: آخر تحديث

الإخفاقات الرياضية والمسؤولية المغيبة!

2
2
2

موسى بهبهاني

كانت دولة الكويت تاريخياً هي المنارة الرائدة في الرياضة الخليجية والعربية والآسيوية، وشكّلت العصر الذهبي الذي ألهم أجيالاً متعاقبة في الخليج والوطن العربي بل في القارة الآسيوية، وبالأخص رياضة كرة القدم التي تميزت بالزعامة المطلقة، وتركت بصمة لا تُنسى سواء بالمستوي الفني الراقي، والروح الرياضية القتالية المحمودة، وبالمهارات الفردية العالية، وبالأداء الجماعي المميز.

تاريخ الكويت الزاخر:

1 - زعيم الكرة الخليجية، حيث سيطر على ألقابها مبكراً وحقق الرقم القياسي بـ 10 ألقاب.

2 - أول دولة عربية من قارة آسيا تتأهل إلى نهائيات كأس العالم (إسبانيا 1982)، وأول دولة عربية في الخليج تُتوّج بلقب كأس آسيا عام 1980.

3 - قدّمت النجوم الأساطير منهم:

«جاسم يعقوب، فتحي كميل، فيصل الدخيل، وعبدالعزيز العنبري،...» والذين كانوا ولا يزالون بمثابة القدوة والمثل الأعلى للاعبين من شتى دول الإقليم.

4 - والأجمل من ذلك، أن مستوى لاعبي دكة الاحتياط لم يكن يقل عن مستوى اللاعبين الأساسيين، بل إن تقارب المستويات وضع المدرب أمام (حيرة) في اختيار التشكيلة الأساسية، في ظل امتلاكه خيارات متعددة وعناصر قادرة على صناعة الفارق عند الحاجة.

لقد قدّم المنتخب الكويتي نموذجاً ملهماً في عمق التشكيلة وتكافؤ المستويات، وأثبت أن قوة المنتخب لا تُقاس بأحد عشر لاعباً فقط، بل بمدى جاهزية جميع عناصره وقدرتهم على تحمّل المسؤولية، وهو نموذج يستحق أن يكون موضع اهتمام بقية المنتخبات، فوجود البديل الجاهز يمنح المدرب مرونة أكبر، ويخلق منافسة شريفة بين اللاعبين، ويعزز روح الفريق الواحد.

فالمنتخب القوي ليس من يمتلك نجوماً في الملعب فحسب، بل من يمتلك نجوماً آخرين على دكة الاحتياط، ينتظرون الفرصة لإثبات جدارتهم وصناعة الفارق.

5 - المنتخب لديه قاعدة جماهيرية محبة ووفية، لا تكتفي بمتابعة الفريق من خلف الشاشات، بل تتكبد عناء السفر والمشقة، وتقطع المسافات لمؤازرته والوقوف إلى جانبه بكل حب واعتزاز.

هذه الجماهير تمثل اللاعب الثاني عشر في المدرجات، حضورها يمنح اللاعبين دفعة معنوية كبيرة، ويؤكد أن العلاقة بين المنتخب وجماهيره ليست مجرد تسعين دقيقة داخل الملعب، بل هي انتماء ووفاء يتجددان في كل بطولة.

فحين تسافر الجماهير خلف منتخبها، فإنها لا تحمل أعلاماً فقط... بل تحمل معها حب الوطن، وذكريات الأجيال، وأملاً بأن يبقى الأزرق دائماً حاضراً بقوة في البطولات.

إنما وللأسف...

تراجعت الرياضة الكويتية على مدى سنوات سابقة طويلة، ما أدى إلى ابتعاد المنتخب عن منصات التتويج التي كان مهيمناً عليها سابقاً، وبعد أن كانت المنتخبات في الإقليم تهاب ملاقاة منتخب الكويت لقوّته أصبحت لا تخاف من ملاقاته لضعفه.

وأصبحت نتائج الفريق لا تسر خصماً ولا حبيباً، والسبب الرئيسي لذلك الصراعات داخل المنظومة الرياضية.

– إلى متى نكتفي بتبرير الخسائر؟

– لماذا نبحث في كل مرة عن شماعة جديدة نعلّق عليها الإخفاق؟

– هل أصبحت الخسارة مشهداً عادياً ومكرراً بحيث تتوالى النتائج المخيبة في كل بطولة ؟

– لماذا تتكرر الأخطاء نفسها دون أن نتعلم منها ؟

ففي الرياضة الخسارة واردة، لكن الخطير هو أن تتحول الهزيمة إلى نمط دائم، وأن يصبح البحث عن الأعذار الواهية أسرع من البحث عن الحلول الناجحة.

وبدلاً من أن ندخل المنافسة بقوة ونفرض حضورنا بين المنتخبات، جاءت النتائج مخيبة للآمال، ولم ينجح المنتخب الكويتي في حصد أي - نقطة - في مبارياته ضمن كأس الخليج الحالية!

فالنتائج قد تخذلنا في بطولة، لكن الأهم ألا تتحول الخسارة إلى أمر معتاد، وأن تكون هذه المشاركة جرس إنذار لإعادة ترتيب الأوراق وتصحيح المسار.

فإن تصحيح المسار الرياضي يبدأ بوقفة جادة لتشخيص الإخفاقات المتكررة، ورسم رؤية إستراتيجية واضحة، تليها مرحلة التنفيذ الدقيق ومراجعة الأداء وانتهاءً بالمتابعة الدائمة وربط المسؤولية بالمحاسبة.

إن النهوض بالرياضة يتطلب بناء مشروع إستراتيجي متكامل بعيداً عن سياسة ردود الأفعال، وتحتاج إلى محاسبة حازمة للمقصرين لا إلى تبرير وأعذار، فارتداء القميص الوطني شرف ومسؤولية قبل أن يكون شهرة

وامتيازات، والملعب لا يعترف إلا بمن يقدر هذا الشرف.

ختاماً،

لطالما شكلت بطولات كأس الخليج ملتقى رياضياً خليجياً جمع بين المنافسة الشريفة وروح المحبة والأخوّة بين الأشقاء، ويجسد مشاعر الألفة والترابط بين الجماهير، وقد تمكنت المملكة العربية السعودية بأن تنظّم هذه البطولة 2026، باقتدار كبير محققةً نجاحاً باهراً في إدارة هذا الحدث، ولم تكن كأس الخليج مجرّد ساحة للتنافس الرياضي فحسب، بل تحوّلت إلى كرنفال رياضي واجتماعي حقّق ما تعجز عنه المناسبات الأخرى، إذ جسّدت وحدة الشعوب الخليجية، وقد تجلت أسمى صور التلاحم، لتؤكد عمق الروابط الأخوية التي تجمعنا.

ونبتهل إلى المولى عز وجل بأن تكون النسخ المقبلة من هذه البطولة أبهى وأكثر نجاحاً، لتظل تجسيداً حياً للقاءات الأشقاء، ومنصة تجمع الشعوب قبل المنتخبات، وتقرّب القلوب قبل المسافات.

فالرياضة أكبر من مجرد فوز وخسارة، وأسمى من أن تكون مجرد صراع على كأس، فالرياضة تحمل رسالة سامية تتجاوز حدود الملاعب، لترسّخ ثقافة التنافس الشريف، والروح الرياضية، والاحترام المتبادل، وتعزز قيم الأخلاق والوحدة الوطنية.

فليكن الملعب ميداناً للمنافسة، ولتكن الأخوّة هي العنوان الذي يجمعنا دائماً.

اللهم احفظ الكويت آمنة مطمئنة، والحمد لله رب العالمين.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد