هناك رجال يمرون في التاريخ، وهناك رجال يمر التاريخ من خلالهم.
سيرجيو فييرا دي ميلو كان من الصنف الثاني.
حين وصل الدبلوماسي البرازيلي إلى بغداد في حزيران (يونيو) 2003، لم يكن العراق قد أصبح بعدُ تلك الصورة التي نعرفها اليوم، لم تكن سنوات الطائفية والاقتتال قد اكتملت، ولم يكن الانقسام قد ترسخ، ولم تكن الدولة قد دخلت تمامًا في دوامة الفوضى التي ستعيد تشكيل العراق والمنطقة لعقود.
كان كل شيء لا يزال مفتوحًا.
وكان السؤال الحقيقي يومها: أي عراق سيولد من بين أنقاض العراق القديم؟
جاء دي ميلو إلى بغداد ممثلًا للأمم المتحدة، بعد تجربة استثنائية في أكثر الأماكن اضطرابًا في العالم: من كمبوديا والبوسنة إلى كوسوفو وتيمور الشرقية. كان قد أمضى عقودًا يتعامل مع المجتمعات التي تحطمت دولها، وتعلم أن إعادة بناء الدولة لا تبدأ من المكاتب المغلقة، ولا من القرارات التي تفرضها القوة، وإنما من فهم الناس الذين ستؤول إليهم تلك الدولة.
ولذلك كان يرى العراق بعين مختلفة.
لم يرَ فيه أرضًا مهزومة تنتظر من يحكمها، بل بلدًا ينبغي أن يستعيد نفسه.
وهنا بدأت قصته الأصعب.
لم يكن يريد عراقًا تديره القوة
كان بريمر، ممثل سلطة الائتلاف المؤقتة، يمسك بزمام السلطة الفعلية في العراق.
أما دي ميلو فلم يكن يملك جيشًا ولا سلطة احتلال ولا أجهزة تنفيذية.
كان يملك شيئًا آخر: القدرة على الإقناع.
وبدأ يتحرك بين القوى العراقية المختلفة، يستمع إلى الشيعة والسنة والأكراد والمسيحيين وغيرهم، ويلتقي رجال الدين والسياسيين والشخصيات الوطنية، ويحاول أن يفهم ما يريده العراقيون من مستقبل بلدهم.
وكان ما يسمعه منهم يتكرر بصورة واضحة:
نريد أن نحكم أنفسنا.
لذلك لم يكن مفهوم دي ميلو للاستقرار هو أن يبقى العراق تحت الإدارة الأميركية إلى أجل غير معلوم.
كان يرى أن العراقيين بحاجة إلى أن يروا نهاية الاحتلال في الأفق، وأن يعرفوا أن السلطة ستعود إليهم، وأن بناء النظام الجديد يجب أن يكون عملية عراقية لا مشروعًا مفروضًا عليهم.
وفي تموز (يوليو) 2003 وقف أمام مجلس الأمن ليقول بوضوح إن الهدف يجب أن يكون إنهاء الاحتلال العسكري في أقرب وقت ممكن، وإقامة حكومة تمثيلية، والمضي في عملية دستورية يديرها العراقيون ولأجل العراقيين.
لم تكن تلك مجرد عبارات دبلوماسية.
كانت، في جوهرها، رؤية مختلفة للعراق.
ولهذا اصطدم، وإن من داخل اللعبة
لم يكن دي ميلو ثائرًا على الأميركيين، ولم يكن يعمل ضد سلطة الاحتلال.
كان أكثر دهاءً من ذلك.
لقد حاول أن يعمل داخل الواقع المفروض على العراق، لكي يغيّر اتجاهه.
ضغط على بريمر كي لا يكون مجلس الحكم مجرد مجلس استشاري بلا أسنان، بل مؤسسة عراقية تمتلك صلاحيات حقيقية، ودفع باتجاه أن يكون للعراقيين دور أكبر في تسمية الوزراء، وإدارة الشؤون العامة، والبدء في العملية الدستورية. كما حث على وضع طريق واضح نحو الانتخابات.
وكان بريمر يسمع.
أحيانًا يقتنع، وأحيانًا يتردد، وأحيانًا يرفض.
لكن دي ميلو ظل يدفع.
ولعل المفارقة أن الرجل الذي لم يكن يملك سلطة الاحتلال استطاع، خلال أسابيع قليلة، أن يجعل للأمم المتحدة ولصوت العراقيين وزنًا أكبر مما كان متوقعًا.
وفي 13 تموز (يوليو) تشكل مجلس الحكم العراقي، الذي كان خطوة أولى نحو إعادة العراقيين إلى مركز المشهد السياسي. وقد لعب دي ميلو دورًا مهمًا في الدفع نحو مجلس ذي تمثيل أوسع وصلاحيات أكبر.
كان المشروع لا يزال هشًا.
لكن كان هناك مشروع.
وهذه هي النقطة التي تستحق أن نتوقف عندها.
ماذا لو؟
التاريخ لا يعترف بـ"ماذا لو"، لكن، وقبل أن نطرح السؤال أصلًا، كانت أميركا بمعية الشيطان قد افتتحت عملها في العراق، حتى قبل أن نسأل: "لو"؟!
لكن الإنسان لا يستطيع أن يمنع نفسه من السؤال.
ماذا لو بقي دي ميلو في بغداد؟
ماذا لو امتلك مشروع الانتقال السياسي وقتًا أطول؟
ماذا لو أخذت الإدارة الأميركية بنصيحته كاملة؟
ماذا لو أُعيدت السيادة للعراقيين بوتيرة أسرع؟
ماذا لو تطورت المؤسسات العراقية قبل أن تتسع الفوضى؟
لا أحد يستطيع أن يجيب.
وربما يكون من الظلم التاريخي أن ننسب إلى رجل واحد القدرة على تغيير مصير بلد كامل.
لكن من الظلم أيضًا أن نتجاهل أن دي ميلو كان من القلائل الذين أدركوا مبكرًا أن العراق لا يمكن أن يستقر إذا شعر العراقيون أن بلدهم يُدار من الخارج.
لقد كان يرى ما لم تكن القوة العسكرية قادرة على رؤيته:
أن الأمن لا ينفصل عن الكرامة.
وأن الاستقرار لا يُفرض إلى الأبد.
وأن الديمقراطية التي لا يشعر أصحاب البلد أنها ديمقراطيتهم، ستظل مشروعًا خارجيًا مهما كانت نوايا أصحابها.
ولهذا كان يريد أن يبدأ العراقيون بأنفسهم.
ثم جاء الانفجار.
في 19 آب (أغسطس) 2003، كان دي ميلو في مكتبه في فندق القناة ببغداد، مقر الأمم المتحدة.
انفجرت الشاحنة المفخخة.
قُتل سيرجيو فييرا دي ميلو، ومعه 21 من موظفي الأمم المتحدة.
وبموته لم يفقد العراق مجرد مبعوث أممي.
فقد أحد الأصوات القليلة التي كانت تحاول أن تقيم جسرًا بين العراقيين الذين يريدون استعادة بلدهم، والقوة التي كانت تملك البلد فعليًا.
وبعد موته بأشهر، قال الأمين العام للأمم المتحدة حينها كوفي أنان إن العراقيين من مختلف الاتجاهات ظلوا يتذكرون دي ميلو باعتباره صديقًا حقيقيًا للعراق، وأن موته أوقف عمليًا الحضور الأممي الميداني في العملية السياسية العراقية.
ولم تَنْمَحِ فداحة هذه الفاجعة من ذاكرة المنظومة الدولية، إذ أقرّت الجمعية العامة للأمم المتحدة لاحقًا يوم 19 آب (أغسطس) من كل عام يومًا عالميًا للعمل الإنساني، تخليدًا لذكرى سيرجيو والـ21 موظفًا ممن لقوا حتفهم في ذلك الانفجار المأساوي.
ولمن يريد الاستزادة عن شخصية سيرجيو، يمكنه قراءة كتاب سامانثا باور الشهير عن سيرته: "مطاردة الشعلة: رجل واحد في معركة إنقاذ العالم" (Chasing the Flame)، أو متابعة فيلم السيرة الذاتية الذي يحمل اسمه "Sergio" من إنتاج نتفليكس عام 2020، والذي جسّد فيه دور سيرجيو "بلدياته" الممثل البرازيلي ذاته الذي قام بدور بابلو إسكوبار في مسلسل نتفليكس الشهير.
ولعل هذا هو أكثر ما يؤلم في حكايته.
لم يمت بعد أن اكتمل مشروعه.
مات في اللحظة التي كان المشروع فيها لا يزال ممكنًا.
كان العراق يومها على عتبة التاريخ، ولم يكن أحد يعرف أي طريق سيسلك.
ثم رحل الرجل الذي كان يحاول أن يدفعه نحو طريق آخر.
ولهذا، كلما قرأت عن سيرجيو فييرا دي ميلو، لا أراه فقط دبلوماسيًا أمميًا قُتل في بغداد.
أراه فرصة تاريخية لم تكتمل.
رجلًا جاء إلى بلد خارج للتو من حرب واحتلال، وحاول أن يقول للقوة الغالبة:
اتركوا للعراقيين بلدهم.
ساعدوهم على بناء مؤسساتهم.
أعيدوا إليهم سيادتهم.
ثم دعوهم يقررون بأنفسهم أي عراق يريدون.
ربما كان سينجح.
وربما كان سيفشل.
لكننا لن نعرف أبدًا.
ففي التاسع عشر من آب (أغسطس) 2003، لم يمت دي ميلو وحده، بل مات معه مشروع العراق المستقل الذي حاول بناءه، وتهدم ذلك الجسر الرهيف بين السيادة والكرامة، فكان صرحًا من خيال، فهوى.


