أغادر دمشق اليوم بعد زيارتي الخامسة خلال عام واحد، لتصبح أكثر مدينة عدت إليها هذا العام. ولم تكن زياراتي وحدها التي تتكرر، ففي الفترة نفسها توالت الوفود السعودية، وعادت التجارة والاستثمار بين البلدين بخطوات متسارعة.
وسط هذه الحركة، وجدتني أفكر في باب أقدم من الاتفاقيات والعقود، وأقرب إلى الناس من دراسات السوق: كيف يفهم كل طرف الآخر قبل أن يجلس معه إلى طاولة التجارة؟
هذا السؤال أعادني إلى مثل شامي دوّنته قبل نحو ثلاثين عامًا: "مية حطّة ولا شيلة".
كنت في بداياتي مع التجارة أبحث عن الأمثال التجارية وأدوّنها من أصدقاء وتجار من البلدان التي أتعامل معها. وهذا المثل أثار فضولي: ما الحطّة؟ وما الشيلة؟ ولماذا تكون مئة حطّة أهون من شيلة واحدة؟
وللإجابة، عد معي إلى دمشق القديمة، إلى سوق البزورية. هناك، قرب الجامع الأموي وقصر العظم، يمتد سوق العطارين والتوابل والحبوب، الذي تستقبلك روائحه وتقودك إلى دكاكينه. وأمام أحد تجار البزورية ميزان قديم بكفتين، في إحداهما الوزن، وفي الأخرى حبوب المشتري. يزيد التاجر الحبوب حفنة بعد أخرى، وكل زيادة "حطّة"، فتهبط كفة المشتري شيئًا فشيئًا، حتى تتجاوز نقطة التعادل وتميل لصالحه.
هنا تظهر فطنة التاجر. إن ترك الزيادة، خرج المشتري بشعور أنه ربح في الصفقة. وإن أخذ منها ليعيد الكفتين إلى التوازن، فقد أوفاه حقه، لكنه ربما أخذ معه شيئًا من ذلك الشعور. فشعور الزبون بالربح أبقى من حفنة يستردها التاجر، وقد تكون حفنة يتركها اليوم ثمنًا زهيدًا لزبون يعود غدًا.
ومن هنا: "مية حطّة ولا شيلة".
ومع السنين أصبحت تلك الأمثال أشبه بـMBA، لم تدرسه جامعة، بل كتبته الأسواق وتجارب الشعوب. من حضرموت: "بِع من لا تعب به"، ومن ليبيا: "يا تجارة بعقل، يا حراثة بقوة"، وغيرها من نجد والحجاز والشام ومصر وتركيا والهند والصين والغرب.
لم أجمعها للمتعة. كنت أبحث فيها عما تراكم في أسواق الشعوب من تجارب حول المال والربح والمفاوضات والثقة والأخذ والعطاء، فقد يختصر مثل تجاري أو اجتماعي ما تحتاج إلى سنوات لتتعلمه في التعامل مع الناس. وأحيانًا كان يكفي أن أقول: "وكما تقولون عندكم" ثم أذكر مثلًا من ثقافتهم، فتختصر كلمات قليلة مسافة طويلة من التعارف، وتكسر الجليد.
ومع الوقت، لم أعد بحاجة إلى استحضار الأمثال، فقد انتقلت من ذاكرتي إلى ممارستي، وانعكس أثرها على مهاراتي في التفاوض وفهم الطرف الآخر، حتى أصبحت جزءًا من طريقتي في قراءة الأسواق وكسب ثقة الناس.
وأنا أكتب، بحثت عن مصدر موثق لـ"مية حطّة ولا شيلة" فلم أجده. فتذكرت أن كثيرًا مما جمعته قبل ثلاثين عامًا دوّنته شفاهة من أهله، وأن شيئًا من ذاكرة الأسواق ربما لا يزال محفوظًا في صدور الناس وممارساتهم أكثر منه في الكتب.
أما الطريق التجاري بين الجزيرة العربية والشام، فقصته أقدم من تجربتي. فمن الحجاز كانت رحلة الصيف إلى الشام، ثم جاء العقيلات من نجد، قلب المملكة اليوم، وامتدت تجارتهم مع سوريا في مرحلة موثقة بين 1840 و1950.
تغيرت القوافل والسلع ووسائل السفر، وبقي الطريق.
واليوم، بعد سنوات الانقطاع، يعود بأدوات عصره. وخلال عام قطعت العلاقة الاقتصادية بين السعودية وسوريا أشواطًا لافتة، من الزيارات والتفاهمات إلى الاتفاقيات والعقود والمشروعات المتحركة نحو التنفيذ.
وخلف ذلك جهد من الطرفين، وفي القلب منه مجلسا الأعمال السوري السعودي والسعودي السوري، مدّا الجسور بين مجتمعي الأعمال، وأسهمَا في بناء الثقة وتذليل ما يعترض الطريق، في مسار يعكس توجه قيادتي البلدين نحو علاقة اقتصادية طويلة الأمد.
ولعل التاريخ، حين يكتب فصول هذا الطريق، يضع في صفحاته ثلاث محطات متباعدة في الزمن ومتقاربة في المعنى: رحلة الصيف إلى الشام، وقوافل العقيلات بين نجد وسوريا، ثم مجلسا الأعمال اللذان يعيدان اليوم بناء الجسر التجاري بين البلدين برؤية القيادتين.
وإذا تحقق ذلك، فلن يكون مجلسا الأعمال قد أعادا طريقًا تجاريًا قديمًا إلى ما كان عليه فحسب، بل أضافا إليه رحلة جديدة تستحق أن يسجلها التاريخ.
وهنا، وأنا أغادر دمشق، يعود ميزان البزورية إلى ذهني. فكل "حطّة" يضعها تاجر سعودي في كفة زبون سوري، وكل "حطّة" يضعها تاجر سوري في كفة زبون سعودي، هي أكثر من زيادة صغيرة في صفقة. هي حطّة في رصيد الثقة، وأخرى في المحبة، وثالثة في جسر تجاري قديم نعيد بناءه اليوم، جسر يصل الرياض بدمشق، ودمشق بالرياض، ويعبره البائع والمشتري في الاتجاهين.
ولعل تجار البزورية، لو رأوا الطريق يُفتح من جديد، لما احتاجوا إلى كثير من الكلام. كان سيكفيهم أن يستحضروا روح مثلهم المتوارث: "مية حطّة ولا شيلة".
فربما تبدأ الحكاية بحطّة تكسب زبونًا، وتنتهي بعلاقة يبنيها الآباء وتمتد عبر الأجيال.

