لم تعد معادلة الإنفاق الدفاعي تُختزل في حدود حجم الأموال المخصصة لشراء العتاد والمنظومات، إذ تتركز قيمتها الحقيقية في حجم البقايا الاقتصادية والتقنية التي تتوطن داخل حدود الوطن. فالمعادلة التقليدية التي تعتمد على استيراد السلاح الجاهز تعني بوضوح تسرب القيمة الاقتصادية للخارج؛ حيث تتمركز المصانع، والكوادر الهندسية، ومراكز البحث والتطوير، وسلاسل الإمداد ومحطات الصيانة في دول الصانعين، لتتحول ميزانية الدفاع إلى فاتورة سنوية مستنزفة لا تترك سوى منتج قابل للاستهلاك، يفقد قيمته مع تقادم الأجيال التقنية دون أن يرفد الاقتصاد المحلي بأي تراكم معرفي أو صناعي مستدام.
ويُمثّل الانتقال نحو التصنيع المحلي نقلة جذرية تحول الإنفاق إلى أصل استثماري يشيّد المصانع، ويوظف الكفاءات الوطنية، ويخلق موردي خدمة محليين، ويمول البحث العلمي لنقل المعرفة وتأسيس شركات واعدة قادرة على الإنتاج والتصدير.
يتجلى الفارق الجوهري بين مجرد توطين المشتريات الذي يكتفي بالتجميع الشكلي، وبين توطين الصناعة الذي يضمن امتلاك المعرفة والقدرة الهندسية والتقنية المطلقة، ويخلق قطاعاً دفاعياً قادراً على الابتكار والتطوير الذاتي بمعزل عن التقلبات الجيوسياسية وسلاسل التوريد الخارجية التي قد تشكل عائقاً في أوقات الأزمات.
ولفهم هذا التحول بعمق، فإن القراءة الاقتصادية الاستراتيجية تُبين أن الإنفاق العسكري تجاوز كونه استهلاكاً سيادياً مؤقتاً، ليصبح رافعة أساسية من روافع التنمية الصناعية الشاملة. وخير مثال على ذلك يكمن في مستهدفات رؤية المملكة 2030 بالوصول إلى توطين أكثر من 50% من الإنفاق العسكري؛ فهي رؤية اقتصادية والمعرفية متكاملة وليست مجرد غاية دفاعية بحتة، وتمتلك المملكة اليوم مقومات واعدة تتمثل في شركات وطنية كبرى، واستثمارات متنامية، وطاقات بشرية شابة، إلى جانب سوق ضخمة تضمن جدوى الاستثمار وتوفر قاعدة طلب مستقرة تمول بدورها أبحاث المستقبل وتضمن استدامة الأنشطة الصناعية على المدى الطويل.
إن نجاح الشراكات الدفاعية المستقبلية لا يُقاس بحجم العقود المالية وحدها، فالمعيار الحقيقي هو عدد التقنيات الموطنة، ونسبة المكونات المحلية، وحجم الكفاءات العاملة في البحث والتطوير، وقيمة المنتجات الصادرة للخارج. وتتجلى المعادلة الكبرى في تحويل الإنفاق العسكري من عبء مالي سنوي إلى قاعدة استثمارية راسخة تمتد آثارها لتنعش قطاعات متقدمة كالذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني، وعلوم المواد، والفضاء، ليبقى الأثر الاقتصادي والمعرفي ثابتة أركانه داخل الوطن، وليصبح السلاح صناعة وطنية تخدم التنمية المستدامة قبل أن تكون أداة للدفاع.

