ليلى أمين السيف
استيقظت على صوت الأذان ولوهلة شعرت أن شيئاً قديماً في داخلي قد عاد وأيقظ في قلبي حلماً قديماً طالما رجوت الله أن يحققه.
كان المسجد قريباً، قريباً حتى خيل إلي أن بين غرفتي والمحراب نافذة مفتوحة على السماء. وحين شق الأذان سكون المكان بلغني صوته كما لو أنه يعرف الطريق إلي منذ زمن ويقول لي بصوته الذي لا يخطئه قلب مؤمن ما زال الطريق إلى الله قريباً.
في الرياض، كنت ضيفة عند صديقة تسكن بجوار المسجد ولحسن الحظ وجدت نفسي في البيت الذي طالما تخيلته.
المسجد ليس في نهاية شارع ولا وراء بيوت كثيرة. كان جارنا. وحين ارتفع صوت المؤذن من قريب شعرت أن شيئا في داخلي يعرف هذا النداء منذ زمن كأن الأذان جاءني هذه المرة من المكان الذي طالما دعاه قلبي..
«الله أكبر»
ما أرحم هذا النداء حين يأتيك من قريب، يمر على سكونك فيوقظ فيك ما غفلت عنه طوال نهارك ويذكرك أن لك موعداً مع الله مهما باعدت بينك وبين ذلك الموعد مشاغل الحياة.
تسلل صوت الأذان إلى غرفتي ففتحت عيني على طمأنينة لا تشبهها طمأنينة. وقلت في سري
يا الله. لقد اسكنتني جوار بيت من بيوتك كم أنت كريم معي.
استيقظت فرحة، توضأت وجلست انتظر إقامة الصلاة. وبين الأذان والإقامة كان هناك ذلك السكون الجميل. كأن المكان كله يستعد للقاءِ جميل.
كنت أنتظر بعد الأذان أن يرتفع صوت الإمام بالقرآن؛ أن أسمع التلاوة من المسجد القريب كما كنت أسمعها قديماً؛ ويأتيني بعدها «آمين» المصلين من خلفه؛ فتجتمع في لحظة واحدة أصوات أحبها قلبي لكن للأسف حالت القوانين الجديدة دون ذلك. وبقيت انتظر إقامة الصلاة وفي داخلي شوق لا يعرف ان الصوت الذي انتظره لن يأتي.
ثماني سنوات وأنا أسمع أجراس الكنائس من حولي. لم أكن أرفض شعيرة أحد ولا أنكر على أحد صوته. لكل مجتمع شعائره وأصواته وذاكرته. لكنني كنت اكتشف مع الأيام أن للإنسان أصواتا تسكن فيه. أصواتا لا يسمعها بأذنه وحدها. يسمعها بذاكرته وقلبه وطفولته وكنت أفتقد صوتاً بعينه.
«الأذان» ثم افتقدت ما بعد الأذان. صوت الإمام في الصلاة الجهرية. ترتيل القرآن وهو ينساب في المسجد ثم تلك اللحظة التي تخرج فيها كلمة «آمين» من أفواه المصلين كأن القلوب كلها رفعت حاجتها في وقت واحد.
«آمين» كم تبدو الكلمة صغيرة حين تُقال منفردة وكم يغدو لها من عظمة حين يقولها جمع من الناس خلف إمام يقرأ القرآن سراً وجهراً.
نحن لا نفتقد الأماكن وحدها بل نفتقد الأصوات التي كانت تجعل تلك الأماكن وطناً. ومن هنا بدأت أفكر في المسجد بطريقة مختلفة.
هل تأملنا يوماً لماذا لم يجعل الله الصلاة شأنا فردياً نؤديه في بيوتنا وينتهي الأمر. لماذا أقام لنا بيوتا لله نجتمع فيها كل يوم. ولماذا كان المسجد جزءا من بناء المجتمع المسلم لا مجرد مكان للصلاة. كان من الممكن لكل واحد منا أن يصلي وحده في بيته. إذًا فلماذا هذا اللقاء المتكرر. ولماذا هذه الصفوف التي تجمع الغني والفقير والكبير والصغير دون موعد بينهم إلا النداء إلى الله. ماذا كان يريد الله أن يصنع بهذا الاجتماع فينا وبيننا.
ربما هنا ضاعت منا بعض حكمة المسجد حين اختزلناه في صلاة تُؤدى ثم ينتهي دوره. بينما كان يمكن ان يكون قلب الحي و موضع الايمان والعلم والرحمة والتعارف والتكافل.
ماذا لو لم نتعامل معه باعتباره المكان الذي نذهب إليه لأداء الصلاة المفروضة فقط، ماذا لو تذكرنا قبل ان نخطو اليه أننا ذاهبون إلى بيت من بيوت الله يستقبلنا خالقنا فيه بكل حفاوة. بيت نتزود فيه حين ينفذ منا الزاد ونستريح فيه حين تتعب أرواحنا ونتعلم فيه كيف نعيش مع الله ومع الناس.
المسجد ليس مكانا نؤدي فيه عبادة ثم نغادره ؛إنه مكان يعيد ترتيب علاقتنا بانفسنا وبمن حولنا.
تذهب إلى المسجد مرة ثم تعود إليه ومرة بعد مرة يألف قلبك الطريق. تألف المكان ومن فيه حتى يصبح لك في المسجد شيء لا تملكه في غيره. سكينة تأوي اليها وجماعة تشعر أنك واحد منها. فإذا غبت افتقدوك وإذا احتجت وجدت من يمد إليك يده.
وعمارة المسجد ليست في جدرانه وحدها.
يقول الله تعالى: {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللّهِ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاَةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللّهَ فَعَسَى أُوْلَئِكَ أَن يَكُونُواْ مِنَ الْمُهْتَدِينَ} (18) سورة التوبة.
فالمسجد يُعمّر حين تدب فيه الحياة. صلاة تملأ صفوفه وقرآنا تحيا به القلوب وناسا تتآلف فيه وتتعاهد على الخير. وما أجمل أن نكون نحن من يعمره بحضورنا حتى يبقى المسجد حيا في قلوبنا، وفي أحيائنا، فهكذا لا تبقى عمارة المسجد في جدرانه بل تمتد من القلب الى القلب؛
غائب يُسأل عنه ومريض يُفتقد ومحتاج تُفتح له أبواب لا يعرف كيف يطرقها. إنسان منكسر يجد حوله من يرفق به. وناس يتعارفون في الصلاة ثم تتسع المعرفة بينهم حتى تصبح مودة وتعاونا وتكافلا وبذلك يكون المسجد موطن الألفة والمحبة والتكافل في الحي.
وهذا معنى من معاني عمارة المساجد التي كثيراً ما نحصرها في البناء والعمران.
وربما كان من المؤلم أن نرى مؤسسات دينية أخرى تحافظ على حضورها في حياة مجتمعاتها بينما تراجع حضور المسجد حتى كدنا ننسى لماذا كان المسجد في الأصل.
ولهذا يؤلمني ان تضيق المساحة التي يصل فيها صوت المسجد إلى أهله. أنا لا أتحدث عن إلغاء الضوابط ولا عن تجاهل راحة الناس وأعلم أن لأهل العلم المعتبرين اجتهادهم في مسألة رفع الصوت خارج المسجد؛ والخلاف في هذه المسائل له مكانته واحترامه.
لكنني أتحدث عن حنين شخص عاش سنوات بعيدا عن ذلك الصوت.
ياليت يعود ترتيل القرآن في الصلوات الجهرية إلى مسامع جيران المساجد بضوابط تحقق المصلحة وتحفظ حق الناس. ياليت يبقى للمسجد صوت يسمعه الحي، صوت لا يزعج بقدر ما يذكّر. صوت يعرفه الطفل كما عرفته الأجيال قبله. صوت يقول للناس إن هنا بيتا من بيوت الله. وإن لهذا البيت دورا أكبر من أن يكون مكانا نؤدي فيه الصلاة ثم نمضي.
عجبا لنا حين نعطّل بعض أدوار مساجدنا ثم نتساءل أين ذهبت الألفة من الأحياء.
المسجد كان يستطيع ان يجمع ما تفرقه الحياة. أن يصنع من الجيران جماعة تعرف بعضها ومن المصلين إخوة يشعر بعضهم ببعض ومن الحي جسدا لا يمر فيه المريض أو المحتاج أو الحزين دون أن تلتفت اليه عين وربما لهذا ما زلت احب فكرة ان يكون المسجد جار بيتنا.
لم يعد الحلم عندي مجرد بيت قريب من مسجد. أصبح حلما بحياة يكون فيها بيت الله قريبا من بيوتنا وقلوبنا. نسمع الأذان فنقوم. نسمع القرآن فنأنس. نلتقي في الصلاة فنتعارف. نعرف الغائب فنسأل عنه. نرى المحتاج فنمد إليه أيدينا. ونعود إلى بيوتنا بشيء من السكينة التي جئنا نبحث عنها.
كنت طفلة تحلم بخطوات قليلة تفصلها عن المسجد وما زلت بعد كل هذه السنوات أرى أن أجمل ما في تلك الخطوات أنها لا تقربني من المسجد وحده؛ إنها تقربني من المعنى الذي كنت أبحث عنه منذ طفولتي الطمأنينة وجوار رب العالمين.
كلُّ الأمور جوار اللهِ رائعةٌ
بشِّر عيونك لا دمعٌ ولا أرقُ
كلُّ الدروب بغير اللهِ موحشةٌ
تخيفُ من دونهِ الأيام والطرقُ»
** **
- كاتبة يمنية مقيمة في السويد

