: آخر تحديث

... في مواجهة التكنولوجيا

3
3
3

سارة النومس

من الملاحظ في الآونة الأخيرة تراجع ظاهرة الكتابة على جدران المنشآت الحكومية والأماكن العامة، مقارنة بما كان شائعاً في السابق من عبارات وأشعار وخواطر يخطها الصغار على الجدران. ولعل هذا التراجع يعد مؤشراً إيجابياً يدعو إلى التأمل: هل يعود السبب إلى أن الأبناء لم يعودوا يقضون أوقاتهم في الشوارع كما في الماضي؟ أم أن التكنولوجيا استحوذت على جانب كبير من حياتنا، فأصبح الشباب يفضلون قضاء أوقات فراغهم أمام الهواتف الذكية بدلاً من التجول في الفرجان والأحياء السكنية؟

لقد بدأت المعاملات الرقمية بالانتشار عالمياً منذ مطلع الألفية الجديدة. وأتذكر أنني أعددت عام 2002 تقريراً عن الحكومة الإلكترونية، وحصلت بفضله على المركز الرابع وتم تكريمي من قبل وزارة التخطيط آنذاك. وفي العام التالي أُقيم مؤتمر في الكويت حول الموضوع نفسه، وتمت دعوتي للمشاركة فيه، وكنت حينها طالبة في المرحلة الثانوية. وقد أثار هذا المجال اهتمامي الكبير وجعلني أترقب مستقبل الخدمات الحكومية الرقمية.

في ذلك الوقت، كنت أعتقد أننا خلال أقل من عشر سنوات سنستغني إلى حد كبير عن الورق، وستصبح معظم المعاملات إلكترونية بالكامل، كما هو الحال في عدد من الدول التي بادرت مبكراً إلى توظيف التكنولوجيا في مختلف القطاعات وسارعت إلى تبني الحلول الرقمية الحديثة.

قبل أيام قليلة، زرت إحدى الجهات الحكومية التي يتطلب دخولها الحصول على تصريح مسبق. وقد وصلني التصريح عبر تطبيق «واتساب» على هيئة صورة لورقة مطبوعة تحتوي على عدد من التواقيع.

حينها تساءلت: أليس من الممكن إدخال الاسم والرقم المدني مباشرة في نظام إلكتروني مرتبط بالبوابة الأمنية بحيث يتم التحقق من الهوية آلياً عند الوصول؟ يبدو لي أن مثل هذه الإجراءات قد تسهم في تسهيل العمل ورفع الكفاءة وتقليل الاعتماد على المستندات الورقية المتداولة بصور مختلفة.

وفي وقت أصبحت فيه التوقيعات الإلكترونية ممارسة شائعة في العديد من الجهات والمؤسسات حول العالم، لا تزال بعض الإجراءات التقليدية تستغرق وقتاً وجهداً يمكن اختصارهما عبر حلول تقنية متاحة ومجربة. كما أن تسريع الإجراءات ينعكس إيجاباً على الموظفين والمراجعين ويحد من التأخير الناتج عن دورة المستندات الورقية.

ومن الأمثلة التي تستحق التأمل ما قامت به وزارة التربية قبل سنوات من توزيع وحدات تخزين إلكترونية (USB)، ثم توزيع أجهزة iPad على الطلبة. وقد تساءلت آنذاك عن الأهداف المرجوة من هذه المبادرات ومدى انعكاسها على تطوير العملية التعليمية. فالمعلم اليوم أصبح أكثر قدرة على توظيف التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في تقديم المادة العلمية، والطالب بدوره ينشأ في بيئة رقمية تجعله متمكناً من استخدام الأجهزة والتطبيقات الحديثة منذ سن مبكرة.

لذلك، يظل السؤال قائماً حول كيفية الاستفادة المثلى من هذه الإمكانات وتحويلها إلى نقلة نوعية في الأنظمة والإجراءات التعليمية والإدارية.

إن التحدي الحقيقي لا يكمن في توفر التكنولوجيا، بل في سرعة تبنيها وتطوير أساليب العمل بما يتناسب مع متطلبات العصر. فالكثير من الممارسات الإدارية ما زالت تستند إلى إجراءات تقليدية تعود إلى عقود مضت، حتى وإن كان الموظف أو المسؤول من الشباب، فهم لا يزالون يستخدمون عقلية الثمانينات وكأنها روتين مقدس من الصعب تغييره.

وفي المقابل، نرى العديد من الموظفين الكويتيين يمتلكون مهارات عالية في استخدام التكنولوجيا ويقدمون نماذج متميزة من الابتكار والإبداع، بل ويعرضون إنجازاتهم وأفكارهم عبر وسائل التواصل الاجتماعي المختلفة. وهذا يدفعنا للتساؤل: لماذا لم يتم استغلال هؤلاء الشباب المبدع في بيئة عملهم؟ وتطوير المؤسسات على أيديهم وخبراتهم؟

فالقطاع الخاص اليوم يتسابق على تبني أحدث الحلول التقنية، ويتعاون مع شركات عالمية لتطوير أنظمته وتحسين كفاءة أعماله، كما يوظف تطبيقات الذكاء الاصطناعي في معالجة التحديات اليومية وتعزيز موثوقية البيانات وسرعة الوصول إليها. ومن هنا تبرز أهمية تسريع وتيرة التحول الرقمي في الجهات الحكومية، بحيث تصبح التكنولوجيا جزءاً أصيلاً من بيئة العمل لا مجرد أدوات كونها زينة في المكاتب.

إن رسالتي إلى الجهات الحكومية هي رسالة تقدير ومحبة قبل أي شيء آخر. فالكويت تمتلك الكفاءات البشرية والإمكانات التقنية التي تؤهلها لتحقيق المزيد من الإنجازات في مجال التحول الرقمي. كما أن المجتمع اليوم أصبح أكثر جاهزية للتعامل مع التطبيقات والخدمات الحديثة، بفضل الانتشار الواسع للهواتف الذكية والمنصات الرقمية.

لذلك، فإن الاستمرار في تطوير الأنظمة والإجراءات واستثمار الإمكانات التقنية المتاحة سيعزز جودة الخدمات ويرفع كفاءة الأداء ويواكب تطلعات المواطنين والمقيمين على حد سواء. وعندما أرى ما تحقق في الكويت من إنجازات وتطورات خلال السنوات الماضية أشعر بالفخر والسعادة، فمن منا لا يتمنى أن يرى وطنه في مصاف الدول المتقدمة عالمياً؟

لم يعد لدينا مزيد من الوقت لانتظار عشر سنوات لتطبيق التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، اليوم، نستطيع أن نحدث الفرق في غضون أيام وحتى ساعات.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد