المقرات الإقليمية تستحق القراءة.. حيث أُطلق البرنامج في عام 2021 بمبادرة مشتركة بين وزارة الاستثمار والهيئة الملكية لمدينة الرياض، وكان أحد أهدافه جذب الشركات العالمية إلى إدارة عملياتها الإقليمية من المملكة. واليوم تقول وزارة الاستثمار إن أكثر من 750 شركة انضمت إلى البرنامج، متجاوزة مستهدف 500 شركة بحلول 2030 قبل موعده بسنوات. وفي أغسطس الماضي انضم بنك «بي إن بي باريبا» الفرنسي إلى المؤسسات المالية العالمية التي حصلت على تسجيل مقر إقليمي في المملكة.
هذه الأرقام، في رأيي، تجعل نقطة البداية واضحة: لسنا أمام سياسة نبحث عن دليل على نجاحها؛ بل أمام سياسة حققت هدفًا مهمًا، وأصبح السؤال كيف نحافظ على أثرها ونطوره.
فالبرنامج منذ البداية لم يكن مجرد دعوة للشركات لفتح مكتب في الرياض. شروط وزارة الاستثمار تشترط وجود الشركة متعددة الجنسيات في دولتين على الأقل خارج المملكة ودولة مقرها الأصلي، وإنشاء المقر ككيان مستقل في السعودية، وبدء الأنشطة الإلزامية خلال ستة أشهر، وثلاثة أنشطة اختيارية على الأقل خلال سنة، وتوظيف ما لا يقل عن 15 موظفًا بدوام كامل خلال السنة الأولى، بينهم ثلاثة على الأقل في مستويات تنفيذية عليا.
كما أن طبيعة الأنشطة المطلوبة تكشف الغاية الاقتصادية من البرنامج. فالوظائف الإلزامية تشمل صياغة ومتابعة الاستراتيجية الإقليمية، وتخطيط الأعمال والميزانيات، ومراقبة الأداء المالي والأسواق والعمليات، بينما تمتد الأنشطة الاختيارية إلى مجالات مثل الموارد البشرية والتدريب، والإدارة المالية، والخزينة، وغيرها.
أي أن الهدف لم يكن نقل عنوان الشركة فقط، وإنما نقل جزء من وظائف إدارتها الإقليمية إلى المملكة.
وفي المقابل، قدمت السعودية حوافز قوية. فالمقرات المؤهلة تتمتع بضريبة دخل بنسبة صفر في المائة على الدخل المؤهل، وضريبة استقطاع بنسبة صفر في المائة على مدفوعات مؤهلة محددة لغير المقيمين، وتمتد الحوافز الضريبية لمدة ثلاثين عامًا وفق الضوابط المنظمة لذلك. كما تشترط القواعد وجود أنشطة اقتصادية فعلية في المملكة للاستفادة من هذه المزايا.
واللافت أن المنظومة نفسها لم تتوقف عند لحظة إطلاق البرنامج. ففي أغسطس 2026 أطلقت هيئة الزكاة والضريبة والجمارك خدمة نموذج الإفصاح السنوي للمقرات الإقليمية، وهي خطوة تعزز المتابعة والامتثال وتوفر بدورها مزيدًا من المعلومات عن عمل هذه الكيانات.
وهنا أصل إلى الفكرة الأساسية.
التحديث لا يعني التراجع، والمراجعة لا تعني أن التصميم السابق كان خاطئًا.
عند إطلاق أي سياسة اقتصادية جديدة، يعمل صانع القرار بأفضل المعلومات المتاحة له في ذلك الوقت. وبعد سنوات من التطبيق، يحدث شيء بالغ الأهمية: تبدأ السياسة نفسها في إنتاج المعرفة.
أصبح لدينا اليوم أكثر من 750 تجربة فعلية. شركات صناعية وتقنية ومالية واستشارية وخدمية، لكل منها هيكل مختلف، وعدد مختلف من الموظفين، وطريقة مختلفة في إدارة عملياتها الإقليمية، وقيمة اقتصادية لا تتكون بالطريقة نفسها.
ما يمكن اقتراحه هو جعل المراجعة الدورية جزءًا أصيلًا من عمر البرنامج.
مراجعة لا تبدأ من سؤال: ماذا يريد المستثمر أن نغير له؟ بل من سؤال أكثر أهمية: ماذا تريد المملكة أن تحقق من المقر الإقليمي في مرحلته المقبلة؟
ويمكن لهذه المراجعة أن تفصل بين مفهومين كثيرًا ما يختلطان: الامتثال والأثر.
الامتثال يقيس ما إذا كانت الشركة نفذت المتطلبات النظامية: الأنشطة، والموظفون، والمدة الزمنية، والالتزامات الأخرى.
أما الأثر فيقيس شيئًا مختلفًا: مقدار القيمة التي أضافها وجود المقر إلى الاقتصاد السعودي.
وهنا تصبح لدينا بعد سنوات من البيانات القدرة على النظر إلى نوعية الوظائف وليس عددها فقط، ونسبة السعوديين الذين انتقلوا إلى وظائف تخصصية وقيادية، وحجم الإنفاق المحلي، والتدريب ونقل المعرفة، والبحث والتطوير، والملكية الفكرية، والوظائف الإقليمية التي أصبحت تدار من المملكة.
وفي بعض القطاعات قد تكون هناك مؤشرات أخرى أكثر تعبيرًا عن طبيعتها. فالقيمة في الصناعة تختلف عن التقنية، وما يهم في إدارة الأصول قد يختلف عن شركة الخدمات أو الاستشارات. ولا يعني ذلك بالضرورة إنشاء شروط مختلفة لكل شركة؛ فقد يؤدي ذلك إلى تعقيد تنظيمي غير مرغوب. وإنما يعني أن قياس الأثر يمكن أن يصبح أكثر دقة مع تراكم الخبرة.
ومن هنا أرى مساحة مفيدة لإنشاء مراجعة دورية، كل ثلاث سنوات مثلًا، تجمع بين بيانات وزارة الاستثمار والجهات الحكومية ذات العلاقة، ونتائج المقرات القائمة، وآراء المستثمرين والقطاع الخاص، ثم تترك للجهات المختصة تحديد ما يستحق التحديث وما أثبت نجاحه ويستحق البقاء.
فالاستماع إلى المستثمر لا يعني منحه كل ما يطلب، كما أن نجاح السياسة لا يعني تحصينها من المراجعة. وبين الاثنين توجد صناعة السياسات الاقتصادية الجيدة: نستمع، نقيس، نراجع، ثم نقرر وفق مصلحة الاقتصاد الوطني.
وهذا المبدأ يتجاوز برنامج المقرات الإقليمية إلى سياسة جذب الاستثمار الأجنبي عمومًا.
فالسعودية اليوم ليست في المكان نفسه الذي كانت فيه قبل خمسة أو عشرة أعوام. حجم الاقتصاد تغير، والقطاعات الجديدة توسعت، والبيئة التنظيمية تطورت، والمستثمر الذي تستهدفه المملكة أصبح أكثر تنوعًا. ولذلك فمن الطبيعي أن تتطور أدوات جذب الاستثمار هي الأخرى، من دون أن تتغير الأهداف الكبرى التي وُضعت من أجلها.
عندما بدأ برنامج المقرات الإقليمية كانت لدينا رؤية وسياسة ومستهدفات. أما اليوم فلدينا فوق ذلك مئات الشركات، وسنوات من التطبيق، وبيانات وتجارب لم تكن متاحة عند الانطلاق.
وهذه المعرفة الجديدة أصل في حد ذاتها.
فالسياســــــــة الاقتصادية الناجحة ليست التي لا تتغير أبـــدًا. بل التي تعرف ما يجب أن يبقى ثابتًا، وما يجب أن يتطور مع الزمن.

