إيلاف من أصيلة : ارتأت مؤسسة منتدى أصيلة أن تضع أمام ضيوفها من الشعراء والنقاد والصحافيين، المشاركين في فعاليات موسم أصيلة الثقافي الدولي ال47 في دورته الخريفية، سؤال "الشعراء الجدد في العالم العربي والشعريات المتحولة"، في علاقته بإنتاج أشكال تعبيرية متعددة ووسائط مختلفة، تكون مدخلا لإمعان النظر في طبيعة التبدلات التي همت صورة الشاعر اليوم، من صاحب "الوعي الجمالي" المنعزل، إلى المنتج الأدبي الحاضر بانتظام في الفضاء الافتراضي، يُعلّق، ويُجادل، ويكتب، ويتفاعل، ضمن واقع يطرح أسئلة مستجدة تتعلّق بالذاتية، وبالاستعراض، وبحدود الشعري وغير الشعري.

وانطلق المشاركون في الندوة التي أخذت عنوان "الشعراء الجدد في العالم العربي والشعريات المتحوِّلة: من تعدّد الأشكال إلى تداخل الوسائط"، من أرضية ترى أن المشهد الشعري العربي يعرف، منذ مطلع الألفية الثالثة، تحوّلات عميقة لم تعد تقتصر على تجديد الأشكال أو كسر القوالب العروضية، بل امتدت إلى إعادة تعريف مفهوم الشاعر نفسه، ووظيفة الشعر، وطرائق تلقيه وتداوله؛ فيما أفرزت التحوّلات الأدبية، والفكرية، والسياسية، والرقمية، أجيالا شعرية جديدة لا يمكن مقاربتها بالمعايير نفسهاالتي حكمت تجارب الروّاد أو حتى جيل السبعينيات والثمانينيات.
وأوضحت الأرضية أن أولى سمات هذه الشعريات المتحوّلة انهيار منطق القطيعة الصارمة الذي ميّز الخطاب النقدي لعقود، إذ لم يعد الشاعر الجديد يشعر بأنه مطالب بالاصطفاف في معسكر شكليٍّ محدد: إمّا عمودي أو تفعيلة أو نثر. أما التحوّل الثاني، فيرتبط بتلاشي الحدود التقليدية بين الفصيح والعامي؛ بعد ان خرجت العامية، في العقود الأخيرة، من موقعها الهامشي أو الشفهي، لتصبح خيارا شعريا واعيا، لا يقل طموحا جماليا عن الفصحى. بينما يتمثل التحوّل الثالث، ربما، الأعمق أثرا، في تغيّر وسائط النشر والتلقي، بعد أن لم تعد وسائط التواصل الاجتماعي مجرّد منصّات ترويج، بل صارت فضاءً شعريا قائما بذاته، له قوانينه وإيقاعه وجمهوره؛ بينما أتاح النشر الرقمي للشاعر الجديد تجاوز مؤسسات الوساطة التقليدية (الناشر، المجلة، الجائزة)، والوصول المباشر إلى القارئ؛ غير أن هذاالتحوّل لم يكن بلا ثمن؛ إذ أدّى، في كثير من الحالات، إلى ابتذال القصيدة، واختزالها في مقاطع قصيرة، قابلة للمشاركة السريعة.

شرف الدين ماجدولين: الشعر في موسم أصيلة
قال شرف الدين ماجدولين، الناقد وأستاذ التعليم العالي بالمعهد الوطني للفنون الجميلة بتطوان ومنسق الندوة، في كلمته التقديمية، إن الشعر في موسم أصيلة، كان حاضرا في لحظة التأسيس، أواخر سبعينيات القرن الماضي مع أدونيس ومحمود درويش وأحمد عبد المعطي حجازي وعبد الوهاب البياتي وبلندالحيدري، وغيرهم.
وأضاف ماجدولين أن البدايات كانت مؤسسة شعريا وتشكيليا، ولكن اللحظة الفارقة كانت حينما اقترح الراحل محمد بن عيسى أن يتم تخصيص جائزتين للشعر: جائزة تشيكايا أوتامسي للشعر الإفريقي، وجائزة بلند الحيدري للشعراء العرب الشباب.

حاتم البطيوي: رد الاعتبار للقول الشعري
تحدث حاتم البطيوي، الأمين العام لمؤسسة منتدى أصيلة، عن التراكم التي حققه موسم أصيلة على صعيد اهتمامه بالممارسة الشعرية وطرحه لأهم أسئلة المنجز الشعري، طارحا للنقاش قضايا الحداثة والتلقي والتجريب وقصيدة النثر. وتساءل: "ما جدوى كل ذلك، وإلى أي نتيجة قد يفضي هذا الإصرار على أن يكون للشعر العربي حلقة في موسم أصيلة، في لحظة تباعدت فيها بشكل رهيب الهوة
ما بين الشاعر وجمهوره؟ هل هو فقط محاولة لإقناع الذات أنه ما زال للتعبير الشعري السلطة والمكانة القديمتان، أم هو سعي إلى تكريم مكون رئيسي من مكونات الحداثة الأدبية العربية؟".
وأجاب: "أعتقد أن هذا المعنى الأخير هو الأقرب للتصديق الآن. إننا نسعى للاحتفاء بكيان الشاعر، ومن ثم إلى رد الاعتبار للقول الشعري".

منصف الوهايبي: الشعر والعربية.. وأزمة التسميات
ارتجل الناقد والشاعر والأكاديمي التونسي منصف الوهايبي كلمة استعرض فيها تطور الممارسة الشعرية العربية، مشيرا إلى أن الشعر هو أم العربية، لأن لغات العرب كانت متقاربة / متباعدة، وجاء الشعر ليوحدها؛ لذلك ولأسباب أخرى تتصل ببنيتها الصوتية، تكاد العربية تكون لغة شاعرة.
وتوقف الوهايبي عند التحولات الكبرى التي بدأت في العصر الحديث، وتحديدا خلال الثلث الأول من القرن العشرين، مع شعراء المهجر، بعد أن أخذت الآداب العربية تبرح مداراتها المألوفة وتتأثر وتتطعم بما وفد إليها من المؤثرات الأجنبية.
وتحدث الوهايبي عن قصيدة النثر، وقال إن المصطلح غير دقيق وأنه يفضل "القصيدة – النثر"، مشددا على أن من يعود إلى قراءة المرحلة يتبين له أنه الشكل الذي ظهر منذ 1906 مع أمين الريحاني، ثم لاحقا مع العراقي روفائيل بطي والتونسي زين العابدين السنوسي. كما استحضر مصطلح "القصيدة العمودية"، وقال إنه يفضل تسمية "قصيدة البيت".
فاضل السلطاني: الأدب الرقمي واستسهال الشعر
تحدث فاضل السلطاني، الشاعر العراقي ومسؤول القسم الثقافي بجريدة "الشرق الأوسط" اللندنية، عن الأدب الرقمي، من حيث تعريفه وتحديده، مشيرا إلى أن الأمر يتعلق بنص هجين يأخذ من كل الفنون، معتمدا الكولاج والموسيقى والفن التشكيلي والنحت وغيرها، مشيرا إلى أن مثل هذا الأدب غير موجود لدينا، مع إشارته إلى بعض المحاولات القليلة، في الرواية والشعر، مشددا على أن التجربة ظلت، حتى في البلدان المتطورة،محصورة في نطاق ضيق جدا ولم تنتشر جماهيريا أو تكون جزء من المشهد الأدبي المحلي.
وانتقد السلطاني ما ينشر تحت مسمى قصيدة النثر، مشددا على أن كم السهولة والاستسهال في معظم هذه القصائد مرعب، ولا يمكن السيطرة عليه. وأضاف: صحيح أن كل شيء يغربل مع الزمن، لكن من يغربل؟
مراد القادري: راهن الشعر العربي وتشظي صورة الشاعر
انطلق مراد القادري، الشاعر ورئيس بيت الشعر بالمغرب، من حالة الشعرية المغربية لتشخيص واقع التحولات التي مست الشعر العربي، وخاصة واقع منتجيه من الشعراء الجدد ونزوعهم نحو استثمار تعدد الأشكال في ممارستهم النصية وإقبالهم على توظيف الوسائط الرقمية في تأمين حضورهم الثقافي والشعري.
وتناول القادري الشاعر المغربي عادل لطفي نموذجا، مشيرا إلى أن تجربته تندرج ضمن حالة الشعراء الجدد، على امتداد الوطن العربي، الذين لم يعودوا مرهونين بالمواقف والأحكام الإيديولوجية التي كانت سائدة من قبل في الحقل الشعري والثقافي العربي، لينتهي التصنيف اعتماد على لغة الكتابة الشعرية أو شكل التعبير عنها وينهدم مفهوم التحقيب الجيلي الذي كان يقوم على تقارب أعمار الشعراء وتنفسهم لمناخ اجتماعي وسياسي وثقافي مشترك، واصطفاف تجاربهم الشعرية وفق مواصفات فنية أو إيديولوجية أو شكلية متجانسة تحكم التجربة وتمنحها انتماء لمدار شعري متعدد، لتصير الغلبة لمفهوم جديد، هو مفهوم الحساسية الشعرية التي باتت قادرة على احتضان تجارب متنوعة آتية من خلفيات فرية ولغوية متباينة ومتنوعة.
واستعرض القادري ثلاث خلاصات في هذا الصدد، أولها انطواء عدد من التجارب تحت خانة تجاوز الحدود والقوالب الكلاسيكية نحو مزاوجة جريئة بين أشكال تعبيرية متعددة، تضعنا أمام تجربة حداثية أو ما بعد حداثية تسعى لإعادة كتابة المشهد الشعري بروح مركبة. وثانيها التفاعل اللساني بين الفصيح والعامي. وثالثها تشظي المشهد الشعري علامة على تشظي أكبر طال مجالات أخرى. واستعرض القادري ملمحين لهذا التشظي: تشظي صورة الشاعر واهتزاز مكانته، وتشظي المؤسسة الثقافية، إما بتراجعها أو إفلاسها.

عادل ضرغام: تجاور وتجاوب وتفاوض الأشكال الشعرية
توقف عادل ضرغام، الأكاديمي والناقد الأدبي المصري، عند التحولات التي يشهدها الشعر العربي، وتساءل هل تحْدُث كما يحدث في الشعر العالمي أم أن هناك أسبابا تجعل هذا التحول عالقا أو شيء من عدم التحقق في شكله الأخير والنهائي.
ورأى ضرغام أن هناك أسبابا عديدة تجعل هذا التحول مثار جدل وشك، أولها أن الشعر العربي ليس قائما على فكرة أن هناك شكلا يعكس ما ينتهي عليه الشكل الذي قبله.
وأضاف ضرغام أن الشعرية العربية قائمة على فكرة التجاور والتجاوب والتفاوض مع الاتجاهات القديمة، وهذا التفاوض غالبا، له تأثير بالسلب على الشكل الجديد.
اللاذقاني: الشعر الجاهلي أكثر حداثة من الشعر الراهن
انطلق محي الدين اللاذقاني، الناقد والكاتب السوري، من تعبير "مخالفة المألوف"، مشيرا إلى أن المألوف هو تاريخ نقدي حديث فيه عشرات الأخطاء، بل فيه أحيانا "ما يشبه الجرائم"، التي سكتنا عنها جميعا دهرا ورضينا ببعض المقولات التي تكررت، قبل أن ينتفض جيل جديد على تلك المقولات.
وشدد اللاذقاني على أنه لا يحب شعر المرحلة، مشيرا إلى أنه لم يجد في ما يتابعه، روح الشعراء الكبار الذين مروا علينا. وقال إنه يجد فيه الكثير من النصوص التي لا ترقى لأن تكون شعرا، مشيرا إلى أن الشعر هو شقيق الموسيقى وأختُهما الفلسفة. والشعر الذي لا تجد فيه عمقا ولا موسيقى ولا قدرة على التصوير لا يمكن أن تسميه شعرا.
وقال اللاذقاني إن أكثر الأخطاء عندنا كانت في أواخر أربعينيات القرن الماضي مع ما سمي بجيل الرواد العراقيين، مشددا على أن الخروج عن التفعيلة حصل منذ العصر الجاهلي الثاني، ذاكرا في هذا الصدد كلا من أبي نواس وأبي العتاهية. كما تحدث عن شكل قصيدة النثر، وقال إن تجمع شعر "ورطتنا فيه"، مشددا على أن هذا التجمع ارتكب "جريمة" بحق التراث العربي.
ورأى اللاذقاني أن الشعر الجاهلي أكثر حداثة من الشعر الذي نقرأه هذه الأيام، ونسميه حديثا مع أنه ليس فيه الكثير من الحداثة.
وخلص اللاذقاني إلى أن الذائقة العربية خلال الجيلين الأخيرين لم تعد تعرف أين هو الشعر الحقيقي، مشددا على أنه لا يجد من يكتب قصيدة النثر بالطريقة التي كتبها بها محمد الماغوط.
قراءات شعرية: شاعران وشاعرة
خلال جلسة القراءات الشعرية التي سيرها محيي الذين اللاذقاني، والتي تلت ندوة "الشعراء الجدد في العالم العربي والشعريات المتحوِّلة: من تعدّد الأشكال إلى تداخل الوسائط"، كان موعد الجمهور مع قراءات شعرية تناوب على إلقائها ثلاثة شعراء هم : فيوليت أبو الجلد من لبنان، وصلاح الوديع ومراد القادري من المغرب.



