انتظر منير العبيدي حتى الصفحة الـ 42 من كتابة ليكتب: "النفورُ من كلّ ما هو غيرُ سويّ هو المحركُ الحقيقي للفن". كان من الاجدر ان تأخذ هذه العبارة المفتاحية مكان الصدارة، عند الصفحات الأولى من الكتاب، لأنها تلقي ضوءا على مبادئ المؤلف في الكتابة والرسم، وهما اللذان يحوزان على نسقٍ واحد، يحكمُه مبدأ تجنب "كل ما هو غير سويّ". ستساعد هذه الافتتاحية القارئَ، ان يلجأ الى منهجٍ يتتبعُ بواسطته أسلوب الكتابة وأسلوب الرسم اللذين ينتظمان صفحات الكتاب، ويجعلانه في إيقاع موحد.
الكتاب الذي نحن بصدده يحمل عنوان "المرأة والطبيعة ـ المموه والمعلن في الخطاب البصري/ لوحات ونصوص." وقد صدر في عمان عن دار الجنان للنشر والتوزيع بحجم 21 في 21 سنتمترا، واحتوى على 136 صفحة وقرابة الخمسين من الصور الملونة للأعمال الفنية لمنير العبيدي ولنشاطاته.
هناك الكثير من الفنانين الذين كتبوا عن تجربتهم الذاتية وزاوجوا بين اللوحة والنثر، أبرزهم وأغزرهم فان كوخ الذي أفصح عن رؤية عميقة لفنه وكتب عنه بعين ناقد نافذ الرؤية وخصوصا في رسائله لأخيه ثيو. يكتب منير العبيدي: “الكتابة عن التجربة الذاتية مهم، فلا أحد سوف يعرف الفنان أكثر من نفسه”. ثم يواصل "ربما لن يجد الكاتبُ طريقا لينشر أفكاره عبر ما كتبه، ولكن لا ضير في ان يكتب دون التفكير بالنشر. فالكتابة دون اعتبار للنشر هي نوع من الحرية، انها مونولوج لتقليب المفاهيم مع الذات وإعادة دوزنتها. هذا النوع من الكتابة يبلور التجربة ويساهم في شق طريق جديد. وهي ستكون موضع اهتمام من يعنون بمزاوجة اللوحة مع النص، أن يُرفق الخطاب البصري بآخر نثري يضيء بعض جوانبه وظروف نشأته". ثم يكتب بعد هذا “لذا، لم أجد داعيا لكتابة سيرة شخصية مطولة. فالحياة مشحونة بالأحداث، خصوصا اذا ما تقدم الانسان في العمر. فلا أحد سوف يكون متحمسا لقراءةِ سيرةِ حياةٍ طويلة ومفصلة".
"اللوحاتُ تتحدث معنا، نحن الناظرين اليها، بلغةٍ بصرية صامتة "تسمعها" العيون، تعتمد التكوين واللون. لكن هذه اللغة "المسموعة" بالعين ستولّد في اذهاننا سحابة من الادراكِ المبهم والمشاعرِ صعبةِ التحديد والتعريف، حتى نقوم بتحويلها الى لغة منطوقة او مكتوبة، فيتحول الادراك السحابي المُهوّم الى إدراك حسيّ ملموسٍ، ذي مقاربات قابلة للنقل".
“القيام بنقل الادراك البصري الى سردٍ هو من المهمات الصعبة، خصوصا إذا ما اريد لهذا السرد ان يحيط، ليس فقط بالظاهرِ المُعلن، انما أيضا بالخفيّ الدفين من العمل التشكيلي، وأن يضيءَ بعضا من جوانبه التي ربما تكون خافية على المشاهد. فكثيرا ما قرأنا عن لوحاتٍ شاهدناها مرارا دون ان نلتفت لجوانب خفية فيها، حتى توفرتْ فرصة، ان يلفت انتباهنا اليها ناقدٌ او مؤرخ فن. لكنني هنا لا اتصدى لمهمة فوقية. فلن اسعى الى ارشاد المتطلع الى اللوحة الى مدلولاتِها، انما افتح حوارا معه، فلا يمكن الجزم بمدلولاتِ اللوحة واشاراتِها الخفية حتى بالنسبة للرسام نفسه".
قد يصيرُ الحديث عن اللوحة أو الكتابة عنها الى غير ما ذهب اليه الفنان نفسه من قصدٍ، وقد يجد في تحليل لوحته أمورا ما كان على بيّنةٍ منها. قد يجد فنانون ان نقادا اكتشفوا مقاصد في اللوحة لم تكن مُدركة بالكامل، انما تسربت على شكل لون وتكوين من الخزين غير المدرك لأفكار ومشاعر دُفنت في النفس ولم يُفصح عنها لمسبباتٍ شتى. فحتى أكثر الشخصيات انبساطية لديها ما تخفيه، تتستر عليه او تود نسيانه.
لكن للوحة ابعادا أخرى تخصنا كمشاهدين، كأن نجدها تتحدث عن مشاعر فينا وذكريات استُعيدت بفضلها لم تكن في بال الرسامِ اصلا، بل ربما نستميلها لتنطق كما نشاء نحن، وليس كما شاءت هي او كما شاء صانعُها، وهذا ليس تعسفا، بل هو جزء لا يمكن اقصاؤه من نشاط الذهن ويمثل اثراء للعمل الإبداعي. بهذه الطريقة سوف تتنوّع طرق التأويل لنفس اللوحة اعتمادا على مجمل الخلفية الفكرية وخزين الذكريات التي عاشها كل فرد.
ويصل المؤلف الى نقطة حاسمه في مفهومه عن الرسم ذلك الذي حمله عنوان الكتاب أيضا:
"ان المطمورَ والمدفون والمموه هي من الأمور التي تساهم في خلق المنتجات التشكيلية وهي أكبر بكثيرٍ من ذلك الجزء المتاح فورا ومن النظرة الاولى للمشاهد، وذلك بسبب محدودية الجهد الآركيولوجي المبذول لإزاحة طبقات متراكمة من التمويه عنه".
بعدها ينتقل الكاتب الى الحديث عن منهجه في التحليل والنقد:
"مناهجُ وطرقُ النقد التشكيلي لم تكن في الغالب مقنعة، خصوصا وان "الناقد" يجعلُ النصوصَ النقدية مناسبة لاستعراض نفسِه على حساب الموضوع المنقود والنتاج الإبداعي نفسه. في اغلب النصوص التي حُسبت على النقد التشكيلي، نجد ميولاً تهتم باستعراض الذات، أي استعراض شخص الناقد لنفسِه. يغلبُ الاستئثارُ وتضخيم الذات هذا على ما دونه ويكون على حساب ما هو منتظر ومتوقع، أي التركيز على العمل التشكيلي نفسه وعلى الفنان الذي أنتج العمل. العشراتُ والمئات من النصوص "النقدية" سنجدها وقد صبّت اهتمامَها على استعراضاتٍ لغوية وبلاغية، صِيرَ فيها الى افتعالِ لغة صعبة للتغطية على العجز عن اختراق سطح اللوحة والتحدث عما هو عميق ومموهٍ فيها".
“وفي البحث عن لغة نقدية ملائمة، لم أجد ما ارتكن اليها كنموذج للنقد السليم، الا ما ندر. وفي تسعينات القرن الماضي اقتنيت كتبا اصيلة باللغة الإنكليزية لنقاد ومسؤولي قاعات ومتاحف اوربيين تحدثوا فيها عن اعمال كبار الفنانين، امثال فان كوخ وسيزان وماتيس وبيكاسو وغيرهم، فوجدت ان لغة مؤلفي هذه الكتب بسيطة ليس فيها لف او دوران او بلاغة زائدة ووجدتُ، وهذا الأهم، انها تصب اهتمامَها على العمل الفني وتتحرك ضمن اطاره وتلجأ أحيانا الى حياة الفنان نفسه او الى استطرادات صغيرة أخرى هنا وهناك، ولكن دائما بقدر ما تكون حياة الفنان الشخصية وتلك الاستطرادات دالة على توجهاته الفنية ورافدة لخصائص محددة في فنه".
المجموعة الأولى من اللوحات
عالم النساء
بعد الانتهاءِ من المقدمة يعرض الكاتب علينا مجموعة من اللوحات برفقةِ تحليلٍ يتلاءم مع مضمونها، بل يأخذ بيدنا لنبحر معه في عوالم تتجاوز ما هو معطى واضح المعالم ومنظور، الى ما هو موارب. ومنذ هذه اللحظة ستتعاقب صور لوحات بما يبلغ بمجموعها قرابة الاربعين تتعلق بعالم النساء والطبيعية. يقول الفنان عن بطلاتِ لوحاته:
"انهنّ سيداتٌ ناضجاتٌ او صبايا في مرحلة التحول، نهدنَ توا، وجدنَ أنفسَهن موضوعا للوحاتٍ تعرض أفكارا بصرية تدور حولهن فكنَّ مركزا لها، أو أفكارا أخرى استُلت من عالمهن الداخلي بالاستقراء والاستنطاق. كلّ هذا أطلق فيضا من المشاعرِ تجاوزتِ الوجودَ المادي للوحة نفسها".
ان الأفكار التي يدور حولها موضوع الكتاب تقوم على هذه الحقيقة كما يرى: "المشاعرَ التي حملتها تلك النسوةُ (يقصد اللواتي ظهرن في لوحاتِه) لم تكن منظورة أو متاحة بالسهولة التي تبدو لأول وهلة، انما لكي نصلَ اليها ينبغي ان تتوفر لدينا الرغبة والقدرة على اختراق سطح اللوحة واستنطاقها، فهي مشاعرُ غيرُ معلنة، صعبة الاقتناص، وتحتاج قدرة على التأويل لمن هو باحثٌ عما خلفَ المعلن ومن هو راغبٌ بالغوص اعمقَ من السطح الظاهر. هناك إشاراتٌ ودلالات في أكثر اللوحات "حيادية" تتجاوز الظاهر، فما بالك باللوحات التي تتناول المسألة الوجودية للمرأة، مشاعرَها واحاسيسها".
ومن خلال منهجه الاركيولوجي يحاور المشاهد: "الزمن معدوم (في اللوحة)، والادق انه مخفي وعلى المشاهد ان يصل اليه، الى ما قبل "اللقطة" التي تمثلها اللوحة ككائن "ثابت" والى ما بعدها. وبقدر ما تكون اللوحة ناطقة سيكون ما قبل اللحظة وما بعدها ثريا بالسر الخفي. تأتي لذة المشاهدة الفاعلة من ان المشاهد يساهم في "رسم" اللوحة مجددا عن طريق دلالاتها التي لم تعط له بالنظرة الأولى."
نماذج منتخبة من الكتاب
إضافة الى تعليقاته ونصوصه التحليلية نقل الكاتب لنا منتخباٍت من تعليقات كتبها معلقون على لوحات نشرت على مواقع التواصل الاجتماعي.
المتحدية

"عيناها تنطقان بالدهشة والفضول. انها تنظر الى "حدث" أو "شيء" غير متاح لنا، نحن المشاهدين، ان نراه. جلستها مستقيمة، شخصيتها حاسمة، هذا ما توحي به لغة الجسد ونظرة العينين الحادتين اليقظتين. ولكن حزمها الذي اجتمع مع نعومتها، أوحتْ به أكملَ ما يكون وضعيةُ الذراع اليسرى التي بدتْ مرتكزةً بقبضتها على الخصر. هذه الحركة تقول بان السيدة لا تمس، وهي مستعدة لان تستخف بكل شيء لا يتماشى مع مزاجها وضوابطها".

يلجأ الفنان في بعض اعماله الى استعمال الاحبار الملونة والتكنيك الرطب ويكشف لنا أسرار تقنياته:
"تحققَ هنا، في قلب اللوحة، وتحديدا عند منطقة التقاء الجسدين، تداخلٌ لونيٌّ، شكل عنصرَ الثقل في اللوحة ومثّل شخصيتها واشّر اهم ميزةٍ فيها. ثمة امتزاجٌ حساس وانيق بين ألوان الأصفر والبنفسجي والازرق الخفيف، هو من التوازن، بحيث لو اقتطع، لكان لوحدة لوحة تجريدية متكاملة العناصر. لا يمكن الوصولُ الى مثل هذه النتائج بدون التكنيك الرطب، الذي يقوم على ترك الألوان تتحرك على سطحٍ من الورق، تم ترطيبُه بالماء بواسطة الفرشاة ثم السماح للألوان بان تتحرك من الأطراف نحو المركز. وفي المركز ستقرر الألوان المتحركة طريقتها في صياغة العلاقة فيما بينها. تأسر الألوان مساحات من بعضها البعض وتزيحها لتحل محلها، ولكنها أحيانا أخرى لا تقوى على إزاحة اللون "الخصم" بالكامل، عندها يتم عن طريق مصالحة وتسوية تحديد مساحات حيادية يختلط فيها لونان او أكثر. وتبقى بعد كل هذا مساحات انكماش يعبر فيها اللون عن نفسه بصفاء وبكامل طاقتِه". ص. ١٦
الحائرة - باستيل على ورق مقوى

ربما يكون معيبا ما أقوم به. أن اسطو على مشاعرِ فتاةٍ، على همومِها ووساوسها، واجعلها غنيمتي، فأرسمها، ثم اذهب ابعد من ذلك فأكتب عنها. ثم لا احصر ما غنمتُ بواسطة التلصص بي، بل اترك الاخرين يشاركونني فيه، عارضا إياه موضوعا للرسم والتأويل، يتتبع امام اعينهم مسار اختراقي لعالمها وانتهاكي لخصوصيتها. ربما ينطوي فعلي، الذي اسميتُه تأويلا، على بعضٍ من تلفيقٍ أو ادعاءٍ او اقحام. لكن الفن كما هو العلم يقوم على افتراضات. اما الفرق الجلي بينهما فهو أن العلم ينحي بعض الافتراضات بالتجربة المحسوسة القابلة للبرهان، فيما ليس لزاما على الفن أن يقوم بذلك. فكل افتراض او استقراء يبقى قائما كاحتمال يتعذر تفنيده واقصاؤه، بل يُضاف الى ما لا يحصى من الافتراضات والتأويلات المتحققة حتى الان أو في المستقبل، ويسمح لها ان تتعايش مع بعضها البعض وجنبا الى جنب.
هذه الفتاة التي وضعت يدَها على وجهها، تقف في احدى الحدائق العامة، حائرة، مفكرة، أيَّ اتجاه ينبغي ان تسلك لتصل مبتغاها، هذا الذي بدا حتى لنا انه غير واضح.
رغم سكونها وثباتها الظاهر، فإن فيها ما يوحي بالاضطراب. اننا نجد أنفسنا إزاء نفس الامر مرة أخرى. فاللوحة ليس لها، كما للسرد، زمنٌ، انها معطى نهائيٌ ولمرة واحدة، ولكنها تخفي زمنا في ثناياها وعلينا تتبعه. فالرسم وان كان اقتطاعا من حركة الزمن، انما يرتب علينا مهمةَ ان نُمسك باللحظة الأكثر تعبيرا في مساره وبما يشي لصانعها وللمشاهد باللحظة السابقة لتلك اللحظة المجمّدة وتلك القادمة، فيُلقي ضوءا على بطلة اللوحة او بطلها بما كانت عليه وما صارت اليه، فيما سبق وفيما لحق.
في اللوحة صِير الى ترك فراغات غير مرسومة، من اجل تعزيز حيرة البطلة وإبراز التوهان الذي هي فيه. من يدري، ربما هي تفكر بما ينبغي ان تفعله بعد أن اخلف حبيبٌ موعدَه معها. ربما هي تتلفت لأنها لم تتخلَ بعدُ عن الامل بقدومه. ام انها بكل براءة وبعيدا عن ظنوننا المقحمة، مجرد فتاة تاهت في زحمة الممرات، تحاول اللحظة ان تتذكر الطريق الذي سبق وسلكته في مرةٍ سابقة.
وفي مطلق الأحوال، نجد هنا فعلاً لبطلة اللوحة، هو غير ذاك الحاسم الثابت الذي شاهدناه لدى بطلة "المتحدية" ولوحات اخرى.
تعليقات
ـ she is wondering, why he is late?
ـ فيها لطف وبراءة
ـ أحب فتياتك لأنهن يسمحن لي بالتعبير عما يجول بخاطري
الحزينة

هنا، كما في اللوحة السابقة، استُعمل التكنيك الرطب. وأيضا في مركز اللوحة اللون الأصفر. نجدهُ هنا محاطا باللون الأزرق ومشتقات اللازورد. تدفقت تدرجات الأزرق من محيط الوجه نحو المركز محاصرة اللون الأصفر المركزي الذي دافع عن نفسه، وفي المناطق التي اختلط فيها اللونان، اعطانا الخليطُ لوناً مُخضّر رقيقا. وعند الجبهة وبضربات فرشاة رشيقة، تهدلت خصلاتُ شعرٍ متقاطعة لتظلل العينين.
نساءٌ ونخيل - باستيل على ورق

مجتمعاتٌ لصقَ بعضِهِّن لكننا نجد انّهن، رغم قربهنّ من بعضهنّ، كالنخيلِ، منفرداتٌ متوحّدات. لقد لبسنَ زاهيَ الألوانِ وتعطّرنَ، لا لكي يكنّ للآخر، انما ليكنّ "لهُنَّ"، لأنفسِهنّ، أن يُدركن ذواتهن بقوة، ويبقين مثل النخيل شامخات. في ثنايا اللوحة حوارٌ هامسٌ بين اثنتين أو تطلع نحو قمم النخيل. انهن مبتسماتٌ أو واجمات، سواهمُ قانطاتٌ، متفائلات أو غير مكترثات، لكنهن على مختلف احوالهن معتدّاتٌ بأنفسهن. يفصل بينهنِّ وبين أصولِ النخلِ سديمٌ مضيء، سديمٌ من املٍ يُلغي صلابة الأشياء ويُضفي عليها غلالةً من حلمٍ. عالمُهن انغلقَ على خصائصَ ليست في متناولِ العابرين، انما في متناولهن، خبِرنَ مسالِكَه وتعاريجه، سِرنَ فيه مرارا باحثاتٍ عن الذات. في محاكاتِه لهن اكتسب النخل ألواناً قزحية، فباتَ بلونِ اللازَوَرد أو زهرياً حالماً. ص. ٣٠
تعليقات:
ـ ايهما أجمل اللوحة ام النص؟
ـ حديث الألوان والوان الحروف
ـ أجمل الألوان في مهجة القلب الوردي والازرق ولم يزل عهدي بهما كأجنحة تحوم حول الخصاب والعطر...
القسم الثاني : نشيد البساتين
يفتتح الكاتب القسم الثاني من الكتاب بفصل اسماه "نشيد البساتين" ص. 44 فيقول في مقدمتِه:
"الطبيعة عندي هي البساتينُ، ما احتوته وما حولها من سواقي ومن نخلٍ يظلل أشجارَ البرتقال بحنوٍ أبوي. لكن اشجارا للكمثرى والتفاح والخوخ وجدت لها مكاناً هنا وهناك، تلوذ هي الأخرى بظلال النخيل، هاربة من شمس الصيف، متسترة على ما عندها من جمالٍ كامنٍ حولاً حتى يأتي أوانها لتعلنَ عن كامل حضورِها وتأسر الأنظار بنوّارها المتفتح عند مقدم الربيع. تزدهي البساتين بالنوار الأبيضِ والوردي، مثل احتفاءٍ جماعي بفساتين الاعراس".
"الطبيعة عندي أن تتشاطئ البساتينُ والنهرَ، ترافقُه في التواءاتِه وانعطافاتِه الكبرى، ان تحتضنه حين يغضب فيفيض ويطغى، وهي معه حين يهدأ ويستكنّ، فينساب بهدوء. هي ان نرى خلل ماء النهر الزلال كيف يحتضن ملايين الأسماك الفضية التي تبرق في ضوء الشمس، وقد اخترقت الماء الشفيف، كلما احتشدت عند الشاطئ متصارعة على قطعة خبز طافية.
"وهي جرفٌ حفر فيها الشقراق ثقوبا يضع فيها بيضَه فيفقّس بعد حين ويطيّر. انها هديلُ حمائم منَ على ذرى النخل "كوكوكتي وين اختي" كما ترجمها السرد الشفاهي المتوارث. وهي أن يتوارى ثعلبٌ ساحبا ذيله المتوهج بلون محمر بين فجوات نبات العليق وقد ألقى بكلكله على الزوايا والاسيجة. الطبيعة هي طوفٌ البساتين وقد عمّرَ طويلا وتغضن، معمولا من الطين المخلوط بالقش يعتليه العوسج، حفرَ فيه المطر والريح اخاديد عمَقها التكرار الدؤوب، أو اسيجة من سعف نخلٍ مرصوف. انها أغانٍ من مقام المدمي والراشدي والابراهيمي "خيي خيي" ينشده من ذُرى نخلةٍ عاشقٌ مُولّهٌ. انها اختلاء خجول بالحبيبة خلسة بعيدا عن الاعين. هي البرتقال حين يضيء، غسله وابلٌ، هي زهور من الرازقي شتلها مجيد الصيّاد قربَ سريره جوار عرائش عنبٍ تدلت منها العناقيد".
"انها البراري جنوبي القرية، سكنتها طيور التدرج والقطا والحبارى وامتدّت عند وهادها ومنخفضاتها نباتات الخبيز والشفلح والرغل. انها بيت السركال الغامض القصي ومضخة الماء التي نسمعها في الليالي "چو، چو، چو" رتيبة كدقات الساعة المعقودة بسلسلة الى ياقة القميص في جيب المله ناجي، كأنما وقعها تنويمة للساهرين على السطوح. انها الزرازير تنخرز في الموسم متراصة على اسلاك نشر الغسيل، هي النسيم محملاً برائحة المطر يمسح بكف هائلة البراري والبساتين والشجر".

مالتْ نخلة في المقدمة كاسرة رتابة الامتدادات العمودية لجذوع النخل خلفها، كأنما تنشد التفرد بالاختلاف. تعي الطبيعة فعلها، حين تملّ من التناظر والتكرار، مُحدثة نوعا من المُغايرة يكسر رتابة الإيقاع. هذا ما اعتدتُ على تسميته "موسقة" التكوين، وموسقة العلائق بين عناصر اللوحة، يقوم على نبذ التكرار.
نفذتُ اللوحة بطريقة التغطية المتأنية، اعتمدت فيها على تكنيكٍ يقرب من ذاك المستعمل في الرسم بالألوان المائية. تكاملت ألوان الطوف والأرض مع ألوان الأخضر الزيتوني للنخيل والشجر فباتت كما اصطلح عليه في اللغة النقدية (monocromic) أي تلك التي يسود فيها لونٌ واحد او مجموعة ألوان متقاربة ومتكاملة. ص.50
الطريق الى القرية - باستيل على ورق

يمتد الطريقُ كخطٍ مضيءٍ، تميّزَ عما يحيط به من مساحاتٍ بفعلِ تواترِ الاقدام. الطريقُ الذي بدا متوهجاً يحاكي بإشراقته لون السماء ولكن بألوان أكثر دفئا، يميلُ يسارا قبل ان يعود فينعطف يمينا، ثم يختفي في افقِ اللوحة خلف كتلة من النخيل. ثمة نخلتان انفردتا عن كتلة النخيل، تاركتين مسافة بين جذعيهما. خلفهما، عند هذه النقطة القصية، يلتف الطريق فيترك نقطتي ضوء تحققتا بلمستين حاسمتين. وفي الجزءِ القريبِ من المشاهد الى يمين اللوحة نجد اشتغالا فيه الكثير من التجريد لمعالم غيرِ محددةٍ توحي بأنها صخور او تكتلات مرصوصة من تربة طينية، كما لو انها منذ زمنٍ نُحيت عن الطريق، يقابلها على الجانب الاخر ولكن ابعد قليلا اشتغالٌ مشابه سمح باستعمال ألوان أرضية ولكن أيضا أخرى بنفسجية، راعت الاعتبارات التشكيلية في التوازن والجمال المحض، ولم تذهب مذهبَ المحاكاة، ما اتاح فسحة للتصرف، بعيدا عن تلك القيود التي تنصاع لها في العادة المدرسةُ الواقعية الصارمة.
المدينةُ الحلم - مائية على ورق

في اللوحة تندمجُ الأرضُ بالسماء فاتحةً باب الامل والرجاء. وعند مستوى الغيوم ثمة عالمٌ أثيري، لكن مكوّناته تنتمي لعالمٍنا الارضي، فهو ماديٌّ ملموس، تظهر لنا فيه بيوتٌ، نخيلٌ، قببٌ وشجر، سنلاحظ ثمة سلالمُ تقودُ نحو الأعالى، حيث أبواب ومداخل في جدرٍ اثيرية، تنفتح على مسالك تقود الى عالم الأحلام.
وفي الختام...
سنجد لمحات من سيرة الكاتب وقد وضعت متفرقة بين الفصول ومكتوبة بشكل مرسل، وليس كما دُرج عليه في كتابة السير على شكل نقاط متعاقبة حسب التسلسل الزمني، كما سنجد وجهة نظره في الموقف من انشغال الفنان بالشأن العام وهموم المجتمع. ما يمكن استخلاصه يبدو انه مبني على تجارب صعبة خاضها بنفسه قادته كخاتمة الى تفضيله ان يتبنى الفنان موقفا انسانيا من قضايا عالمنا وان يجعل التعبير عن هذا الموقف محصورا بأدوات الابداع نفسها: اللون والشكل والكلمة.


