: آخر تحديث

اقرأ الحادثة

4
2
3

كان هذا هو نداء بائعي الصحف في مصر، ربما حتى منتصف السبعينيات أو بعد ذلك، ولندرة الحوادث في هذه الحقبة، كان وقوع حادث يرفع معدل التوزيع اليومي للصحف، حتى إن بعض الصحف الشعبية تخصصت في الحوادث فقط. في المقابل، لم يعد اليوم نداء "اقرأ الحادثة" شائعًا لأسباب كثيرة، منها أن الصحف الورقية انقرضت أو تكاد، ومنها أن الحوادث لم تعد نادرة، فهي على مدار الساعة، كما أنها لم تعد حوادث بالمعنى المتعارف عليه، ولا ينطبق عليها تعبير الحادث، فالحادث هو فعل عفوي غير مرتب له، لا في الزمان ولا في المكان ولا في الشخوص، أما تلك فهي أقرب إلى أحداث منها إلى حوادث، لها ترتيبات مدبرة مع سبق الإصرار، وهو الفارق بين الحوادث والأحداث.

وقراءة الأحداث أو الحوادث وتحليلها هو علم له دارسوه وباحثوه، فالصورة المنشورة أو الخبر الذائع للحدث أو الحادثة هو المنتج النهائي لتفاعلات كثيرة سبقته، ونحن هنا لا نتحدث عن أحداث قدرية كالأوبئة أو الزلازل والبراكين والأعاصير أو ما شابه.

والأحداث الكبرى التي تؤثر في المجتمعات ليس شرطًا أن تحدث فجأة، فربما يستغرق حدوثها عقودًا من التحولات والتفاعلات حتى يظهر المنتج النهائي على السطح، حروب وثورات وصراعات أهلية وطائفية، فتلك تسبقها مقدمات تتراكم إلى أن تصل لنقطة الغليان، ومن ثم يحين موعد الحدث الحتمي، وهو الانفجار.

والأحداث الكبرى تولد كأجنة، ولا يمكن تفسيرها إلا بعد أن يكتمل نموها وتظهر ملامحها، وملامحها هنا هي عناصرها الرئيسية، مشاركوها وبيئتها وشخوصها وأسبابها ونتائجها، وهي عناصر لا تسقط بالتقادم، لكن التقادم يزيدها إيضاحًا ووضوحًا. وكم من أحداث ظل عنصر أو أكثر من عناصرها غامضًا أو مهملًا أو مغيبًا عن عمد أو غير عمد، وعندما يظهر أو ينكشف ربما يقلب تفسير الحدث كله رأسًا على عقب. وعلى المستوى الشخصي، في صباي كنت هائمًا مفتونًا بأحداث وشخوص كثيرة، ومع البحث والنضج المعرفي والزمني ظهرت الحقيقة، واكتشفت أنني كنت ساذجًا مغيبًا مصدقًا لأحداث مزورة، ومن ثم تغيرت انطباعاتي إلى النقيض. وقد تعلمت كيف "أقرأ الحادثة"، أقرأ بتمعن وتجرد وتروٍّ وتمحيص، دون الخضوع لمؤثرات أو أيديولوجيات أو عواطف، ومع ذلك تظل قراءة أولى، فقد تستجد معطيات أو وقائع أو يظهر شخوص أسهمت في الحدث، مما يستلزم قراءة ثانية وربما ثالثة.

والأحداث الكبرى التي جرت منذ عقود وربما من قرون، وغيرت وأثرت في تاريخ الكوكب، تخضع حتى اليوم للمراجعة والبحث، وكم من أحداث في التاريخ والجغرافيا والدين والسياسة والاجتماع صُدّرت لنا بقراءات مزورة ومشوهة عن عمد لتخدم أغراضًا وأيديولوجيات، ومن ثم ترسخت في أدمغة العامة والدهماء. وأي قراءات مغايرة لتصحيحها أو تنقيحها توصم دائمًا بأنها مؤامرات، ويلاحق أصحابها بتهمة ارتكاب الكبيرة، ويظل نداء "اقرأ الحادثة" يتردد، لكن أي قراءة يريدون؟


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في كتَّاب إيلاف