سأظلّ عاشقًا للصحافة والأدب والثقافة، ما دام في القلب نبض، وفي الذاكرة متّسع للحكايات، وفي الروح شغف بالكلمة التي تمنح الحياة معناها. لم تكن الصحافة بالنسبة إليّ مهنةً اخترتها لأكسب منها عيشًا، ولا طريقًا إلى الشهرة أو الأضواء، بل كانت، منذ خطواتي الأولى، انحيازًا إلى الإنسان، وإيمانًا بأن للكلمة رسالة تتجاوز حدود الخبر، وأن للصحافي مسؤولية أخلاقية لا تنتهي بانتهاء ساعات العمل، ولا تسقط بتبدّل الأمكنة والأزمنة.
منذ أن أمسكت بالقلم، أدركت أن الصحافة ليست مجرد ملاحقة للأحداث، بل محاولة دائمة لفهم الإنسان في لحظات فرحه وانكساره، والاقتراب من وجعه دون أن نزيده وجعًا، والإنصات إلى صوته حين تضيق المساحات بمن لا صوت لهم. فالصحافي الحقيقي، في نظري، ليس من يجيد ترتيب الكلمات فحسب، بل من يمتلك حسًّا إنسانيًا يجعله يرى خلف الأرقام وجوهًا، وخلف الأخبار مصائر، وخلف العناوين حكايات تستحق أن تُروى.
ولعلّ أجمل ما منحَتني إيّاه هذه المهنة أنها فتحت أمامي أبواب الناس، وعرّفتني إلى شخصيات وتجارب ما كنت لأقترب منها لولا ذلك الشغف الذي دفعني إلى البحث والسؤال والكتابة. تعلّمت من البسطاء ما لم أجده في الكتب، ومن وجوه المتعبين ما لم تقله الخطب، ومن تجارب الحياة أن الحقيقة لا تسكن دائمًا في المكاتب الفارهة، بل قد نجدها في بيت فقير، أو دمعة أم، أو شكوى عامل أنهكته الأيام.
ها أنا اليوم في فيينا، بعيدًا عن جغرافيا الوطن، قريبًا من نبضه ووجعه وتفاصيله الصغيرة. قد تفصلني عن مدينتي مسافات طويلة، وتختلف الوجوه واللغات والشوارع، لكن الوطن لا يغادرني، ولا تتراجع صورته أمام اتساع الغربة. أحمله في ذاكرتي كما يحمل المرء ملامح طفولته، وأستعيده كلما مرّ اسم مدينة، أو قرأت خبرًا عن أناس أعرف شيئًا من معاناتهم وأحلامهم.
أقضي ساعات طويلة خلف شاشة الحاسوب، أتنقّل بين الصحف العربية الورقية في نسخها الرقمية والمواقع الإخبارية والمنابر الثقافية، أتابع ما يجري من تحوّلات، وأرصد النشاطات الأدبية والفنية، وأبحث عمّا يستحق التوقّف والتأمّل. لا أقرأ الخبر باعتباره معلومة عابرة، بل أحاول أن أرى ما وراءه، أسبابه، وظلاله الاجتماعية، وآثاره النفسية، وما يمكن أن يتركه في حياة الناس.
وبين خبر وآخر، أجدني أعود إلى دفاتري القديمة، وإلى وجوه مرّت في حياتي وتركت أثرًا لا يمحوه الزمن. فالصحافة، كما عرفتها، ليست ذاكرة للأحداث وحدها، وإنما ذاكرة للناس أيضًا، وللمواقف الصغيرة التي قد تبدو عادية في حينها، لكنها تكتسب مع مرور الأيام قيمة إنسانية استثنائية.
علّمتني الحياة أن أشدّ أنواع الغياب قسوة ليس رحيل الإنسان عن الدنيا، بل أن تُطوى سيرته في النسيان، وكأن شيئًا من حضوره لم يكن. ولهذا ظلّ الوفاء للأصدقاء والزملاء الذين غادرونا جزءًا أصيلًا من علاقتي بالكتابة.
كم من صديقٍ رحل، وبقي صوته يتردّد في الذاكرة! وكم من وجهٍ غاب، لكن ابتسامته ما زالت حاضرة كأن اللقاء كان بالأمس! وكم من حكايةٍ توقّفت عند أصحابها، لكنها واصلت حياتها في قلوب من عرفوهم!
من هنا جاءت زاويتي "وجوه لا يغفلها الزمن"، محاولةً متواضعة لردّ شيء من الجميل إلى أولئك الذين تركوا بصماتهم في حياتنا. لم أكتب عنهم لأستعيد أسماءهم فحسب، بل لأستحضر إنسانيتهم، ومواقفهم النبيلة، وتفاصيل شخصياتهم التي لا تختصرها تواريخ الميلاد والرحيل.
أكتب عنهم وكأنني أجلس إليهم من جديد، أستمع إلى أصواتهم، وأستعيد ضحكاتهم، وأفتح نوافذ الذاكرة على أيامٍ جمعتنا قبل أن تفرّقنا دروب الحياة.
إن الكتابة عن الراحلين ليست رثاءً بالمعنى التقليدي، بل مقاومة هادئة للنسيان، ومحاولة لإنقاذ ما تبقّى من الضوء في ذاكرة الإنسان. فبعض الأشخاص لا يموتون تمامًا، يواصلون حضورهم في الكلمات التي قالوها، وفي الخير الذي صنعوه، وفي المحبّة التي تركوها وراءَهم.
ومع تقدّم السنوات، أصبحت أكثر اقتناعًا بأن قيمة الصحافي لا تُقاس بعدد المقالات التي نشرها، ولا بالمواقع التي عمل فيها، ولا بالأسماء التي عرفها، وإنما بالأثر الذي تركته كلماته، وبمقدار صدقه مع نفسه ومع قرّائه.
قد تتبدّل المؤسسات، وتتغيّر الصحف، وتختفي منابر كانت يومًا ملء السمع والبصر، لكن الصحافة الحقيقية تبقى في ضمير من آمنوا برسالتها. ذلك أن المهنة التي تسكن الروح لا تنتهي بقرار إداري، ولا تتقاعد حين يتقدّم العمر، ولا تفقد معناها حين يبتعد صاحبها عن الأضواء.
ولست أنكر أن الطريق لم يكن دائمًا سهلًا، فقد عرفت الصحافة بما فيها من متاعب وخيبات، ومن لحظات فرح وانكسار، ومن أصدقاء أوفياء وآخرين باعدت بيننا الظروف. لكنها، بالرغم من كل شيء، منحتني ما هو أثمن من المكاسب العابرة: منحتني القدرة على الإصغاء، ومتعة الاكتشاف، ونعمة التعبير عمّا يختلج في نفوس الآخرين.
ولعلّ ما يؤلمني اليوم أن الكلمة، في زمن السرعة والاستعراض، أصبحت عند البعض سلعة تبحث عن التصفيق، لا رسالة تبحث عن الحقيقة. ومع ذلك، ما زلت مؤمنًا بأن القارئ الواعي قادر على التمييز بين كتابة تولد من التجربة وأخرى تكتفي ببريق العبارة، وبين قلم يحمل همًّا إنسانيًا وآخر يلهث وراء حضور مؤقت.
سأواصل الكتابة ما دامت عيناي قادرتين على القراءة، وذاكرتي قادرة على استحضار الوجوه، وقلبي قادرًا على التأثّر بحكايات الناس.
سأكتب عن الوطن الذي يسكنني، وعن الرقة التي لا تغيب عن روحي، وعن الأصدقاء الذين رحلوا وتركوا فراغًا لا يملؤه أحد، وعن أولئك البسطاء الذين يستحقون أن يجدوا في الصحافة صوتًا يدافع عن كرامتهم.
لا أبحث عن مجد متأخر، ولا عن تصفيق عابر، بل عن طمأنينة الكاتب حين يشعر أنّه لم يَخن كلمته، وأنّه ظلّ وفيًّا لما آمن به، حتى حين تغيّرت الدنيا من حوله.
فالصحافة بالنسبة إليّ ليست صفحات تُطوى، ولا مقالات تُنسى بعد نشرها، بل عمرٌ من اللقاءات والتجارب والذكريات، ونافذة أطلّ منها على الإنسان والحياة.
وحين أسأل نفسي عمّا أبقته السنوات في داخلي، أجد أن أجمل ما بقي هو ذلك الشغف الأول، يوم اكتشفت أن للكلمة قدرة على مواساة قلب، وإنصاف مظلوم، وإحياء ذكرى، وإضاءة زاوية معتمة في حياة إنسان.
سأبقى عاشقًا للكلمة، لأنني لم أتعامل معها يومًا بوصفها حروفًا على الورق، بل نبضًا من روحي، وامتدادًا لذاكرتي، وشهادة حبّ للحياة والناس.


