يمثل التعليم حجر الزاوية لأية نهضة تنموية، وهذا ما حدث عام 1912، عندما قرّر مواطنون مستنيرون إدخال «التعليم العصري» للبلاد، عوضاً عن نظام الكتاتيب، الذي كان يديره «الملا». واجهت محاولات فتح مدرسة عصرية مقاومة، ورفض الكثيرون المساهمة مادياً في مشروع بنائها، وبعد عناء، تم جمع المبلغ، لكن متاعب المدرسة، مع قوى التخلّف لم تنتهِ، فبعد فترة قام عدد من أولياء الأمور بنقل أبنائهم منها، لاعتراضهم على تضمن المنهج موادَّ مثل «الإنكليزية» و«الجغرافيا». تناقصت إيرادات المدرسة، فتوقفت عن العمل لفترة.
ما يحدث في الكويت اليوم من مقاومة لتطوير المناهج، ورفض إعادة تأهيل المدرسين، يشبه ما حدث قبل قرن، بحجة الخوف من تأثر الطلبة بأفكار ضالة، وتدريسهم الجغرافيا، التي تروج لكروية الأرض! كانت تلك أعذارهم حينها، واستبدلوها حالياً بما يشبهها، أي الخوف على المعتقد، غير مدركين أن مخاوف 1912 كانت خاطئة، وليس هناك ما يبرر مخاوفهم الحالية. حتى عادات وتقاليد ما قبل مئة عام تغيّرت بكاملها، وبقيت الكويت وبقي الإيمان في القلوب والنفوس.
وضع التعليم، خصوصاً في المدارس الحكومية، لا يسر، والمشكلة لا يمكن أن «تُحل» بوضع طبيب أو مهندس، أو حتى عالم صواريخ، على رأس الوزارة، بل العملية أكثر تعقيداً من ذلك، ولا خيار لنا غير الاستعانة بجهة عالمية، أو حكومة غربية، والطلب منها وضع التعليم على الطريق الصحيح، دون السماح لأي جهة بالتدخل، فلا يمكن مثلاً تكليف مستشار هندسي عالمي لوضع تصميم لناطحة سحاب، وأن نتدخل ونطلب منه استخدام صخور «بحرنا» في بناء جدرانها! كما أن التعليم ليس سيارة نستوردها من الخارج، ونقرر تعتيم زجاج نوافذها، بحجة «عادات البيت وتقاليده»، بل هي خطة وطنية خطيرة، الفشل فيها يعني استمرار التخلّف، وحتماً زيادته، لأن نتائج أي خطة تُعتمد الآن ستكون كارثية، وحجم الكارثة لن يظهر للعلن إلا بعد عقد أو عقدين من الزمن. وبما أنه لا وقت لدينا للاستمرار في تكرار التجارب الفاشلة، فإنه على الحكومة إزالة كل المعوقات، وتسليم الإصلاح للجهة المناسبة، فالمؤشرات الحالية، بما فيها التعيينات والترقيات الأخيرة، في وزارة التربية، تبيّن بوضوح أننا «لا طبنا ولا غدا الشر»، وغالباً سيستمر التدهور.
أتاح لي صديق اللقاء بوفد أوروبي، يزور البلاد للترويج لأسلوب تدريس معيّن. بينت لرئيس الوفد أن عليه التحلّي بالشجاعة الكافية، ومصارحة المسؤولين لدينا، بأن برنامجهم التعليمي سيفشل حتماً إن حاولت أي جهة التدخل بهدف تطويعه أو تغييره ليتواءم مع «العادات والتقاليد». فلا يمكن لأي برنامج تعليمي النجاح إذا لم يؤخذ كما هو، بعيداً عن أهواء البعض ورغباتهم. فطريقة التعليم الحالية، التي تعتمد على التلقين والحفظ، والتي تخلت عنها «كل دول العالم المتقدم»، تتعارض تماماً مع ما يتطلبه الأسلوب الحديث في التعليم، المبني على تشجيع الطالب على السؤال والتفكير والتحليل، وكل ما يسهم في رفع قدراته المعرفية. مع ضرورة إعداد المعلم وتدريبه، واشتراط حصوله على الماجستير، على الأقل، مع منحه الحرية الأكاديمية والتقدير الاجتماعي والمادي، بعد التيقن من عدم انتمائه لأي جهة سياسية دينية!
الخلاصة أشعر بأن هناك شيئاً ما، يتم تحضيره، لكن الجبل لن يتمخض في النهاية عن شيء، وسيدفع الوطن الثمن غالياً.
أحمد الصراف

