: آخر تحديث
رأي

السقوط في فخ الرواية المعلّبة

3
1
2

عندما تتأمل خارطة السرد في مشهدنا الثقافي، من جيل التأسيس الأول مع رواد القصة والرواية الأوائل مثل إبراهيم الناصر الحميدان، وحامد دمنهوري، وأحمد سباعي، مرورًا بجيل التحول والتمكين السردي في السبعينيات والثمانينيات مع عبد الله باخشوين، وحسين علي حسين، وصالح الأشقر، وسعد الدوسري، ومحمد علوان، وفهد العتيق، وعبد العزيز مشري، وجار الله الحميد، وصولًا إلى تجارب النضج والرسوخ عند غازي القصيبي، وتركي الحمد، وعبده خال، ويوسف المحيميد، ورجاء عالم، وأميمة الخميس، ومحمد حسن علوان، وأمل الفاران، تشعر أنك أمام مسيرة كانت تتعامل مع الكتابة بمهابة وجدية، وعزلة صامتة لتجويد النص. كان النص لديهم هو الذي يسوق صاحبه، يعبر الأروقة بصمت، ويفرض هيبته دون ضجيج إعلامي، أو نرجسية استعراضية، أو سطحية في التواصل.

وحين تنظر إلى الراهن، دون بخس لتجارب جادة ومؤثرة تجاهد في الصمت مثل علوان السهيمي، وبدر السماري، ومقبول العلوي، تستوقفك ظاهرة مشهدية موجعة. يتنامى التساؤل عن سبب هذا الاستسهال العجيب لكتابة الرواية تحديدًا، ولماذا يتزاحم الكل لانتزاع لقب "روائي"، حتى لو كان المنتج مجرد جثة هامدة من الورق والحبر، وخسارة بيئية ومادية لا تضيف لبنة واحدة للمشهد الثقافي المحلي.

برأيي، إن السر يكمن في تحول الرواية في الوعي الجمعي من مشروع وعي ومكابدة فكرية إلى بطاقة تعريف وجاهية وإكسسوار اجتماعي يُعرض في المقاهي والمنصات. لقد أصبحت الثقافة زيًا تجميليًا لمن يعانون من هشاشة الثقة بذواتهم الاجتماعية، إذ لم يعد يستلزم الأمر سنوات من القراءة والتبحر والتأمل، بل يكفي طبع مئة صفحة خالية من المعنى لتتحول الثقالة إلى إبداع يمتلك هالة زائفة.

غير أن هذه السطحية المكرسة لم تكن لتتسيد المشهد لولا التقاء مصالح عدة وشبكة من العوامل المتضافرة. يأتي في مقدمتها غياب الناقد الحارس الذي كان يزن النصوص بميزان الجوهر والصرامة الأدبية، إذ انحسر دوره اليوم ليحل محله المسوق القرائي والمجاملات المتبادلة، ليُحتفى بالثرثرة العاطفية بعبارات معلبة تدّعي العمق وتخلق هالة من الزيف حول نصوص خاوية بالكامل.

ويتكامل هذا الغياب النقدي مع تحول قسم كبير من دور النشر إلى تجارة الورق لا الثقافة. لم تعد تعني هذه الدور جودة المعمار الروائي طالما أن الكاتب يدفع تكاليف الطباعة من جيبه، أو يقدم مادة استهلاكية تضمن مبيعات سريعة لجمهور يفضل الدراما السطحية، مما أغرق السوق بالغث والسمين، وحرم التجارب الرصينة من حقها المستحق في الضوء والانتشار.

كما يهرب أدعياء الكتابة من التكثيف الفكري إلى الثرثرة الحكائية، كون الرواية تُوهم المستسهل بالسهولة، فالشعر يلزمه وزن وموسيقى وصور مبتكرة، والفكر يلزمه منطق واطلاع، أما الرواية فيظن المستسهل أن كل ما يتطلبه الأمر هو تسجيل يوميات وانفعالات عابرة ورصفها بين غلافين، متناسين أن الفارق بين الحكّاء والروائي كالفارق بين من يرسم خطًا على الرمال ومن ينحت في الصخر.

تتجاوز المشكلة حدود النص الضعيف، فالتاريخ الأدبي كفيل بفرز الغث ونبذه، غير أن العلة تكمن في غياب المصفاة النقدية ومعايير الصنعة والجودة. إذ إن اختزال الرواية في مجرد وجاهة تجميلية سيعمل على تكريس وهم الإبداع والزيف الاجتماعي، لتظل هذه التجارب الهشة مجرد هدر للورق، وحبر يتلاشى فور انتهاء الصخب حوله.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في ثقافات