: آخر تحديث

الحرب التي لا يريدها أحد

3
0
0

لا أحد يشك ولا يجادل في أن أكثر الشعوب تطلعًا إلى توقف الحرب المشتعلة منذ زمن طويل هو الشعب الإيراني، لأنه أكثر شعب يدفع الثمن المباشر للحرب من خسائر بشرية، وتراجع اقتصادي، وتدمير للبنية التحتية، والعقوبات، وعدم الاستقرار. حتى الإيرانيون الذين يختلفون مع حكومتهم لا يرغبون في استمرار الحرب، لأن كلفتها تقع أولًا على المدنيين.

بعد الشعب الإيراني، من دون شك، تكون شعوب الخليج العربي، في السعودية والإمارات والكويت وقطر والبحرين وعُمان، هي الأكثر تضررًا والأكثر حماسة في الدعاء من أجل أن يرأف بها الله ويوقف هذه الحرب التي لم تتوقعها وتكره استمرارها. والسبب هو أن أي حرب أميركية إيرانية تهدد أمن الخليج، وطرق الملاحة، ومنشآت النفط، والاستثمارات، وقد تؤدي إلى ارتفاع التأمين على النقل وتعطيل التجارة. لذلك تميل حكومات وشعوب الخليج إلى تفضيل التهدئة، حتى عندما تختلف سياسيًا مع إيران.

وليس الشعب العراقي بأقل من الإيرانيين والخليجيين طلبًا للأمن والسلام في المنطقة، ولا بأقل من غيره رغبة في المشاركة في الجهود المحلية والدولية المبذولة لإيقاف الحرب، بل ربما يكون أكثر قلقًا بعد الإيرانيين. فالعراق يقع بين الطرفين، وتوجد على أراضيه قوات ومصالح أميركية، كما أن لإيران نفوذًا واسعًا داخله. وأي تصعيد قد يحول العراق إلى ساحة مواجهة أو تصفية حسابات، وهو ما يخشاه كثير من العراقيين بعد عقود من الحروب، لأن تجربتهم الطويلة مع الحروب جعلت قطاعًا واسعًا منهم يخشى أن يعود العراق مرة أخرى إلى ساحة صراع بين القوى الكبرى.

ومن دون أي شك، ومن الأمور المؤكدة أن قسمًا كبيرًا من الشعب الأميركي ليس مع استمرار الحرب ولا مع توسعها ولا مع زيادة الانغماس الأميركي فيها. فكلما طال أمد الحرب زادت الخسائر البشرية والمالية، وارتفعت أسعار الوقود، واتسعت المعارضة الداخلية لاستمرارها. استطلاعات الرأي خلال الأشهر الأخيرة أظهرت أن كثيرًا من الأميركيين يفضلون إنهاء النزاع في أقرب وقت ممكن.

وبعد كل ما ورد، فإن هناك شعوبًا تعتمد على استقرار الاقتصاد العالمي، مثل شعوب أوروبا وآسيا، لأن أي اضطراب في مضيق هرمز أو أسواق الطاقة يرفع أسعار النفط والنقل والتضخم عالميًا. وعليه فهي ليست مع الحرب، خصوصًا في منطقة مهمة لعبور الطاقة من دول الخليج وإيران والعراق.

وبعبارة موجزة، كلما كان الشعب أقرب جغرافيًا وسياسيًا من ساحة الصراع، كان أكثر رغبة ودعاءً لانتهائه، لأن تكلفة الحرب عليه تكون أعلى وأسرع ظهورًا.

أما الشعوب الأوروبية فهي تكاد تكون موحدة في رغبتها بوقف الحرب، وذلك بسبب الخوف من أزمة طاقة جديدة، وارتفاع الأسعار، وموجات لجوء إضافية، وتراجع النمو الاقتصادي. كما أن أوروبا لا تزال تتعامل مع تبعات الحرب في أوكرانيا، لذا فإن اندلاع أزمة كبيرة أخرى في الشرق الأوسط يزيد الضغوط عليها.

والشعب الهندي من أكثر الشعوب اهتمامًا بإنهاء الحرب، وإن كان ذلك أقل ظهورًا في الإعلام. فالهند تستورد نسبة كبيرة من احتياجاتها النفطية من المنطقة، ويعمل ملايين الهنود في دول الخليج ويرسلون تحويلات مالية ضخمة إلى بلادهم. لذلك فإن أي اضطراب في الخليج قد يؤثر في الاقتصاد الهندي وفرص العمل لمواطنيه.

ثم إن لدى الشعب الصيني مصلحة قوية في الاستقرار. فالصين تعتمد بدرجة كبيرة على واردات النفط القادمة من الشرق الأوسط، وأي اضطراب في الملاحة أو ارتفاع كبير في الأسعار ينعكس على اقتصادها وصناعاتها. لهذا تميل بكين إلى الدعوة إلى التهدئة والحلول السياسية.

وأخيرًا الشعب الروسي. والصورة هنا أكثر تعقيدًا. فمن ناحية، لا يرغب معظم الروس في اندلاع حرب عالمية أو توسع الصراع، لأن ذلك يزيد حالة عدم الاستقرار الدولي، ومن ناحية أخرى، قد يرى بعض الروس أن انشغال الولايات المتحدة في نزاع آخر قد يخفف الضغوط السياسية أو العسكرية على روسيا في ملفات أخرى. لكن هذا لا يعني بالضرورة أن الرأي العام الروسي يتمنى استمرار الحرب، بل إن كثيرين يفضلون الاستقرار أيضًا.

فهل يستمع ترامب وقادة الحرس الثوري لصوت العقل ويحترمون رغبات كل هذه الشعوب، وأولها شعب إيران وشعب أميركا؟ هذا هو السؤال الجوهري في كل حرب.

والجواب المختصر هو أنهم قد يستمعون، لكن ليس لأن الشعوب تريد ذلك، بل عندما يقتنع كل طرف بأن كلفة استمرار الحرب أصبحت أكبر من كلفة إنهائها.

في الأنظمة الديمقراطية، مثل الولايات المتحدة، يؤثر الرأي العام في صانع القرار، لكنه ليس العامل الوحيد. فالرئيس، سواء كان دونالد ترامب أو أي رئيس آخر، يوازن بين اعتبارات الأمن القومي، والكونغرس، والمؤسسة العسكرية، والحلفاء، والرأي العام، والانتخابات. وإذا رأى أن إنهاء الحرب يخدم هذه المصالح، فسيكون أكثر استعدادًا للسير في هذا الاتجاه.

أما في إيران، فالأمر أكثر تعقيدًا. فصانع القرار لا يقتصر على قيادة الحرس الثوري، بل يشمل مؤسسات أخرى في الدولة، وفي مقدمتها القيادة العليا. صحيح أن معاناة الشعب الإيراني تمثل عاملًا مهمًا، لكن القرارات الأمنية والعسكرية تتأثر أيضًا بحسابات الردع، وبالحفاظ على النظام، وبالتوازنات الإقليمية.

ولذلك، فإن التاريخ يقدم درسًا متكررًا. إن كثيرًا من الحروب لم تتوقف عندما طالب الناس بوقفها، لكنها توقفت عندما توصل القادة إلى أن استمرارها لن يحقق مكاسب تتناسب مع تكلفتها.

وأعتقد أن هناك حقيقةً يكاد يتفق عليها معظم الناس، بغض النظر عن مواقفهم السياسية، وهي أن المواطن الإيراني يريد أن يعيش بأمان وأن تتحسن ظروفه الاقتصادية. والمواطن الأميركي يريد أن يتجنب حربًا طويلة تستنزف الأرواح والموارد. وكذلك العراقي والخليجي والأوروبي والهندي والصيني، فجميعهم يتضررون بدرجات مختلفة من اتساع الصراع.

ويبقى الأمل أن يفرض الواقع العسكري على الجميع أن يعودوا إلى طاولة التفاوض. لأن معظم الحروب في التاريخ كانت تنتهي بالتفاوض، حتى بعد سنوات من القتال.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.