إيلاف - خاص: صدر حديثًا عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر في بيروت، 2026، كتاب إبراهيم زولي «نيران على الرفوف: حكايات الكتب الممنوعة»، وهو عمل لا يتعامل مع المنع بوصفه واقعة مثيرة تصلح لجذب القارئ إلى قائمة من الكتب المحظورة، بقدر ما يحاول قراءة التاريخ الآخر للكتاب: ماذا يحدث للنص بعد أن يخرج من يد مؤلفه؟ وكيف تتحول الرواية أو القصيدة أو الدراسة الفكرية إلى قضية عامة تتدخل فيها الدولة والمحكمة والمؤسسة الدينية والجمارك والمعرض والناشر، وأحيانًا المجتمع نفسه؟
من هذه الزاوية، يبدو الكتاب أقرب إلى تحقيق ثقافي ممتد منه إلى موسوعة تقليدية عن الرقابة. فزولي لا يكتفي بتسجيل أسماء الأعمال التي لاحقتها المنع، وإنما يتتبع ظروف ولادتها، والأسباب التي جعلتها موضع اشتباه، والجهات التي تدخلت ضدها، ثم المصير الذي آلت إليه بعدما أُغلقت أمامها أبواب وفتحت لها أبواب أخرى.
«ممنوع».. الكلمة التي تصنع قارئها
يبدأ المؤلف من تجربة شخصية تعود إلى سنوات الدراسة، حين كانت الكتب تنتقل بين التلاميذ سرًا، ويصبح مجرد سماع كلمة «ممنوع» سببًا كافيًا للبحث عن الكتاب. لم يكن القارئ الصغير يعرف الجهة التي حظرته أو حقيقة الحظر، لكن المنع نفسه كان يمنح النص هالة ويحوّل الحصول عليه إلى مغامرة. ومن هذه الذاكرة الخاصة ينتقل زولي إلى السؤال الأوسع الذي يقوم عليه الكتاب كله: ماذا نعني حين نقول إن كتابًا ما قد مُنع؟
هذا السؤال ليس تفصيلًا لغويًا. فواحدة من أهم الأفكار التي يلح عليها الكتاب هي أن كلمة «المنع» تعرضت، مع الزمن، إلى قدر كبير من التوسع والاستخدام غير الدقيق. فقد يكون الكتاب محظورًا قانونيًا في بلد، أو تكون نسخة منه قد صودرت في الجمارك، أو يمنع عرضه مؤقتًا في معرض، أو يواجه ناشره قضية قضائية، أو يستبعد من مكتبة مدرسية. هذه الوقائع لا تتساوى، وإن كانت الذاكرة الثقافية كثيرًا ما تضعها جميعًا تحت عنوان واحد.
الكتاب بعد أن يغادر صاحبه
يفترض «نيران على الرفوف» ضمنيًا أن للكتاب حياتين: حياة تبدأ مع الكاتب وتنتهي عند النشر، وحياة ثانية تبدأ حين يدخل النص المجال العام. هناك يصبح القارئ والرقيب والقاضي وموظف الجمارك والناشر أطرافًا في سيرة لم يكتبها المؤلف وحده. ولهذا يتتبع زولي في كل حالة تقريبًا النص من داخله، ثم ينتقل إلى ما جرى له خارجه؛ من لحظة الاعتراض وصولًا إلى المنع أو المحاكمة أو المصادرة وما أعقبها من تداول أو اختفاء أو عودة.
واللافت أن المؤلف لا يمنح الرقابة دور البطولة المطلقة. فالكتاب الضعيف لا يصبح عظيمًا لأنه مُنع، والعمل الكبير ليس في حاجة إلى ختم المصادرة كي تثبت قيمته. لكنه يقرأ المنع بوصفه وثيقة تكشف زمنها: ما الذي كان المجتمع يخشاه؟ ما الحدود التي رسمتها السلطة؟ وما الصورة التي كونتها المؤسسة عن القارئ وما يستطيع أن يراه أو يعرفه؟
خريطة عربية متعددة الأسباب
في الجانب العربي، تتجاور تجارب لا تنتمي إلى بلد واحد ولا إلى جنس أدبي واحد. يتوقف الكتاب عند «القوقعة» لمصطفى خليفة، و«اللايقين» لمحمد الفزاري، و«نقد الخطاب الديني» لنصر حامد أبو زيد، ثم ينتقل إلى أعمال مثل «الحرب القذرة» و«سفينة حنان إلى القمر» و«الحريم السياسي»، ويمر بـ«العشاق» و«تاريخ الكويت» و«الأوزان الباكية» و«كريستال» و«دادا دادا» و«ألف ليلة وليلة».
ولا يبحث زولي عن سبب واحد يجمع هذه الكتب، فبعضها اصطدم بالسياسة، وبعضها بالدين أو الأخلاق أو التصورات الاجتماعية، وبعضها دخل في نزاع حول التاريخ والذاكرة والسلطة. وهنا تتضح إحدى أفكار الكتاب الأساسية: الرقابة ليست جهازًا واحدًا بوجه واحد، بل شبكة من المؤسسات والقوانين والمخاوف والضغوط.
من أورويل إلى «مدار السرطان»
وتتسع الخريطة خارج العالم العربي لتشمل «مزرعة الحيوان» لجورج أورويل، و«أزهار الشر» لبودلير، و«شيفرة دافنشي» لدان براون، و«الإخوة كارامازوف» لدوستويفسكي، و«فهرنهايت 451» لراي برادبري، و«إميل» لجان جاك روسو، و«إله الأشياء الصغيرة» لأرونداتي روي و«مدار السرطان» لهنري ميلر، إلى جانب أعمال لغاليانو ونغوغي وألن غينسبرغ وإيزابيل الليندي وأليكس هيلي.
هذا التنوع يتيح للكتاب أن يضع الرقابة في سياقات متباينة من دون ادعاء أن التجارب متماثلة. فإحراق كتاب يختلف عن منعه في المدرسة، ومحاكمة المؤلف تختلف عن منع التوزيع، والرقابة في مجتمع استعماري لا تعمل بالشروط نفسها في دولة حديثة. لكن السؤال الذي يتكرر يظل واحدًا: من يقرر الحدود التي ينبغي أن تقف عندها القراءة؟
المنع لا ينتهي عند المصادرة
من أكثر جوانب الكتاب إثارة تتبعه لما يمكن تسميته «الحياة اللاحقة» للنصوص. فبعض الكتب اختفى ثم عاد، وبعضها وجد ناشرًا في بلد آخر، وبعضها فتحت المحاكمة أمامه طريقًا إلى شهرة أوسع، بينما دفعت كتب أخرى ثمن المنع سنوات من الغياب أو تعطلت ترجمتها وتوزيعها. ولذلك يرفض زولي الفكرة الرومانسية الشائعة بأن الرقابة تقدم للكتاب دائمًا دعاية مجانية؛ فالمنع قد يصنع الفضول، لكنه يستطيع أيضًا أن يقطع الطريق إلى القارئ.
الرقيب غادر المطبعة.. ولم يغادر المشهد
وينتهي الكتاب تقريبًا عند الحاضر الرقمي، حيث لم تعد الرقابة مرتبطة فقط بالمطبعة والجمارك والرفوف. أصبح في الإمكان سحب ملف من متجر إلكتروني، أو حجب موقع، أو تقييد ظهوره في نتائج البحث، أو إغلاق حساب وملاحقة من يتداول النص. لقد أتاحت التقنية للكتاب طرقًا جديدة للنجاة، لكنها منحت الرقابة في الوقت نفسه أدوات جديدة.
بهذا المعنى، لا يقدم «نيران على الرفوف» تاريخًا للكتب الممنوعة بقدر ما يقدم تاريخًا للعلاقة المضطربة بين النص والسلطة والقارئ. فالكتب التي يتتبعها زولي لا تخبرنا فقط بما كتبه أصحابها؛ إنها تكشف، ربما بصورة أكثر إثارة، ما الذي خافت منه الأزمنة التي قرأتها.


