تحضر اللغة العربية في وجدان الأمة بوصفها ذاكرةً ممتدةً في أعماق التاريخ، ولسانًا حمل القرآن الكريم، وصاغ كنوز الأدب، واحتضن الشعر والحكمة والفكر والمعرفة، ورافق الحضارة في مراحل ازدهارها، وترك في صفحات الإنسانية أثرًا تتجدد قيمته مع تعاقب الأزمنة، وتبقى الفصاحة في رحابها عنوانًا للجمال، والبيان شاهدًا على ثرائها، والكلمة فيها مساحةً رحبةً تستوعب المعنى وتمنحه دقته ورونقه وامتداده.
وفي المملكة تجد العربية وطنًا يصون مكانتها ويمنحها حضورًا يليق بإرثها العظيم، ضمن عناية راسخة باللغة والهوية والثقافة، تتجسد في المؤسسات والمبادرات والمشروعات العلمية والمعرفية، ويتقدم في هذا المشهد مجمع الملك سلمان العالمي للغة العربية بوصفه صرحًا يحمل اسم خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود - حفظه الله - ويعمل برؤية طموحة تجعل العربية حاضرة في ميادين العلم والتعليم والثقافة والتقنية، ممتدةً من جذورها الأصيلة إلى فضاءات العصر ومستقبله.
ويقدم المجمع نموذجًا سعوديًا رفيعًا في خدمة لغة الضاد، وقد امتدت أعماله إلى أكثر من 60 دولة وأكثر من 10 منظمات دولية، وأصدر أكثر من 300 إصدار علمي ومعرفي، وطوّر أكثر من 40 معجمًا رقميًا، وبنى منصة تضم أكثر من 50 لعبة لغوية، في منظومة واسعة من الأعمال التي تحمل العربية إلى الباحث والمتخصص والمتعلم، وتضع أدواتها ومفرداتها ومعاجمها ومصادرها في قلب البيئة الرقمية الحديثة، وتمنح المحتوى العربي حضورًا يواكب المكانة التاريخية لهذه اللغة وما تختزنه من قدرة على صناعة المعرفة.
ويسهم في هذه المسيرة الأمين العام لمجمع الملك سلمان العالمي للغة العربية الأستاذ الدكتور عبدالله بن صالح الوشمي، أحد الأسماء البارزة في المشهد الثقافي واللغوي، وقد عبّر في كلمته عن جوهر الرسالة التي ينهض بها المجمع، مؤكدًا أن «لغتنا العربية جزء أصيل من الهوية الوطنية، ورافد أساس في مسيرة المملكة العربية السعودية الثقافية والحضارية»، مستعرضًا ما تحظى به العربية من عناية ممتدة، وما يقوم عليه عمل المجمع من رؤية مؤسسية تشمل التخطيط والسياسات اللغوية، والحوسبة اللغوية، والبرامج التعليمية، والبرامج الثقافية، ضمن استراتيجية تنفتح على المؤسسات والجهات ذات العلاقة في الداخل والخارج.
الأصالة العربية التي يصونها هذا المشروع الثقافي الكبير تتجاوز حفظ المفردة إلى حفظ الذاكرة، وتتجاوز المعجم إلى بناء المعرفة، وتمضي باللغة التي كتب بها المتنبي والجاحظ وأبو تمام وابن المقفع إلى ميادين الذكاء الاصطناعي والحوسبة والفضاء الرقمي، حاملةً إرث قرون من الأدب والفكر والعلم، ومؤكدةً أن لغةً امتلكت كل هذا الجمال والثراء قادرة على مواصلة رحلتها في المستقبل بثقة واقتدار.
ويظل مجمع الملك سلمان العالمي للغة العربية شاهدًا على عناية المملكة بلسانها العربي، ومشروعًا ثقافيًا وعلميًا يحمل رسالة تتجاوز الحدود، فيما تقف منجزاته الدولية والعلمية والرقمية برهانًا على عمل مؤسسي يليق باسم العربية ومكانتها، ويكتب للمملكة صفحةً مضيئةً في سجل خدمة لغة القرآن، ويمنح الأصالة العربية حضورًا جديدًا يتصل بالماضي العريق، ويقيم في الحاضر، ويمتد إلى المستقبل.

