: آخر تحديث

بريطانيا تتساءل: ما الغرض من الانتخابات؟

1
3
3

سبعة أسابيع فقط في داوننغ ستريت، ورئيس الوزراء، أندي بيرنهام، يثير الجدل حول إصلاح آخر للنظام السياسي. فقرابة 100 من نواب «العمال» يطالبون بلجنة لبحث إصلاح النظام الانتخابي، واستبدال التمثيل النسبي بنظام الدوائر؛ فكرة سبق لبيرنهام التعاطف معها.

هل التمثيل النسبي أكثر ديمقراطية؟ فلماذا لا يضمن حصول حزب على 15 في المائة من الأصوات توفر نسبة مماثلة من مقاعد البرلمان؟

لأن الانتخابات ليست كل الديمقراطية، بل مجرد إحدى آلياتها التي تشمل سيادة القانون، وحرية التعبير، واستقلال المؤسسات، ومحاسبة الحكومة، ووجود معارضة قادرة على أن تحل محلها، وقواعد وتقاليد انتقال السلطة سلمياً.

وهنا السؤال: ما الغرض من الانتخابات؟ هل إنتاج برلمان يعكس حسابياً كل اتجاهات الرأي العام؟ أم حكومة قادرة على الحكم ومعارضة قادرة على محاسبتها واستبدالها؟

ولدى الإنجليز مثل قديم يقول: «ما دامت الآلة تعمل، فلا تعبث بها»؛ والمقصود إصلاح الخلل فقط حين يظهر، لا هدم النظام لمجرد الرغبة في التغيير.

الدرس لا يخص بريطانيا وحدها، فالتجارب الأكثر استقراراً كانت تلك التي اعتمدت الإصلاح التدريجي، وبنت على المؤسسات القائمة بدلاً من هدمها وإعادة بنائها من الصفر.

لم يدع أحد أن النظام الانتخابي البريطاني مثالي، فالحزب قد يحصل على نسبة كبيرة من الأصوات، ولا يفوز إلا بعدد قليل من المقاعد، في حين يستطيع حزب آخر الحصول على أغلبية برلمانية كبيرة بلا أكثرية أصوات الناخبين، وهي حجة يستخدمها دعاة التمثيل النسبي.

لكن للنظام القائم ميزة عملية: يعرف الناخب مَن يحكم، ومَن يعارض، ومَن يتحمل المسؤولية.

مفهوم يتجسد في شكل مجلس العموم نفسه. فالحكومة على مقاعد تواجه معارضة تُعرف بـ«حكومة ظل» تستعد، نظرياً وعملياً، للحلول محلها، فالنظام يقدم حكومة وبديلها يأتي خياراً للناخب.

التمثيل النسبي نادراً ما يمنح حزباً واحداً أغلبية للحكم، فتظهر مساومات الائتلافات، ما يعطي أحزاباً صغيرة، تمسك بميزان الأغلبية، نفوذاً يفوق حجمها الانتخابي.

والحكومة الضعيفة مشكلة للديمقراطية، لكن المعارضة الضعيفة قد تشكل خطراً أعظم، إذ تفتح المجال أمام تيارات شعبوية تقدم نفسها بديلاً خارج العلاقة التقليدية البرلمانية.

وقد قدمت أوروبا أمثلة عديدة على مشكلة الحكومات الائتلافية الدائمة، وعرفت إيطاليا بعد الحرب العالمية الثانية تغير الحكومات بصورة متكررة، وأمثلة أحزاب صغيرة تفرض سياسات على شركاء أكبر منها، لأن بقاء الحكومة الائتلافية يعتمد على أصواتها.

ولا نجادل بأن الائتلافات غير ديمقراطية؛ فقد عرفت بريطانيا نفسها حكومة ائتلافية بين عامي 2010 و2015.

لكن الفارق بين اختيار الناخب حكومة، وأن يُحدد فقط أحجام الأحزاب ثم يترك لزعمائها -بعد إغلاق صناديق الاقتراع- التفاوض على مَن سيدير البلاد.

ولعل انتخابات بريطانيا عام 2024 قدّمت ميزة أخرى للنظام الحالي. أغلقت صناديق الاقتراع في العاشرة مساء الخميس. وظهر الجمعة قدّم رئيس وزراء المحافظين استقالته للملك، ثم كلّف زعيم «العمال» بتشكيل الحكومة الجديدة. وخلال أقل من يوم انتقلت السلطة كاملة بلا حاجة إلى أسابيع من المفاوضات بين الأحزاب، أو المساومة على الوزارات. عرفت البلد الفائز، ومَن سيحاسبه الناخب في الانتخابات التالية قبل انتهاء الليل.

كما تكمن في النظام البريطاني قيمة أخرى كثيراً ما تضيع وسط حصر نسب الأصوات والمقاعد، وهي «المحاسبة».

حكومة الأغلبية قادرة على تنفيذ برنامجها، ويستطيع الناخب محاسبتها من دون أن يكون بوسعها الاحتجاج بأن السياسة الفاشلة فرضها شريك صغير في الائتلاف.

والتاريخ الدستوري البريطاني تأسس إلى حد بعيد على الإصلاح التدريجي. وتوسع حق الانتخاب، وتغيّرت صلاحيات المؤسسات، وتطورت العلاقة بين الملكية والبرلمان والحكومة عبر أجيال. الإصلاح لم يكن رفضاً لما سبقه بقدر ما كان بناءً عليه.

وقد أظهرت الاضطرابات التي اجتاحت المنطقة منذ 2011 أن هدم النظام القائم لا يضمن بالضرورة بناء نظام أكثر ديمقراطية أو استقراراً. ففي بعض الحالات تراجعت الديمقراطية، وفي أخرى تراجعت الدولة نفسها.

ولا يعني ذلك أن الاستقرار عذر لرفض الإصلاح؛ فالأنظمة التي لا تتطور تتجمد، وما يتجمد قد ينكسر. لكن هناك فارقاً بين التطور والهدم وإعادة البناء كلما ظهرت نظرية دستورية جديدة.

ولهذا، فإن الجدل البريطاني حول التمثيل النسبي أكبر من مجرد معادلة حسابية بين نسبة الأصوات وعدد المقاعد. الإصلاح ضرورة عندما يعالج خللاً حقيقياً، لكنه ليس غاية في ذاته.

وقبل تغيير نظام خدم بريطانيا أجيالاً، وأتاح انتقال السلطة بسرعة وسلمية، يجدر بالمصلحين أن يجيبوا أولاً عن السؤال الأبسط؛ ما الغرض من الانتخابات: أن يمثل البرلمان كل لون من ألوان الرأي بالنسب الصحيحة؟ أم أن ينتج أيضاً حكومة تستطيع أن تحكم ومعارضة تستطيع أن تحل محلها؟


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد