: آخر تحديث

الصحافة في زمن التحول

2
2
2

لم يعد التحول الرقمي في عصرنا الحالي مجرد خيار ترفي أو رفاهية تقنية تعتمدها الصحف والمجلات ووسائل الإعلام، بل أضحى مسألة وجود وضرورة حتمية فرضتها التغيرات المتسارعة في سلوكيات الجمهور وأنماط استهلاك المعرفة اليومية. فالإعلام يقف اليوم عند مفترق طرق حاسم؛ إما أن يعيد تشكيل أدواته الهيكلية والفكرية وتنظيم مساراتها التحريرية بما يواكب عصر التدفق المعرفي السريع، أو أن ينسحب تدريجياً لصالح منصات حديثة فرضت إيقاعها وسيطرتها الكاملة على المشهد.

وهذا التحدي ليس حكراً على بيئتنا المحلية، بل شهدناه في تجارب عالمية رائدة أثبتت أن التحول الرقمي الشامل هو طوق النجاة ومحرك النمو الأساسي للمؤسسات. فقد استطاعت صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية، على سبيل المثال، أن تحول أزمتها الورقية والتشاركية إلى نجاح ملهم عبر نموذج قائم على التحول الرقمي الشامل والاشتراكات المدفوعة التي تجاوزت ملايين القراء حول العالم. كما قدمت مؤسسات عريقة مثل "الغارديان" البريطانية و"واشنطن بوست" نماذج ناجحة في استثمار تحليل البيانات وتوظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي لإنتاج صحافة استقصائية عميقة تصل للجمهور عبر وسائط متعددة وتفاعلية تتجاوز الأطر التقليدية.

وفي هذا السياق التنويري، أشار المدير العام لمؤسسة اليمامة الصحفية الأستاذ خالد الفهد العريفي عبر حسابه في منصة (X)، والتي شدد فيها على أهمية التحول الرقمي باعتباره الركيزة الأساسية لمستقبل العمل الصحفي والإخباري، والسبيل الأمثل لمعالجة المتغيرات في المؤسسات الإعلامية. وإننا في جريدة "الرياض"، بما نمتلكه من تاريخ عريق وأرشيف صحفي يعد من الأضخم في المنطقة، ندرك تماماً أن التحول الرقمي بالنسبة لنا ليس مجرد رقمنة للنصوص أو نقل الصفحات الورقية إلى الشاشات، بل هو إعادة ابتكار شاملة لنموذج العمل، واستثمار ذاكرتنا الصحفية الجبارة لتقديم محتوى موثوق وعصري يلبي تطلعات الأجيال الجديدة.

إن مستقبل وسائل الإعلام يكمن في قدرتها على التكيف المرن والابتكار المستمر. والمطلوب من صناعة الإعلام مستقبلاً ليس الجري المتهور خلف الإثارة وصناعة "الترند"، بل الرهان الحقيقي على العمق والمصداقية لمنافسة وسائل التواصل الاجتماعي التي تغرق المتابع في طوفان من المعلومات غير المفلترة، وللوصول الفعال للجمهور، يجب على الصحافة التقليدية أن تتواجد بذكاء حيث يتواجد المتابع، عبر توسيع وسائط العرض الرقمي، وإنتاج المحتوى التفاعلي، وإطلاق البودكاست، وصناعة الفيديوهات القصيرة، والاستفادة من خوارزميات الذكاء الاصطناعي لتخصيص التجربة القرائية وترسيخ القيمة المضافة.

ونحن نخوض هذه الرحلة المتجددة نحو المستقبل، يحضرني قول المفكر والفيلسوف الإعلامي مارشال ماكلوهان: "الوسيلة هي الرسالة". واليوم، متى ما نجحت مؤسساتنا الصحفية الوطنية في تجديد وسيلتها وتوظيف تقنيات العصر، فالتحول الرقمي ليس نهاية الصحافة التقليدية، بل هو ميلاد جديد لرسالتها، فالتقنية مجرد جسر نصل عبره إلى عقول القراء، وتبقى المصداقية والعمق والكلمة الصادقة هي جوهر الإعلام الحقيقي الذي لا ينطفئ بريقه مهما تغيرت الوسائل وتعددت المنصات.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد