت المرأة تقول أشياء أخرى
أسماء لم تحفظها ذاكرة العائلة
مواضع لا يعرفها الموجودون
أشخاصا تتحدث عنهم كأنهم أحياء في مكان قريب، لا رجالا طواهم التراب منذ قرون.
شيئا فشيئا خفت صوتها.
أغمضت عينيها.
قرأوا عليها ما تيسر من القرآن.
وظلت جدتي إلى جوارها حتى استسلمت لنوم هادئ.
 

أما عبد الله مخلص، فأخذ الورقة وخرج
في تلك الليلة دخل مكتبته المتواضعة.
وضع الورقة أمامه
هرثمة بن أعين.
رافع بن الليث.
أخرج ما لديه من كتب
لم يبحث عن هارون الرشيد فمعرفة اسمه لا تثبت شيئا
كان يبحث عن الرجلين الآخرين
قلب ما تيسر له من كتب التاريخ والأخبار
بحث عن الاسمين، وعن خراسان، وعن علاقة يمكن أن تجمع الكلمات التي خرجت من فم امرأة لا تقرأ.لكن مكتبته لم تسعفه بما يكفي
وجد ما يعرفه، وربما وجد إشارات متفرقة، لكنه لم يجد جوابا يربط الأشياء بعضها ببعض
اخر الليل، أغلق آخر كتاب أمامه
بقيت الورقة مفتوحة
وبقي الاسمان عليها
لم يجد جوابا

لكن السؤال أصبح أثقل
في الصباح كانت سليمة قد عادت إلى نفسها
وجدها في الفناء تساعد في شؤون الدار، كأن ظهيرة الأمس لم تقع
ناداها
— سليمة
التفتت إليه على عادتها
— نعم، سيدي؟
راقب وجهها لحظة
لم يكن فيه أثر للمرأة التي رآها بالأمس
قال:
— من هرثمة بن أعين؟
انعقد حاجباها
— من؟
— هرثمة بن أعين
هزت رأسها
— لا أعرفه
— ورافع بن الليث؟
فكرت قليلًا.
ثم هزت رأسها مرة أخرى
— لا أعرفه أيضا
أخرج الورقة ووضعها أمامها
نظرت إليها كما ينظر من لا تعني له الكتابة شيئا.
لم يطلب منها أن تقرأ
كان يعرف أنها لا تستطيع فهي تعيش معهم منذ طفولتها 
وهنا عاد إليه أمر عرفه عنها منذ سنوات، لكنه لم يشعر بثقله إلا الآن:
سليمة أمية
لم يكن في مقدورها أن تفتح كتاب تاريخ وتلتقط منه اسمين غريبين، ثم تخبئهما في ذاكرتها
لكنه لم يقفز إلى تفسير
سألها:
— هل سمعتِ هذين الاسمين من أحد؟
— لا
— هل حدثك أحد عن خراسان؟
اتسعت عيناها.
— خراسان؟
ثم نظرت إليه في حيرة
أمرها بالانصراف
طوى الورقة ووضعها في جيبه
عندها بدأ البحث الحقيقي.
 

ما لم تمنحه إياه الكتب الموجودة في داره، ربما تمنحه كتب أخرى
فسأل من يثق بعلمه، واستعان بمن يستطيع الوصول إلى مصادر أوسع مما كان متاحا في مكتبته.
خرج السؤال من البيت.
وكان على المعلومة في ذلك الزمن أن تسافر
لا شاشة تستدعي القرون في لحظة
ولا محرك بحث يفتح ألف كتاب بكلمة
كان السؤال يحتاج إلى رسالة، وإلى رجل يحملها، وإلى آخر يفتح كتابا، وربما إلى مدينة أخرى قبل أن يعود الجواب
ومرت الأيام
في أثناء ذلك، عادت سليمة إلى حياتها
حملت صينية الشاي إلى فضيلة خاتون. رتبت الغرف.
خرجت إلى الحديقة.
ضحكت مع النساء
لكن الذين عرفوها قالوا إن شيئا فيها لم يعد كما كان تماما
شيء في جلستها شيء في كلامها
شيء صغير لا تستطيع أن تشير إليه بإصبعك، لكنك تشعر أنه موجود
وأحيانا، حين تسمع وقع أقدام في الرواق، كانت ترفع رأسها بسرعة...
كأنها تنتظر أحدا
ثم تنتبه إلى نفسها وتعود إلى ما في يدها
وجاء الجواب
لا أعرف اليوم كم استغرق وصوله.؟اياما ؟ اسابيع
هذا أيضا مما أخذه الزمن من الحكاية.

لكن ما بقي منها أن عبد الله مخلص عاد إلى الورقة القديمة ووضعها إلى جوار ما وصل إليه من معلومات
قرأ الاسم الأول:هرثمة بن أعين.
كان الرجل حقيقيا
قائدا وواليا عباسيا بارزا عاش في عصر هارون الرشيد، وتولى عددا من المناصب والولايات، ثم ارتبط اسمه بأحداث خراسان في أواخر عهد الرشيد.[4]
رافع بن الليث.
كان حقيقا أيضا
قاد ثورة واسعة في خراسان وما وراء النهر في أواخر عهد هارون الرشيد.[5]
لكن المفاجأة لم تكن في وجود الاسمين في كتب التاريخ.
كانت في العلاقة بينهما.
فحين اتسعت ثورة رافع بن الليث، أرسل هارون الرشيد هرثمة بن أعين إلى خراسان لمواجهتها، ثم خرج الرشيد نفسه شرقا في ظل تلك الاضطرابات، قبل أن يتوفى في طوس سنة 809م.[3][4][5]
ظل عبد الله مخلص ينظر إلى الورقة.
الاسمان اللذان كتبتهما يده في ظهيرة ذلك اليوم لم يكونا اسمين متفرقين في التاريخ.
كانا رجلين جمعتهما واقعة واحدة.
طوى الأوراق. خرج إلى الفناء.

كانت فضيلة خاتون هناك
وعلى مسافة منها كانت سليمة تحمل صينية الشاي.
نظر إليها طويلا
قالت جدتي— ماذا وجدت؟
جلس إلى جوارها
ووضع الورقة أمامها
قال:
— وجدت الرجلين
سكتت.
 ثم سألته. .اين؟ 
نظر إلى سليمة.
وقال:
— قبل أكثر من ألف سنة.
ولم يقل إن روحا حلت في جسد سليمة.
ولم تقل جدتي إن الوصيفة عاشت حياة أخرى
لم يكن في أيديهما إلا ما حدث
امرأة نامت.
استيقظت ولم تعرف البيت ولا سيدته
قالت إنها تنتمي إلى قصر هارون الرشيد
ونطقت بأسماء لم تعرفها حين استعادت وعيها
ثم وجدت تلك الأسماء طريقها إلى كتب التاريخ ومضت الحياة
مرت السنوات ثم العقود
رحل عبد الله مخلص
ورحلت فضيلة خاتون
ورحل الذين عرفوا الوصيفة
حتى اسمها الحقيقي ضاع
وبقيت الحكاية.

وصلت إليّ بعدما أخذ الزمن منها أشياء كثيرة
ولذلك لا أعرف ماذا حدث في تلك الغرفة.
ربما سمعت المرأة يوما حكاية قديمة، واستقرت الأسماء في مكان خفي من ذاكرتها ثم عادت في حالة بين النوم واليقظة.
ربما كان ما حدث اضطرابا في الوعي
وربما أضاف الرواة، من غير قصد، شيئًا إلى الحكاية كلما عبرت من جيل إلى جيل
كل ذلك ممكن
وربما بقي شيء لا نعرفه.

لا أملك جوابا
ولا أريد أن أصنع للحكاية جوابا لم يملكه الذين عاشوها.
كل ما بقي لدي ذاكرة فيها 
بيت عراقي قديم.
فضيلة خاتون.
عبد الله مخلص.
ظهيرة ثقيلة.
امرأة أمية نامت.
وورقة حملت أسماء رجال ماتوا قبل قرون.
وبين نوم المرأة وتلك الورقة...
كان هناك أكثر من ألف عام.
لهذا، كلما عادت إليّ الحكاية، لا أسأل:
كيف عرفت سليمة تلك الأسماء؟
بل يلح عليّ سؤال آخر:
حين كانت سليمة نائمة ...
من التي فتحت عينيها؟
 

الهوامش
[1] عبد الله مخلص عبد الوهاب: جد الراوية لأمها وإداري عراقي. يرد اسم عبد الله مخلص في التوثيق الإداري المنشور بوصفه مدير ناحية آغجلر سنة 1936، وكانت الناحية مرتبطة إداريا بقضاء جمجمال في لواء كركوك. وقد نُقل هذا البيان عن دليل المملكة – الدليل الرسمي للعراق لسنة 1936. 
[2] فضيلة خاتون: فضيلة، زوجة عبد الله مخلص عبد الوهاب وجدّة الراوية لأمها، وكانت تُعرف في محيطها باسم فضيلة خاتون. انتقلت حكاية الوصيفة داخل الأسرة من جيل إلى آخر، وكانت فضيلة خاتون من الشخصيات الأصلية المرتبطة بالواقعة كما حفظتها الذاكرة العائلية. 
[3] هارون الرشيد: هارون بن محمد المهدي، الخليفة العباسي الذي حكم بين 170–193هـ/786–809م. وفي
[4] هرثمة بن أعين: قائد ووالي عباسي بارز خدم في عهد الهادي وهارون الرشيد والمأمون. الليث في خراسان، أرسله هارون الرشيد إلى الشرق، 
[5] رافع بن الليث: رافع بن الليث بن نصر بن سيار، من أسرة خراسانية بارزة، وقاد ثورة واسعة على السلطة العباسية بدأت في سمرقند نحو سنة 806م وامتدت في خراسان وما وراء النهر. أدى

 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في ثقافات