: آخر تحديث

من أجل الاستقرار

0
1
0

زيارة سلطان عُمان هيثم بن طارق إلى المملكة ولقاؤه ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان في جدة، تأتي في توقيت إقليمي بالغ الحساسية، يجعل من العلاقات السعودية العُمانية أكثر من مجرد علاقة أخوية راسخة، فهي جزء من منظومة أوسع من التحرك السعودي الهادف إلى حماية أمن المنطقة وتعزيز الاستقرار.

فاللقاء الذي تناول العلاقات الثنائية وسبل تطوير التعاون، إلى جانب تطورات الأوضاع في المنطقة والجهود المبذولة للحفاظ على أمنها واستقرارها، يعكس طبيعة السياسة السعودية التي تقوم على الحوار والتنسيق وبناء الشراكات، لا على إدارة الأزمات بعد وقوعها.

ومن هنا يمكن النظر إلى هذه الزيارة في سياق السياسة الخارجية السعودية التي تتعامل مع الأمن الإقليمي باعتباره مسؤولية مشتركة، وتدرك أن استقرار الخليج لا يمكن فصله عن استقرار محيطه، وأن حماية المصالح الوطنية تقتضي توسيع دوائر التفاهم والتعاون مع الدول الشقيقة والصديقة.

وفي هذا السياق تأتي «اتفاقية مكة للدفاع المشترك» التي وقعتها المملكة وتركيا وباكستان باعتبارها نموذجًا آخر لهذا التوجه، وإن كانت سلطنة عُمان ليست طرفًا فيها. فالجامع بين الزيارة والاتفاقية ليس إطارًا مؤسسيًا واحدًا، وإنما الرؤية التي تقف خلفهما: بناء شبكة من العلاقات والشراكات القادرة على التعامل مع التحديات الأمنية والسياسية والاقتصادية المتغيرة.

وتتميز السياسة السعودية في هذا الجانب بقدرتها على الجمع بين مسارين متوازيين؛ مسار الحوار والدبلوماسية والتهدئة، ومسار تعزيز القدرات والشراكات التي تحمي الأمن والمصالح. وهذا التوازن يمنح المملكة مساحة أوسع للتحرك، ويجعل علاقاتها الإقليمية والدولية قائمة على المصالح المشتركة والاحترام المتبادل.

وعلاقة المملكة بسلطنة عُمان تحديدًا تحمل خصوصية إضافية، فالجوار الخليجي والتاريخ المشترك والتقارب بين القيادتين يفتحان مجالات واسعة للتعاون، من الاقتصاد والاستثمار والتجارة إلى التنسيق السياسي والأمني، وهو ما يجعل استمرار اللقاءات والزيارات بين قيادتي البلدين عنصرًا مهمًا في تعزيز الاستقرار الخليجي.

المملكة لا تبني سياستها الخارجية على التحالفات وحدها، ولا على الدبلوماسية وحدها، وإنما تتحرك وفق رؤية تجمع بين الاثنين؛ الحوار عندما يكون الحوار قادرًا على تحقيق النتائج، والشراكة عندما تتطلب المصالح المشتركة ذلك، والقدرة على حماية الأمن الوطني والإقليمي عندما تفرض الظروف ذلك.

ومن هذه الزاوية تبدو زيارة سلطان عُمان إلى المملكة امتدادًا طبيعيًا لدور الرياض في محيطها الخليجي والإقليمي، ورسالة تؤكد أن المملكة ستواصل بناء علاقاتها على قاعدة التفاهم والتعاون، وفي الوقت نفسه ستواصل تطوير شراكاتها التي تعزز أمنها وأمن المنطقة.

ففي عالم تتغير فيه موازين القوى بسرعة، لم تعد قوة الدولة تقاس فقط بما تملكه من إمكانات، وإنما أيضًا بقدرتها على بناء علاقات متوازنة وشراكات فاعلة. وهذا ما تسعى المملكة إلى ترسيخه في سياستها الخارجية: دبلوماسية تقود إلى التهدئة، وشراكات تعزز الأمن، ومصالح مشتركة تصنع الاستقرار.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد