: آخر تحديث

الكورد بين مقص أنقرة ومطرقة الجغرافيا

2
2
2

تدخل القضية الكوردية مرحلة جديدة، لكن الجديد فيها ليس أن تركيا تريد إنهاء صراعها مع الكورد، بل أن السؤال الحقيقي هو: أي نهاية تريدها أنقرة؟

تركيا، التي تمتلك ثاني أكبر جيش في حلف الناتو، تعرف جيدًا قيمة موقعها الاستراتيجي بالنسبة إلى الغرب، وتعرف كذلك كيف توظف هذا الموقع في خدمة مصالحها الأمنية والسياسية. واليوم، بينما تتقدم عملية نزع سلاح حزب العمال الكردستاني وتفكيكه، وتبنت أنقرة تشريعًا جديدًا لتنظيم عملية إعادة دمج مقاتليه، تبدو تركيا وكأنها تريد إغلاق الملف العسكري، ولكن ضمن صيغة سياسية وأمنية لا تسمح للقضية الكوردية بأن تتجاوز "المقاس التركي".

وهنا تكمن المفارقة، فقد يكون إنهاء الحرب خطوة تاريخية، لكن السلام شيء آخر. السلام لا يعني أن يُطلب من الكورد التخلي عن السلاح فقط، ثم يُترك لهم سؤال الحقوق والهوية والتمثيل السياسي معلقًا في الهواء. وحتى داخل تركيا نفسها، هناك من يرى أن السلام الدائم يحتاج إلى إصلاحات ديمقراطية وقانونية أوسع من مجرد نزع السلاح.

المشكلة أن أنقرة تبدو راغبة في حل القضية الكوردية من زاوية الأمن القومي التركي، لا من زاوية الاعتراف الكامل بتعدد أبعادها الإقليمية، وهذا ما يجعل التطورات في سوريا ذات أهمية خاصة. فتركيا رحبت بحل قوات سوريا الديمقراطية ودمجها في مؤسسات الدولة السورية، وتعتبر ذلك خطوة نحو "وحدة سوريا"، في الوقت الذي تؤكد فيه استمرار وجودها العسكري إلى أن تزول، وفق تعبيرها، التهديدات الأمنية.

وبمعنى أدق، فإن الرسالة التركية تبدو واضحة: كوردي نعم، لكن ليس على هيئة قوة عسكرية مستقلة، حقوق نعم، لكن ليس على هيئة مشروع جغرافي يمكن أن يغير موازين المنطقة.

وبهذا السياق، إذا كانت سوريا تمثل الاختبار الكوردي في الغرب، فإن كركوك تمثل الاختبار في الشرق.

انتخاب رئيس الجبهة التركمانية العراقية محمد سمعان آغا محافظًا لكركوك في نيسان (أبريل) 2026 جاء بعد تفاهمات سياسية عراقية، لكنه حظي بترحيب رسمي تركي واضح. كما التقى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان المحافظ في إسطنبول في حزيران (يونيو).

ولا يعني ذلك أن تركيا هي التي عينته، فالقرار صدر عن مجلس محافظة كركوك واستكمل إجراءاته الدستورية العراقية. لكن السياسة لا تُقرأ فقط من خلال من أصدر القرار، بل أيضًا من خلال من يملك القدرة على الاستثمار فيه.

وهنا يصبح السؤال مشروعًا: هل تريد أنقرة أن يكون المحافظ التركماني مجرد ممثل لمكون عراقي أصيل، أم بوابة لتعزيز نفوذها السياسي والثقافي في مدينة متعددة القوميات؟

ومن الواضح أن التركمان جزء أصيل من كركوك، كما أن الكورد والعرب جزء أصيل منها، لكن تحويل كركوك إلى "مدينة تركية" سياسيًا أو ثقافيًا، أو التعامل معها باعتبارها امتدادًا لمجال نفوذ تركي، سيكون تجاوزًا لحقيقة أنها مدينة عراقية أولًا.

وإذا كان المطلوب هو حماية التركمان وحقوقهم، فهذا حق مشروع، أما إذا تحولت حمايتهم إلى ذريعة لإعادة رسم هوية كركوك وفق الرؤية التركية، فإن الأمر يصبح مختلفًا تمامًا.

بيد أنه من المفيد هنا التأكيد على أن القضية الكوردية لا يمكن تشذيبها بالمقص، فقد تستطيع تركيا، بجيشها وموقعها في الناتو وعلاقاتها الإقليمية، أن تضغط على مسارات القضية الكوردية، وأن تفرض لبعض الوقت سقفًا للحلول المقبولة. لكنها لن تستطيع أن تعيد تشكيل التاريخ والجغرافيا إلى ما لا نهاية.

القضية الكوردية ليست "ملفًا أمنيًا تركيًا" فقط، وكركوك ليست "ورقة تركمانية"، والكورد ليسوا مجرد مشكلة ينبغي احتواؤها، إنهم حقيقة سياسية وجغرافية وتاريخية في المنطقة.

ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يواجه أنقرة اليوم ليس: كيف ننهي القضية الكوردية؟ بل: كيف ننهي الصراع من دون أن نحاول إنهاء القضية نفسها؟

فالسلام الذي يزيل السلاح ويحفظ الحقوق يمكن أن يكون بداية تاريخ جديد. أما السلام الذي يزيل السلاح ويبقي القضية محاصرة داخل مقاس أمني تركي، فلن يكون سوى هدنة طويلة تنتظر أزمة جديدة كي تنفجر.

وفي النهاية، قد تنجح أنقرة في تشذيب أغصان القضية الكوردية، لكنها ستكتشف عاجلًا أم آجلًا أن الجغرافيا لا تُقص بالمقص، والتاريخ لا يخضع للمقاسات.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.