إيلاف: صدر حديثاً عن “دار ورد الأردنية للنشر والتوزيع” كتاب «هاكان فيدان: من عقل الدولة إلى دبلوماسية القوة.. سيرته، تكوينه الفكري، ورؤيته لمكانة تركيا في النظام الدولي» للكاتب والباحث محمد الشرقاوي، في قراءة سياسية وتحليلية تتجاوز السيرة الشخصية لوزير الخارجية التركي ومدير جهاز الاستخبارات الوطنية السابق، إلى محاولة فهم التحولات التي شهدتها أدوات القوة التركية والعلاقة بين الأمن والاستخبارات والدبلوماسية وصناعة القرار.
يأتي الكتاب في مرحلة تشهد فيها تركيا حضوراً متزايداً في ملفات إقليمية ودولية، وتسعى خلالها إلى الجمع بين موقعها الجغرافي وقوتها العسكرية وشبكاتها الاقتصادية وعلاقاتها الدبلوماسية وأدوارها الأمنية والاستخبارية، لتعزيز قدرتها على التأثير في محيطها وفي النظام الدولي.
وينطلق الشرقاوي من فرضية مفادها أن فهم شخصية هاكان فيدان لا يتحقق بمجرد تتبع المناصب التي شغلها، وإنما يتطلب قراءة المرحلة التي صنعت تجربته، والمؤسسات التي عمل داخلها، والملفات التي أدارها، وطبيعة الصلة بين المعلومة والقرار داخل الدولة التركية على امتداد أكثر من عقدين.
بعيداً عن صورة «رجل الأسرار»
لا يقدم الكتاب فيدان باعتباره بطلاً خفياً يقف منفرداً وراء التحولات التي شهدتها تركيا، كما يبتعد عن تكريس الصورة الشائعة عنه بوصفه «رجل الأسرار» الغامض.
وبدلاً من ذلك، يضعه الشرقاوي داخل سياقه السياسي والمؤسسي باعتباره واحداً من أبرز المسؤولين الذين شاركوا في إعادة تعريف مفهوم القوة التركية وطريقة استخدامها.
ويتتبع الكتاب انتقال فيدان بين المؤسسة العسكرية والعمل الأكاديمي والإدارة العامة والتعاون الدولي والاستخبارات، وصولاً إلى وزارة الخارجية.
ويتوقف عند رئاسته وكالة التعاون والتنسيق التركية «تيكا» بين عامي 2003 و2007، ثم عمله في مواقع مرتبطة بالسياسة الخارجية والأمن، قبل قيادة جهاز الاستخبارات الوطنية التركية لنحو 13 عاماً، وصولاً إلى توليه وزارة الخارجية عام 2023.
13 عاماً في قلب الاستخبارات
يخصص الشرقاوي مساحة مهمة للمرحلة التي قاد فيها فيدان جهاز الاستخبارات الوطنية، وهي فترة تزامنت مع تحولات داخلية وإقليمية بالغة التعقيد.
وشملت تلك المرحلة تطورات الملف الكردي، والحرب في سوريا، والوضع في العراق، والعلاقات المتغيرة والمتوترة مع الولايات المتحدة وروسيا والاتحاد الأوروبي، فضلاً عن الانقلابات والصراعات والحروب التي أعادت تشكيل البيئة الأمنية المحيطة بتركيا.
ويبحث الكتاب في الطريقة التي تحولت بها المؤسسة الاستخبارية خلال تلك السنوات من جهاز تقليدي يتركز عمله على جمع المعلومات وحماية الأمن الداخلي إلى أداة أكثر حضوراً في إدارة الأزمات الخارجية والتفاوض غير المعلن والتواصل مع أطراف متعارضة ومتابعة الملفات العابرة للحدود والمساهمة في بناء خيارات الدولة السياسية والأمنية.
من العمل خلف الستار إلى وزارة الخارجية
يشكل انتقال فيدان إلى وزارة الخارجية عام 2023 منعطفاً أساسياً في الكتاب.
فالرجل الذي أمضى سنوات طويلة على رأس مؤسسة تعمل بطبيعتها بعيداً عن الأضواء انتقل إلى منصب يتطلب حضوراً علنياً وخطاباً سياسياً مباشراً واتصالات مستمرة بالعواصم والمنظمات الدولية ووسائل الإعلام.
لكن الشرقاوي لا يقرأ هذا الانتقال باعتباره قطيعة كاملة مع تجربة فيدان السابقة، إذ يرى أن الخبرة الأمنية والاستخبارية ظلت حاضرة في مقاربته للدبلوماسية وفي طريقة إدارة الملفات الدولية.
ماذا تقول خطابات فيدان؟
يعود الكتاب إلى خطابات فيدان ومقابلاته ومواقفه المعلنة في محاولة لاستخلاص الملامح الأساسية لرؤيته للدولة والسياسة الخارجية.
ويضع في مقدمتها **الاستقلال الاستراتيجي**، وأهمية امتلاك الدولة مصادرها الخاصة للمعلومات، والربط بين الأمن والاقتصاد والطاقة والتكنولوجيا والدفاع، وعدم الفصل بين السياسة الداخلية والتحولات الإقليمية.
ومن هذه الزاوية، لا تصبح دراسة فيدان دراسة لمسؤول واحد فقط، بل مدخلاً إلى التحول الأوسع في السياسة الخارجية التركية.
أدوات القوة التركية تتغير
يتناول الكتاب انتقال السياسة التركية، وفق قراءته، من التركيز على الاستجابة للأزمات إلى محاولة التأثير في مساراتها، ومن الاعتماد الأساسي على التحالفات التقليدية إلى تنويع العلاقات والشراكات.
ويتوقف كذلك عند الجمع بين أدوات متعددة في السياسة الخارجية: الدبلوماسية والقوة العسكرية والعمل الاستخباري والتجارة والطاقة والمساعدات الإنسانية والثقافة.
ويختبر الشرقاوي هذه المقاربة عبر مجموعة من الملفات التي واجهتها تركيا، وفي مقدمتها سوريا والعراق والملف الكردي والعلاقة المعقدة مع موسكو وواشنطن وحلف شمال الأطلسي وأوروبا، إضافة إلى أدوار أنقرة في القوقاز وشرق المتوسط والشرق الأوسط.
ولا يكتفي بسرد المواقف التركية، وإنما يبحث في الآليات التي استخدمتها أنقرة لإدارة التناقضات، وفي انتقال فيدان بين لغة الأمن ولغة التفاوض، وبين الاتصالات السرية وتمثيل السياسة التركية بصورة علنية.
أين ينتهي دور الرجل وتبدأ المؤسسة؟
لكن الكتاب لا يمنح الفرد وحده مسؤولية التحولات.
بل يطرح سؤالاً مركزياً حول الحدود الفاصلة بين كفاءة المسؤول وقوة المؤسسة: أين ينتهي تأثير فيدان الشخصي وتبدأ قدرة المؤسسات التي عمل فيها؟ وهل يمكن فصل نفوذه عن القيادة السياسية التي منحته الثقة والصلاحيات؟
ويذهب السؤال إلى مدى أبعد: هل تمثل تجربة فيدان نموذجاً مؤسسياً قابلاً للاستمرار، أم أنها خبرة ارتبطت بشخص واحد وبظروف استثنائية؟
اختبار الإرث
من القضايا التي يناقشها الكتاب أيضاً **الإرث السياسي والمؤسسي**، أي قدرة المسؤول على تحويل المعرفة المتراكمة وشبكات الاتصال والخبرة التفاوضية والنفوذ إلى سياسات وآليات تستمر بعد مغادرته منصبه.
وفي هذه المقاربة، لا تقاس قيمة تجربة الحكم فقط بما يتحقق أثناء وجود صاحبها، وإنما بما تتركه من قواعد وآليات تستطيع مؤسسات الدولة البناء عليها في المستقبل.
مصادر متعددة وروايات متعارضة
يعتمد الشرقاوي في بناء دراسته على مجموعة متنوعة من المصادر، تشمل خطابات فيدان ومقابلاته ومقالاته، والوثائق والتقارير التركية، والدراسات الأكاديمية والقراءات العربية والغربية، إلى جانب الشهادات والتقديرات المتعلقة بالمؤسسات التي تولى قيادتها.
ويتيح ذلك للكتاب المقارنة بين الصورة الرسمية التركية، والقراءات التي تقدم فيدان باعتباره مهندساً لتحول استراتيجي واسع، والمواقف النقدية التي تربط صعوده بتزايد حضور المؤسسات الأمنية في المجال السياسي وصناعة القرار.
وبحسب منهج الكتاب، لا تُعامل أي من هذه الروايات باعتبارها حقيقة مكتملة، وإنما توضع الروايات المختلفة في مواجهة بعضها، مع محاولة الفصل بين الوقائع المثبتة والتحليلات السياسية والانطباعات الإعلامية والمعلومات التي يصعب التحقق منها بسبب الطبيعة السرية للعمل الاستخباري.
لماذا يهم فيدان القارئ العربي؟
يقدم الشرقاوي كتابه أيضاً باعتباره مدخلاً إلى فهم جانب من آليات صناعة القرار في تركيا وعلاقتها بمحيطها العربي.
فتركيا ترتبط بدول المنطقة بعلاقات سياسية واقتصادية وأمنية وتاريخية متشابكة، كما تتداخل بصورة مباشرة مع عدد من أزماتها وملفاتها.
ولهذا، لا تتوقف أهمية دراسة فيدان عند معرفة سيرة مسؤول تركي بارز، بل تمتد إلى محاولة فهم كيفية قراءة أنقرة لمحيطها، وتحديدها لمصالحها، وبنائها لتحالفاتها وإدارتها للخلافات.
لا أسطورة لفيدان
ويؤكد محمد الشرقاوي في تقديمه أن كتابه لا يسعى إلى صناعة صورة أسطورية لهاكان فيدان، ولا إلى اختزال التحولات التركية في شخص واحد.
إنما يدرس نموذج مسؤول جمع بين الخبرة العسكرية والإدارية والاستخبارية والدبلوماسية، وعمل داخل مؤسسات الدولة خلال مرحلة كانت فيها تركيا تعيد صياغة موقعها الإقليمي والدولي.
كما يقرأ المؤلف الصمت الذي ارتبط طويلاً بصورة فيدان بطريقة مختلفة؛ فقلة التصريحات، وفق هذه المقاربة، لا تعني غياب الأفكار، وإنما تجعل دراسة القرارات والمسارات والنتائج ضرورية لمحاولة فهم طريقة تفكير المسؤول الذي أمضى سنوات خلف الكواليس.
الرجل والمرحلة
تقول دار ورد إن إصدار الكتاب يشكل إضافة إلى المؤلفات العربية التي تتناول التحولات السياسية والاستراتيجية في المنطقة من زاوية تحليلية، وتضع الشخصيات المؤثرة ضمن سياقاتها التاريخية والمؤسسية بعيداً عن السرد التمجيدي أو الأحكام المسبقة.
ويخاطب الكتاب المهتمين بالسياسة التركية والعلاقات الدولية والدراسات الأمنية والاستراتيجية والعمل الاستخباري وصناعة القرار، إلى جانب الراغبين في فهم التحولات التي شهدتها تركيا خلال العقدين الأخيرين.
وفي المحصلة، يقدم «هاكان فيدان» قراءة للرجل والمرحلة في آن واحد. فبحسب الأطروحة التي يقدمها الشرقاوي، لم يصنع فيدان قوة تركيا منفرداً ولم يعمل خارج مؤسسات الدولة أو بمعزل عن قيادتها السياسية، لكنه كان من أبرز المشاركين في إعادة تعريف كيفية استخدام هذه القوة، وبناء الصلة بين المعلومة والأمن والتفاوض والدبلوماسية والمصلحة القومية.
ويبقى السؤال الذي يمتد عبر صفحات الكتاب أبعد من السيرة الشخصية لفيدان: **كيف ينتقل مسؤول أمضى جزءاً كبيراً من حياته المهنية خلف الستار إلى واجهة الدولة، ويصبح أحد أبرز الوجوه التي تقدم سياستها وخطابها أمام العالم؟**


