: آخر تحديث

إصلاحات منتظرة للسوق المالية 3 - 1

2
1
1

أثار تعيين معالي الأستاذ مازن بن تركي السديري رئيساً لمجلس هيئة السوق المالية موجة واسعة من التفاؤل وكذلك من التطلعات إلى مرحلة جديدة من تطوير السوق وإصلاح منظومتها. غير أن جانباً كبيراً من التفاعل مع القرار انحصر في تقييمه من زاوية ضيقة جدًا؛ وهي أداء سوق الأسهم، استناداً إلى حركة المؤشر العام ومستويات السيولة ونتائج الشركات المدرجة.

ويكشف هذا التركيز عن اختزال مفهوم السوق المالية بمفهومها الواسع والشامل، برحابة نطاقه وتعدد مكوناته، في سوق الأسهم وحدها. ورغم أهمية سوق الأسهم، إلا أن السوق المالية تمثل منظومة متكاملة تمتد لتشمل الصكوك وأدوات الدين، والصناديق الاستثمارية وإدارة الأصول، والمشتقات المالية، ورأس المال الجريء والملكية الخاصة، والتقنيات المالية، إلى جانب الأطر التنظيمية والتشريعية التي تعزّز من كفاءة التمويل، وترسّخ عدالة السوق وشفافيتها، وتحمي المستثمرين.

ومع ذلك، يمكن تفهّم هذا التركيز في ضوء اتساع قاعدة المشاركين في سوق الأسهم وارتباط مصالحهم المباشرة بأدائه؛ إذ بلغ عدد المستثمرين الأفراد نحو 7.28 مليون مستثمر بنهاية الربع الأول من عام 2026، يمتلكون قرابة 14.86 مليون محفظة استثمارية. وفي ظل هذا الانتشار الواسع، من الطبيعي جدًا أن تستحوذ تحركات الأسهم على النصيب الأكبر من اهتمام الرأي العام، وبالذات وأن شريحة واسعة من المستثمرين، وبخاصة الأفراد، قد تكبّدت خسائر طالت أموالها ومدخراتها، نتيجة لتراجع أداء بعض الاكتتابات العامة الأولية منذ إدراجها بوقتٍ قصير جدًا، أو بفعل التقلبات التي شهدتها شاشات التداول في المؤشر العام وأسعار الأسهم ومستويات السيولة.

وقد تزامن تعيين مازن السديري مع تحسن واضح في معنويات السوق؛ فمن إغلاق جلسة 13 أغسطس 2026 وحتى جلسة 26 أغسطس، إذ ارتفع مؤشر «تاسي» بنحو 436.3 نقطة، أو 4.03%، ليصل إلى 11,259.90 نقطة، فيما زادت قيمة التداولات من 4.4 إلى 5.7 مليارات ريال.

ويعكس هذا التفاعل ارتفاع سقف التوقعات والتطلعات باتجاه معالجة أوجه الضعف التي شابت أداء السوق خلال الفترة الماضية، وتعزيز الشفافية في بعض الطروحات، ومراجعة المبالغة في علاوات الإصدار، وكما أشرت خصوصاً بعد التراجع الحاد في أسعار عدد من الشركات عقب إدراجها، وما ترتب عليه من خسائر أفضت إلى تآكل جزء من أموال المستثمرين ومدخراتهم، ولا سيما الأفراد. ومع ذلك، ليس من المنطق المالي ولا الاستثماري إرجاع تحسّن المؤشر ومستويات السيولة إلى قرار التعيين وحده، في ظل تعدد العوامل الاقتصادية والسوقية والنفسية المؤثرة في حركة السوق وأدائها. ولكن لا يلغي ذلك في نفس الوقت هذا التفاؤل أهمية الإصلاحات المرتقبة، بل ربما يكشف عن حجم التفاؤل والتطلعات إليها، سيما مع تولي قيادة شابة صقلتها تجربة طويلة في السوق، نظرياً وعملياً. فقد عايش السديري السوق من خلال مناصبه المهنية السابقة في مجالات أبحاث الأسهم والاستثمار، وتعامل مع الشركات والقطاعات والتقييمات وتحولات السيولة، إلى جانب ما عُرف عنه من تحليلات معمقة لأداء السوق والاقتصاد. وتمنحه هذه الخبرة معرفة مباشرة بطبيعة المشكلات التي يواجهها المستثمرون، وبالفجوة التي قد تنشأ أحياناً بين التنظيم من جهة، والواقع العملي للتداول والاستثمار من جهة أخرى.

ومن هنا تبرز أهمية الإصلاحات المرجوة في سوق الأسهم، ولا سيما في مواجهة التحدي الأكثر حضوراً لدى شريحة واسعة من المستثمرين، وبالذات المستثمرين الأفراد، والمتمثل في استعادة الثقة بكفاءة السوق وعدالة التعاملات وقدرته على إيجاد فرص استثمارية تستند إلى الأداء والقيمة والنمو المستدام، لا إلى المضاربات قصيرة الأجل وحدها. فالتحدي لا يقتصر على رفع المؤشر أو زيادة السيولة بصورة مؤقتة، وإنما يمتد إلى تحسين جودة السوق، والحد من التشوهات، وتعزيز قدرة المستثمر على اتخاذ قراراته بناءً على معلومات واضحة وعادلة وفي الوقت المناسب.

غير أن الإصلاح المنشود لا ينبغي أن يتوقف عند سوق الأسهم، فالسوق المالية أوسع من ذلك، وتشمل أدوات الدين وإدارة الأصول والصناديق والمشتقات ورأس المال الجريء. وتعميق هذه المكونات ضروري لتعزيز دور السوق في تمويل الاقتصاد وتحويل المدخرات إلى استثمارات منتجة.

وعليه، فإن نجاح المرحلة الجديدة لن يُقاس فقط بعدد النقاط التي يضيفها المؤشر، بل بقدرة الإصلاحات على بناء سوق مالية أكثر عمقاً وتنوعاً وكفاءة وشفافية، وتوسيع قاعدة المستثمرين، وزيادة مساهمة السوق في تمويل الشركات والمشروعات التنموية العملاقة ودعم النمو الاقتصادي. ورغم أن سوق الأسهم يبقى مكوناً رئيساً في هذه المنظومة ومرآة سريعة لتوقعات المستثمرين، لكنه ليس المكوّن الوحيد الذي ينبغي أن تُقاس من خلاله نتائج الإصلاح أو أداء هيئة السوق المالية.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد