: آخر تحديث

بسطة مظلوم عبدي

1
1
2

بما أن الشيء بالشيء يُذكر، لذا فإن الكلمة الأخيرة التي أدلى بها مظلوم عبدي، قائد قوات سوريا الديمقراطية (قسد) المنحلة، في قصر الشعب بدمشق، لا تأخذنا إلا لديار رجل أعمال كان في زمانه له وزنه في السوق التجاري والاقتصادي، لامتلاكه معامل التصنيع وعشرات المحلات المخصصة لبيع منتجاته، وكان طوع بنانه مئات العمال، ناهيك عن حشد المتزلفين الذين كانوا يلتفون حوله، ويهتمون به، ويكنون له التقدير، ليس لأنه كان كريمًا مع عماله، أو جوادًا مع معارفه، أو صاحب صيت في الأعمال الخيرية، إنما اهتمام تلك الشريحة به سببه أن المجتمع محكوم بالعرف الرأسمالي، لذا كانوا يبتسمون في وجهه بناءً على ما يملك، باعتبار أن قيمة المرء ما يملكه في المجتمعات الرأسمالية وفق كارل ماركس، إلا أن تاجرنا اللامصون لم يحافظ على المكانة والمكان وما كان يملك، إذ بسبب مغامراته الكثيرة وتبذيره للأموال على الملذات الشخصية وسهراته اليومية فَقَدَ مع الأيام كل ما كان يمتلكه من المعامل والمحلات والعقارات، وفي نهاية المطاف لم يجد حتى مَن يسلفه القليل من النقود لكي يستمر بالعيش ولو في ربع ما كان عليه وضعه قبل الانهيار، وفي الأخير لم يجد سبيلًا أمامه لكي يجد ما يسد به رمق العائلة إلا بتقديم التنازلات النفسية والتخلي عن كبريائه ويقبل بأن يفتح بسطة (مصطبة) لبيع الأمتعة في الأسواق، ولأنه لم يكن ممن كان قد أحسن إلى أحد عندما كان في أوج سلطانه المالي، ولا كان قد مد يد العون لمن قصدوه، لذا فكل مَن كان يعرفه مِن قبل تجاهله ولم يشترِ من بسطته شيئًا، ويوم عبَّر التاجر المفلس لبعض البسطجية عن سر تجاهل الناس له، وتهافتهم على جيرانه من أصحاب البسطات المماثلة، قالوا له: يبدو أنه ما من أحد يتذكر أي موقف جيد لك معهم، وأضافوا: لكي تعرف أكثر، فحتى الذين يقصدون بسطتك، فمنهم من باب الفضول يفعل ذلك حتى يرى آخرتك عن قُرب، ومنهم من يأتي إليك ليشمت بك، ومنهم من يقصدك لكي يحسسك بالذل، لأن وضعك بالنسبة إليهم هو كوضع دكتاتور كان له الهيبة والسلطان والجاه والمال، وعندما أسقطوا حكمه لم يعدموه، إنما كانت عقوبته بأن يضعوه في قفص وسط حديقة عامة ليكون مقصدًا للزوار، فهذا هو حالك يا زميلنا البسطجي، فالذين يأتون إلى بسطتك (مصطبتك) هم من نمرة الذين كانوا يزورون الحديقة للفرجة على ذلك الموضوع في القفص.

وما آل إليه حال ذلك الثري هو ذات الشيء الذي جرى مع القائد العسكري السابق مظلوم عبدي، فالذي كان تحت أمرته أكثر من خمسين ألف مقاتل، وتحت سيطرته مناطق واسعة من محافظات الحسكة والرقة ودير الزور وريف حلب، وكان هو الحاكم الفعلي لمناطق شاسعة وبيده مقدرات تلك المناطق ووارداتها، هذا عدا عن الدعم المعنوي والمادي واللوجستي الذي كان يتلقاه من الدول الغربية، فاليوم يفكر بفتح كشك سياسي في البازار الوطني البائس!

وللأمانة فصحيح بأن عبدي لم يصرف تلك الأموال على ملذاته الشخصية كما فعل ذلك التاجر، ولا كان من المتورطين في ملفات الفساد المالي، إلا أنه هدر الكثير من الأموال على حفر الأنفاق لكي تتحرك قيادات قنديل من تحت الأرض بحرية، فيما أودع الباقي من حقائب الدولارات في خزائن تنظيمه السياسي وحرم المواطنين من تلك المدخرات، فلم يضع ميزانيته في خدمة الناس، ولا فكر بأن يُحسِّن من أحوالهم الاقتصادية التعيسة، ولا بنى بتلك الأموال مستشفيات راقية، ولا فتح بها كليات محترمة، ولا أقام الجسور بمعايير دولية، ولا عبَّد الأوتوسترادات، ولا أنشأ مصانع كبيرة قادرة على احتواء مئات العمال العاطلين عن العمل، إنما حزم ما تبقى من تلك الأموال التي كانت تحت تصرفه وأرسلها تباعًا إلى قيادته في جبال قنديل، واليوم وبكل أريحية يقول بأنه سيؤسس حزبًا سياسيًا، فلا أعرف أيَّ كردي أبله سينضم إلى ذلك الكشك الحزبي أو البسطة الحزبية، بما أن الذي كان بيده كل تلك القوة العسكرية وكل تلك الأموال ولم يفد الناس بشيء يُذكر، ولا قدَّم لهم ما يجعلهم يتذكرون جميله من خلال هذا المنجز أو ذاك، إذ إن الذي كان في عز قوته وتحت تصرفه ملايين الدولارات ولم يفدهم بشيء يُذكر، كيف سيكون مفيدًا بالنسبة إليهم بعد أن تجرد من كل شيء وفقد قوته العسكرية والمالية وغدا مثل صاحبنا التاجر مفلسًا يرتجي قدوم بضعة زبائن إلى مصطبته المتواضعة؟

وما الذي سيبيع عبدي للمواطنين من خلال بسطته السياسية المزمع تشكيلها؟ وعن ماذا سيتحدث في كشكه الحزبي الصغير؟ فإن كان سيبحث موضوع التحرير والتوحيد فهو تخلى عن المفهومين معًا، وإذا كان سيتكلم بالعِلم والمعرفة فطوال أربعين سنة ظل تنظيمه يعمل على تجهيل المجتمع الكردي ووقف ضد العلم والمتعلمين، وعن الحقوق القومية للشعوب لن يتفوّه بما أنه سيشكل حزبًا على أساس إيكولوجي وليس قومي، وإن كان سيتحدث عن الأطفال فلن يُقبل منه ذلك باعتبار أنه ابن التنظيم الكردي الوحيد الذي اختص بخطف الأطفال وزجهم في جبهات القتال عوضًا عن مقاعد الدراسة، وعن الشهيد لن يكون له عين بأن يتلفظ كما السابق باعتبار أنه قدم أكثر من عشرين ألف قتيل من أجل محاربة تنظيم داعش نيابة عن الغرب وبمقابل مالي، أي أنهم قُتلوا كمرتزقة مثلهم مثل عناصر فصائل الحمزات والعمشات المقتولين خارج سوريا ولم يستشهدوا في سبيل قضية، وإذا كان سيبيع في كشكه السياسي مفاهيم تتعلق بالحرية والديمقراطية فهي بعيدة عن كنه التنظيم الذي خرج من رحمه، بما أن أكثر تنظيم كردي ضيَّق الخناق على الآخر المختلف وحرق مكاتب الأحزاب الكردية هو حزب العمال الكردستاني وروافده.

ثم ما هو الإرث النضالي الذي يتكئ عليه عبدي في تأسيس حزب سياسي؟ بينما كل الذي فلح فيه التنظيم الذي ترعرع في كنفه وقضى جل عمره في معبده الإيديولوجي هو: كم الأفواه، قمع المخالفين، تخوين كل المنتقدين، تصفية المعترضين من الداخل، اعتقال الفاعلين من باقي الأحزاب وتجنيد الأطفال، ثم بعد فشلهم العسكري الكبير وتخليهم عن عناصرهم في جبهات القتال، وبعد شلالات الخيبة التي أسقطوها على رؤوس قاعدتهم الجماهيرية، وخداعهم الناس لسنين طويلة بشعارات طوباوية، بينما في الأخير فحتى الديستوبية الملتصقة بالقاع لم يحصلوا عليها، وبعد هزيمتهم الأخلاقية قبل العسكرية، فمن الذي سيلتحق بهم بعد هذا التاريخ الحافل بالخذلان والتضحيات المجانية؟

لذا برأينا أن مصطبة (بسطة) مظلوم عبدي المستقبلية ستبقى مهجورة ولن يقصدها إلا فاقدو الوعي، وكشكه السياسي لن يقصده إلا المقطوعون من عابري السبيل أو المنبوذون من المجتمع برمته، لذا إن أراد النجاح فيما ينوي العمل عليه لاحقًا، ليس أمامه إلا أن يتفق مع سلطة دمشق لكي تتواطأ معه وتترك له بلطجية جوانين شورشكر (الشبيبة الثورية)، فمن خلال أولئك الشبيحة بمقدوره تهديد باقي الأحزاب، ومن ثم إرغام الناس على الوقوف مكرهين طوابير طوابير أمام كشكه السياسي الذي ينوي تأسيسه، عندها فقط من الممكن أن ينجح عبدي في مشروعه المزمع إطلاقه، وليكن على قناعة شبه تامة بأنه من غير قبضة جوانين شورشكر أو مَن يماثلونهم في السلوك النتن، ومن دون العنف والإرهاب والقبضة الحديدية التي عُرف بها حزب العمال الكردستاني وفروعه، فلن ينضم إلى حزبه الجديد غير نماذج من أصحاب العاهات النفسية والفكرية والجسدية.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.