في عام 2075، سيزور طفل متحفاً للتكنولوجيا، فيقف أمام قطعة مستطيلة سوداء محفوظة خلف الزجاج ، سيقرأ تحتها: الهاتف الذكي 2007…؟
ثم يسأل أمه:هل كان الناس يحملون هذه القطعة معهم طوال اليوم..؟
ستجيبه: نعم…! وكانوا يلمسونها بأصابعهم لكي يتحدثوا مع الذكاء الاصطناعي…!
نعم ، سيضحك ، بالضبط كما نضحك نحن عندما نرى إنساناً كان يرسل رسالة عبر جهاز التلغراف ، لكن الهاتف لن يكون أغرب شيء اختفى ، ستختفي أشياء نعتقد اليوم أنها أبدية: مفاتيح، بطاقات مصرفية، جوازات سفر ورقية، أجهزة تحكم، مواقف سيارات، مكاتب تقليدية، طوابير، وربما كلمة «إنترنت» نفسها…!
لن نقول إننا متصلون بالشبكة، لأن الانفصال عنها سيكون هو الحالة التي تحتاج إلى اسم وستصبح البيئة المحيطة بنا هي الحاسوب…!
الجدار يعرفك والسيارة تعرفك والمنزل يعرف أنك مريض قبل أن تعرف.
والمدينة ستراقب تدفق البشر والطاقة والمياه والمركبات كما يراقب الدماغ أعضاء الجسد ولن تبحث عن المعلومة لأن المعلومة هي التي ستبحث عنك..!
وقد يكون آخر هاتف في التاريخ أقرب مما نتصور…؟
في 2075، لن تسأل سيارتك إلى أين تذهب ، هي تعرف وقد لا نمتلك السيارات أصلاً ، ستتحرك أساطيل مستقلة تحت الأرض وفوقها وفي الهواء، تصل عندما نحتاجها وتختفي عندما ننتهي منها.
وسيسأل أحفادنا السؤال ذاته الذي نسأله عن العربات القديمة: هل كنتم تسمحون لملايين البشر بقيادة مركبات تزن طنين بسرعات هائلة بأنفسهم؟
وسنبدو لهم مجانين…!
أما الطائرات، والسفن، والشاحنات والموانئ والمخازن، فسيصبح جزء كبير منها منظومات ذاتية التشغيل وسيكون أكبر عامل في ميناء عام 2075…خوارزمية…؟
لكن الثورة الأخطر لن تحدث في الشارع بل ستحدث داخل أجسادنا ، لن يذهب إنسان المستقبل إلى الطبيب لأنه مرض؛ سيذهب لأن جسده أخبر النظام أنه سيَمرض ، الدم، والجينات، والنوم، والتنفس، وحركة العين، ونبرة الصوت، والبروتينات الدقيقة في الجسم ستصبح تياراً مستمرًا من البيانات…!
سيقول الطبيب: كان من المحتمل أن تصاب بهذا السرطان عام 2081. عالجنا بدايته قبل ست سنوات من ظهوره ، وهنا ستنتقل البشرية من طب المرض إلى طب الاحتمال…
الأعضاء الصناعية ستتحسن ، الأنسجة ستُزرع ، بعض الأمراض الوراثية قد تُعالج قبل أن تبدأ وقد لا يصبح السؤال: كيف نعيش حتى المئة؟
بل: كيف نصل إلى المئة بجسد الستين؟
وعندها سيظهر صراع طبقي جديد لم تعرفه البشرية: ليس بين من يملك المال ومن لا يملكه فقط، بل بين من يستطيع شراء سنوات إضافية من الحياة ومن لا يستطيع...!
والعمل سيتعرض لأكبر زلزال منذ اختراع الزراعة ، لن يستبدل الذكاء الاصطناعي بعض الوظائف فحسب ، سيجبرنا على إعادة تعريف كلمة وظيفة…!
قد يدير شخص واحد في 2075 شركة تعادل شركة يعمل فيها اليوم عشرة آلاف موظف ، وستتولى الأنظمة الذكية المحاسبة، والعقود، والتصميم، والبرمجة، والترجمة، والتحليل، والإدارة، والتخطيط.
وحين تصبح الآلة أرخص منك، وأسرع منك، ولا تنام ولا تطلب إجازة، لن يكون السؤال: ماذا تستطيع الآلة أن تفعل؟
بل: ما الذي بقي للإنسان ويستحق أن ندفع له مقابل فعله؟
وربما حينها ستصبح الندرة الجديدة هي الإنسان الذي يستطيع أن يفكر خارج ما تستطيع الخوارزمية توقعه...!
حتى الدول ستتغير ، في القرن العشرين كانت القوة أرضاً وجيشاً وموارداً ، في 2075 ستكون القوة أيضاً:
طاقة + رقائق + حوسبة + روبوتات + بيانات + فضاء.
الدول التي لا تمتلك بنية ذكاء اصطناعي مستقلة قد تكتشف أنها تملك حدودها، لكنها لا تملك قراراتها وقد يظهر شكل جديد من الاستعمار لا يحتاج جندياً واحداً ، أن تعتمد دولة كاملة في تعليمها، وصحتها، ومصارفها، ودفاعها، واتصالاتها على خوارزميات صنعتها دولة أخرى.
الاحتلال القادم قد لا يرفع علماً…!
أما الحرب، فقد تصبح المكان الذي يلتقي فيه أكثر ما صنعناه ذكاءً بأقدم ما فينا غباءً ، لن تحتاج المعركة إلى آلاف الجنود ، أسراب مستقلة في الجو وروبوتات على الأرض ، مركبات تحت البحر تنتظر شهوراً وأقمار صناعية تراقب وخوارزمية تقرر خلال أجزاء من الثانية أي جسم يمثل تهديداً…!
وقد يأتي يوم يصبح فيه إرسال إنسان إلى ساحة المعركة تصرفاً بدائياً وسيقاتل الحديد الحديد ، لكن البشر سيبقون يموتون من القرارات...!
ثم سيأتي السؤال الأكثر غرابة:
مع من سنعيش؟
سيصبح للإنسان رفيق اصطناعي يعرفه ربما أكثر مما يعرفه أقرب أصدقائه ، يتذكر كل كلمة ويعرف ما يضحكه ويلاحظ حزنه قبل أن يعترف به ولا ينسى عيد ميلاده ولا يمل من حديثه…!
وعندما تصبح الآلة قادرة على منح الإنسان الشعور بأنه مفهوم، ستدخل التكنولوجيا آخر حصون البشرية:
الوحدة ، وقد نرى أول جنازة يقف فيها إنسان يبكي على ذكاء اصطناعي عاش معه ثلاثين عاماً ، وسيضحك الناس في البداية ثم يتوقفون عن الضحك...!
وفي عام 2075، قد يصبح امتلاك الخصوصية أغلى من امتلاك قصر.
لأن كل شيء سيعرف عنك شيئا ، البيت يعرف نومك ، الثلاجة تعرف طعامك ، المدينة تعرف حركتك ، النظام الصحي يعرف جسدك والذكاء الاصطناعي يعرف تاريخ أسئلتك، مخاوفك، اختياراتك، وربما القرار الذي ستتخذه قبل أن تتخذه.
سنكون قد أمضينا قرناً كاملاً نحاول جعل الآلات تفهم الإنسان ، ثم نستيقظ ذات صباح لنكتشف أنها فهمته أكثر مما ينبغي وهنا قد تولد أغرب سلعة في المستقبل:المجهول…!
مكان لا توجد فيه كاميرا ، غرفة لا تستمع إليك ، سيارة لا تعرف وجهتك ، ساعة لا تقيس نبضك ، يوم كامل لا تسجله خوارزمية.
قد يدفع أثرياء 2075 آلاف الدولارات لقضاء أسبوع في منتجع شعاره:
لن يعرف أحد أنك هنا…!
وربما، بعد كل هذا التقدم، تحدث المفارقة الكبرى ، سنصنع آلات تفكر ، ومدناً تتنبأ ، وأجساداً تصلح نفسها ومركبات لا تخطئ الطريق…!
وقد نقترب من النجوم أكثر مما اقترب أي جيل قبلنا ، لكننا سنظل نحمل معنا أقدم برنامج في التاريخ:
الخوف ، الطمع ، الرغبة في السلطة ، والبحث عن معنى…!
وعندها سنفهم أن أصعب مشروع هندسي لم يكن بناء الذكاء الاصطناعي ولا استعمار المريخ ولا إطالة العمر كان دائماً…(الإنسان نفسه)…
ولهذا قد لا يكون السؤال العظيم في 2075: إلى أي حد أصبحت الآلة تشبه الإنسان؟
بل السؤال الذي سيخيف أحفادنا أكثر:
إلى أي حد بقي الإنسان يشبه الإنسان

