في المسافة الفاصلة بين المنصات الخطابية والموائد الخاوية، تُكتب اليوم واحدة من أشد التراجيديات إيلاماً في الشرق الأوسط. فحين يتأمل المتابع المشهد الإيراني من الخارج، تدعوه الخطابات الرسمية للاحتفاء بردعٍ حاسم وسلامٍ من موقع القوة، لكن حين يطل على الداخل تتكشف الحقيقة العارية لمجتمع يُستنزف حتى العظم، وشعب مقموع وجائع وخائف يُساق نحو حافة الانهيار المعيشي تحت مظلة من الشعارات المؤدلاجة.
وهنا تأتي المبادرة الصحفية التي اضطلعت بها صحيفة إيلاف بتقديم رصد يومي مستمر وقراءة تحليلية شاملة لما ينبض به الداخل عبر صحافة طهران اليومية، لتشكل وثيقة سياسية وإنسانية تفضح حجم الانفصام الهيكلي الذي يعيشه النظام. هذا الانقسام الحاد يتجاوز التباين السياسي ليصنع عالمين لا يلتقيان داخل الجغرافية الواحدة. عالم النخبة والمنتفعين ممن يقتاتون على الثروات الوطنية ويتنعمون بأموال الدولة، يسكنون أفخم الأحياء، ويبعثون أبناءهم للدراسة في أرقى جامعات العواصم الغربية التي يلعنونها جهاراً؛ في حين يطالبون الشارع المقهور بالصبر والكفاح والتضحية، ويخضعون ملايين المواطنين لتخدير ممنهج بخطب ثورية لا تطعم جائعاً ولا تداوي مريضاً.
تستحضر قراءة صحف طهران تفاصيل الحياة اليومية الخفية لتكشف تفاقم الأزمة الاقتصادية والخدمية؛ فالعاصمة والمدن الكبرى باتت تقلق اليوم من شح المياه وأزمات توفر البنزين، وسط اضطراب سلاسل الإمداد وتكرار انقطاعات الكهرباء والغاز. وتتفاقم معاني الشقاء اليومي لدى أسر تعجز عن العثور على سكن يؤويها بسبب غلاء العقارات الشديد، وعمال يصرخون مطالبين ببيئة عمل آمنة وصرف رواتبهم المتأخرة لشهور، ومختبرات ومدن طبية تجاهد لإثبات قدرتها على إنتاج الدواء المحلي في ظل أزمات نقص المواد الخام. يضاف إلى ذلك تآكل القدرة الشرائية لأبسط المواد الأساسية جراء انخفاض العملة الوطنية، مما يزيد الشعور بالاضطهاد والغبن لدى مواطن يرى ثروات بلاده تُهدر خارج الحدود بينما يُحرم هو من أدنى مقومات العيش الكريم.
تكمن المفارقة الصارخة هنا في أن طهران تعد من أغنى دول العالم بثرواتها الهائلة من النفط والغاز، غير أن السلطة الحاكمة أهدرت هذه المقدرات لتمويل صراعات أيدولوجية ومسارات عبثية. وفي خضم هذه الأزمة الطاحنة، لا تملك النخبة الحاكمة أي رؤية للخروج من النفق؛ إذ لزمت المؤسسة الدينية الصمت التام، وبدلاً من استشعار آلام الناس، اختارت الاصطفاف الكامل مع المؤسسة العسكرية والأمنية لحماية المصالح المتبادلة. وفي المقابل، يجد الرئيس بزشكيان نفسه مع فريقه التكنوقراطي يقرعون جرس إنذار الأزمة بحرقة، ويغردون يتامى في العراء السياسي للتنبيه من مخاطر الانهيار وشيك الوقوع، دون أن تجد صرخاتهم تحذيراً أو استجابة لدى مراكز القوى المتصلبة.
هذا التخبط يفضح كيف أدى تبني عقيدة ثورية متصلبة، والتصرف بسلوك الميليشيات، إلى رهن مستقبل بلاد غنية لأفكار بالية، دون أن يكون الإنسان الإيراني يوماً أولوية في أجندة السلطة. وتزداد هذه المرارة عمقاً حين يقارن الإيرانيون واقعهم المعيشي المتردي بما تنعم به شعوب الدول الجارة في الخليج العربي من رخاء وازدهار ومستوى معيشي رفيع قائم على استثمار الموارد لبناء المستقبل وتأمين كرامة المواطن.
لقد جرى الاستيلاء على الحقوق الأساسية للمواطن الإيراني وإعادة تعريفها بقسوة؛ فالمطالبة براتب يواكب التضخم أو الاحتجاج على انقطاع الخدمات باتت في عرف السلطة مدخلاً للتخوين والمساس بالسلم الوطني. هذا الترهيب الممنهج يضاعف من معاناة شعب يُفرض عليه أن يتجرع مرارة الفقر بصمت تام كي لا يخدش صورة الإنجاز الموهوم.
القيمة الحقيقية لما نقلته إيلاف تكمن في نقل الصوت المضمر لأولئك المتضررين الحقيقيين في الداخل. رسالةٌ تذكر العالم بأن القوة الحقيقية للدول لا تُقاس بصلابة السلاح ولا بحدة الخطابات، إنما بكرامة المواطن ومائدته ودخله. وحين تُسلب المائدة حقها باسم الأيدولوجيا، وتُكم الأفواه باسم الوطن، تتحول الانتصارات المزعومة على الشاشات إلى هزيمة نكراء في معركة البقاء اليومية.


