(1) ما جدوى تدريس الفلسفة محليًا؟
كثيرًا ما تُقدَّم الفلسفة في خطابنا الثقافي باعتبارها طريقًا شبه مضمون إلى النهضة في مختلف المجالات، وكأن إدخالها إلى المناهج أو توسيع حضورها في الجامعات كفيل بجعل الناس أكثر استقلالًا في تفكيرهم، وأكثر احترامًا لحرية الآخرين. غير أن هذه الصورة غير دقيقة، فقد دُرِّست الفلسفة منذ عقود في دول كثيرة، في المدارس والجامعات، من دون أن يقود ذلك وحده إلى نهضة اجتماعية أو علمية أو اقتصادية. وليس في ذلك ما يدين الفلسفة، فالخطأ في التعويل على تدريسها وحده لتحقيق تقدم تحكمه عوامل متعددة، منها جودة التعليم، وكفاءة المؤسسات، والظروف الاقتصادية والسياسية. وإذا لم ينعكس تدريسها على الحياة الثقافية وعمل المؤسسات، ظلت مساهمتها في التقدم محدودة.
وفي السعودية، بدأ الاهتمام بتدريس الموضوعات المتصلة بالفلسفة في التعليم العام خلال السنوات الأخيرة، مع إدراج مقرر "التفكير الناقد" في الصف الثالث المتوسط والأول الثانوي. وتوجد في الجامعات مقررات تتصل بالمنطق وفلسفة العلوم ومناهج البحث والفكر السياسي، موزعة بين تخصصات متعددة. وهذا الحضور خطوة مهمة، لكنه لا يعادل دراسة أكاديمية متكاملة للفلسفة، فالتفكير الناقد مهارة عقلية تُستخدم في مختلف مجالات المعرفة، أما الفلسفة فهي مجال معرفي له مباحثه ومناهجه وتاريخه، على أمل أن تشهد الجامعات مستقبلًا أقسامًا مستقلة للفلسفة.
وتظل قيمة هذه المقررات، وما قد يتبعها من إنشاء أقسام جامعية مستقلة للفلسفة، مرتبطة بطريقة التدريس وتأهيل القائمين عليه، فقد يُختزل التعليم الفلسفي في الوعظ واستظهار الأقوال، بدلاً من تدريب الطلاب على فحص الأفكار وتحليل الحجج وبناء مواقف قابلة للنقاش والمراجعة. وإذا أُحسن تدريسها على أيدي من اختيروا بعناية وأُهّلوا لهذه المهمة، ومُنحوا الثقة ومساحة من الحرية، أمكن أن يمتد أثرها خارج الصف إلى تنشيط الوسط الثقافي، ورفع مستوى النقاش والحوار، وتعزيز التفكير النقدي في المجتمع ومؤسسات الدولة. وعندها تصبح الفلسفة جزءًا من حيوية فكرية أوسع، ولا تبقى مجرد مادة تضاف إلى المناهج والتخصصات الجامعية.
(2) من الفيلسوف؟
أما الوقفة الثانية فتتعلق بمن يشتغل بالفلسفة. فلماذا يثير وصف دارس الفلسفة لنفسه بأنه "فيلسوف" حساسية عند بعض المثقفين؟
يظهر التناقض عند بعض المثقفين الذين يقبلون تسمية خريج الطب طبيبًا، وخريج الهندسة مهندسًا، لكنهم يتحفظون على تسمية خريج الفلسفة فيلسوفًا. فالطبيب لا يُشترط أن يكتشف علاجًا جديدًا ليستحق مسماه المهني، ولا المهندس أن يقدم اختراعًا أو ابتكارًا، ففي الطب والهندسة يُفرَّق بين التأهيل العلمي والإنجاز الإبداعي. فمنهم من يكتفي بحفظ ما تعلمه، ومنهم من يفهمه ويطبقه بكفاءة، ومنهم من يبدع ويضيف إلى تخصصه، ومع ذلك يحتفظ الجميع بمسمياتهم المهنية، ولا أرى مبررًا لتغيير هذا المعيار عند الحديث عن الفلسفة.
أما القيمة الفكرية، فلا تحددها الشهادة أو المسمى، فقد يحمل الإنسان شهادة في الفلسفة دون أن يتجاوز حدود المعرفة التي تلقاها، وقد يمارس آخر التفكير الفلسفي دون أن يدرسها أكاديميًا، بينما يذهب ثالث إلى إنتاج مفاهيم أو نظريات جديدة تثري الفكر الفلسفي. وهذه الفروق تكشف أن الشهادة ليست ضمانًا للقدرة على التفلسف، كما أن غيابها لا يمنع الإنسان من ممارسة التفكير الفلسفي. أما الإبداع فيظل مرتبطًا بما يقدمه الفرد من أفكار أصيلة تتجاوز ما تعلمه من الآخرين.
ولا تُقاس قيمة الإبداع الفلسفي بمجرد جدة الفكرة، فقد يعيد أحدهم تقديم رأي قديم بلغة مختلفة فيبدو مبتكرًا، وقد يطرح آخر تصورًا غير مسبوق لكنه يعجز عن تقديم حجة مقنعة تسنده. وتظهر قيمته في قدرته على معالجة مشكلات فلسفية قائمة، أو تقديم تصورات تفتح مجالات جديدة للفهم والبحث. وربما يستغرق تقدير هذه الإضافات سنوات طويلة، فبعض الأفكار لا تتضح أهميتها إلا بعد أن تصبح موضع دراسة ونقاش، وبعضها يلقى رواجًا واسعًا ثم يتراجع قبولها مع الزمن، دون أن يعني ذلك بالضرورة فقدان قيمتها الفلسفية.
(3) ما وظيفة الفلسفة لدى المشتغلين بها؟
السؤال هنا لا يتعلق بوظيفة الفلسفة نظريًا، بل بكيفية حضورها لدى المشتغلين بها في الوسط الثقافي المحلي. فالملاحظ أن بعضهم ينصرف إلى عرض المذاهب، واستدعاء أسماء الفلاسفة، وشرح مقولاتهم ونظرياتهم، بينما لا يتضح موقفه من القضايا التي يتناولها. فهل أصبحت الفلسفة لديه معرفة يعرضها، أم أداة للتفكير وتكوين المواقف؟
عندما تُستدعى أسماء كانط وهيغل ونيتشه وهايدغر وغيرهم لإظهار سعة الاطلاع، يمكن أن يصبح الحديث الفلسفي أقرب إلى الاستعراض منه إلى التفكير. قد يحفظ المرء عشرات المقولات عن الحرية ولا يملك موقفًا واضحًا منها، ويتحدث عن العقل النقدي ثم يصبح شديد الحساسية تجاه نقد الأفكار التي يتبناها. وعندها تبقى الفلسفة في حدود المعرفة المحفوظة، دون أن يظهر أثرها في استقلال تفكير صاحبها أو تقبّله للنقد.
والاطلاع على تاريخ الفلسفة ضرورة، لكنه يظل بداية للتفكير لا بديلًا عنه. وتظهر قيمته حين يساعد صاحبه على تكوين موقف يستطيع الدفاع عنه ومراجعته أمام حجة أقوى. فالفلسفة ليست ذاكرة لأقوال الفلاسفة بقدر ما هي تفكير في قضايا الوجود والمعرفة والقيم، ومنها الأسئلة التي تمس حياتنا المشتركة.
فما حدود الحرية التي نقبلها لأنفسنا وللآخرين؟ وما موقفنا من القضايا السياسية الدولية والإقليمية؟ وكيف نفهم حرية المعتقد وحدود علاقتها بالمجال العام؟ وكيف ننظر إلى قضايا المرأة بعيدًا عن الشعارات والاستقطابات الأيديولوجية؟
ولا يعني طرح هذه الأسئلة أن المشتغل بالفلسفة مطالب بإبداء رأيه في كل شأن، فليس أحد مطالبًا بالإحاطة بكل مجال. لكن من يجعل الحرية أو السياسة أو قضايا المرأة أو المعتقد موضوعًا لحديثه، وينقل فيه آراء الفلاسفة ونظرياتهم، يُنتظر منه أن يتجاوز النقل إلى بيان موقفه والحجة التي يستند إليها. وإلا بقي ناقلًا للفلسفة أكثر منه ممارسًا لها.
(4) هل حل العلم مكان الفلسفة؟
تناولت الفلسفة عبر تاريخها قضايا الوجود والمعرفة والأخلاق والطبيعة والنفس الإنسانية، قبل أن تتولى علوم متخصصة تدريجيًا دراسة كثير من الظواهر الطبيعية والعمليات النفسية التي شغلت الفلاسفة. ولم يعد تفسير حركة الكواكب أو وظائف الدماغ شأنًا يُحسم بالتأمل الفلسفي، بعدما أصبحت الملاحظة والتجربة تقدمان إجابات أكثر دقة.
ويختلف العلم عن الفلسفة في طبيعة الأسئلة التي يعالجها ومنهج الإجابة عنها. فالعلم يدرس الظواهر بالملاحظة والتجربة، ويسعى إلى تفسير أسبابها والتنبؤ بها. أما الفلسفة فتفحص المفاهيم والافتراضات التي يقوم عليها فهمنا للعالم، وتبحث في حدود المعرفة والقضايا الأخلاقية. فقد يبيّن العلم نتائج تقنية معينة، لكن الحكم على مشروعية استخدامها يحتاج أيضًا إلى تفكير أخلاقي. كما أن الاكتشافات العلمية تثير أسئلة فلسفية جديدة عن الوعي والذكاء الاصطناعي وحدود التدخل في الطبيعة البشرية.
وبلغ نقد بعض العلماء للفلسفة حدَّ إعلان موتها، بحجة أنها لم تواكب التقدم العلمي. وفي هذا النقد جانب يستحق التأمل، فالفلسفة التي تتجاهل ما أثبته العلم، وتواصل مناقشة قضايا الطبيعة بمعزل عن نتائجه، تخاطر بفقدان قيمتها المعرفية.
أما مستقبل الفلسفة، فيرتبط بقدرتها على التطور والإفادة من العلوم الحديثة، وإنتاج أفكار ومفاهيم تساعد الإنسان على فهم عالمه المتغير. فكلما تقدم العلم، تغيرت الأسئلة التي تواجه الفلسفة، دون أن يعني ذلك بالضرورة اقتراب نهايتها.


