إيلاف من أصيلة : الحديث بحب وتقدير عن حسونة المصباحي المثقف والروائي والفنان، وأيضا "حسونة المغربي"، الذي "أحب المغرب بقلب خالص" كان حاضرا، أخيرا ، في شهادات مختلف المشاركين في ندوة "حسونة المصباحي، سفر في التعابير والأمكنة"، التي نظمتها مؤسسة منتدى أصيلة، في إطار فعاليات موسم أصيلة الثقافي ال47، في دورته الخريفية، التي اختتمت اخيرا .
وشدد المنظمون على أن المؤسسة، حين ارتأت أن تستحضر تجربة المصباحي، في ندوة نقدية تستعيد منجزه وروحه الفذة، فليس فقط لأنه أحد أصدقاء مدينة أصيلة الكبار، والأديب الذي جمعته برائد المنتدى محمد بن عيسى أواصر تقدير وإعجاب، بل أساسا لما يمثله من قيمة إبداعية في الأدب العربي المعاصر؛ هوالروائي والقاص والناقد والمترجم والصحفي المتعدد المواهب.

ماجدولين: له مساره الخاص وصوته المتفرد
قال شرف الدين ماجدولين، الناقد وأستاذ التعليم العالي بالمعهد الوطني للفنون الجميلة بتطوان ومنسق الندوة، في كلمته التقديمية، إن الأمر يتعلق بتحية وفاء وامتنان للحظات المتواصلة التي جمعت المصباحي بالمدينة والبلد.
وأضاف أن المصباحي، الروائي والناقد والمترجم والصحفي والمؤرخ بمعنى ما، كان يكتب ضمن خريطة الرواية العربية، لكن كان له مساره الخاص وصوته المتفرد، وخصوصيته التي نبعت من طبيعة لغته وتفكيره وصلته بالعالم والناس.
وأوضح أنه حين يقول إن المصباحي كان مؤرخا بمعنى ما، فلأنه كان يتحدث في عدد من نصوصه عن وقائع حقيقية، وشخوص واقعيين كان يتحدث عنهم وفي ذهنه أن يؤصل لأسئلة لها بعد تخييلي.
وأضاف أن المصباحي حين كان يترجم نصوصا، كان يفكر في أن الانتماء إلى عالم الأدب والفكر لا يخص الألقاب الأكاديمية، ولهذا كان دائما متحفظا، وأحيانا شديد الضيق بتلك الألقاب التي كان يرى أنها ضيعت شيئا مهما في علاقة الناس بالأدب والثقافة.

البطيوي: خدم الثقافة العربية وساهم في ترسيخ التقارب بين الشرق والغرب
قال حاتم البطيوي، أمين عام مؤسسة أصيلة، إنه حين جرى التفكير في تخصيص ندوة استعادية لأعمال وتجربة المصباحي فليس فقط لروابط الصداقة التي جمعتهم به وجمعته بالمغرب، بل أيضا لما اشتملت عليه الروايات النوعية التي راكمها، من رؤى جمالية وإنسانية فارقة في مسار الرواية العربية، سواء بتناوله لموضوعات كبرى، طالما شغلت الإبداع الروائي، من قبيل العنف والاضطهاد والتشوق الدائم إلى الحرية، أو بالنظر إلى انغراس تلك الأعمال في تربتها المحلية، وعكسها لهموم المجتمع التونسي.
وغني عن البيان، يضيف البطيوي، ما تنطوي عليه هذه التجربة من رصيد جمالي وموضوعي جديد في الرواية العربية، بالنظر إلى تعبيره الواضح عن انجلاء الوهم في عالم عربي تحول من حلم الوحدة إلى التشظي، ومن تطلعات الحداثة إلى نوازع المحافظة، وهي كلها موضوعات وجدت لها في خصوبة الأشكال السردية المنتقاة في أعماله، ووجهات النظر التخييلية المقترحة من قبله، المبنى البليغ والمقنع، بما أسهم في انتشار إبداعه الروائي، وأهل بعض أعماله للترجمة للغات أجنبية.
وشدد البطيوي على أن الشيء الأكيد أن أعمال المصباحي بقيمتها الفنية والفكرية، خدمت الثقافة العربية، وساهمت في ترسيخ التقارب بين الشرق والغرب هو الذي أقام بين منافيه طويلا، والتخفيف من غلواء الالتباس الفكري والإنساني المتراكم لسنوات طويلة بين العالمين؛ وهي الغايات البعيدة التي من أجلها أنشأت مؤسسة منتدى أصيلة "جائزة محمد زفزاف للرواية العربية" التي حصل عليها الراحل في دورتها السادسة سنة 2016.

بورقيبة وميونيخ في حياة حسونة المصباحي
تخلل أشغال الندوة عرض شريط وثائقي مدته 14 دقيقة، من إنجاز الروائي العراقي صمويل شمعون، ظهر فيه الراحل وهو يتحدث عن إقامته في ميونيخ وعن الذي استفاده منها، في علاقة بالغربة والمسافة، مشيرا إلى أنه تعلم من المدينة الألمانية أن يكتب عن بلده من تلك المسافة التي يحتاجها الكاتب ليكتب. وقال إن ميونيخ حاضرة في رواياته "هلوسات ترشيش" و"الآخرون" و"ووداعا روزالي".
كما تحدث المصباحي عن طفولته والصعوبات والعراقيل التي واجهته، والتحاقه المتأخر بالمدرسة، وقال "أنا مدين لبورقيبة"، الذي أصدر وقتها قرارا سمح بتسجيل أبناء الأرياف حتى وأن تجاوزوا سن التمدرس.
وشدد المصباحي على أن طفولته بقدر ما كانت صعبة كانت ممتعة، مستحضرا انغماسه في عالم القراءة، قبل أن يجرب حظه في الكتابة.
أحمد المديني: ما أقسى غيابه عنا اليوم
تحت عنوان: "شاهد شهيد فوق الرثاء"، قال الروائي والناقد والأكاديمي المغربي أحمد المديني إنه يرفض رفضا باتا الرثاء. وقال: "كيف أرثي من هم حولي وأمامي في صحوي ومنامي؟ سأقتلهم لو فعلت".
وقال المديني إن المصباحي، إنسانا ونصا، عانى حياته كلها من سوء الفهم، مشيرا إلى أنه يحتفظ له، على المستوى الإنساني،بمنتهى الود والرحابة ومتعة المنادمة وشغب الحوار.
وأضاف أن دارس المصباحي ينتبه وجوبا إلى مسألتين تطبعان أغلب أعماله السردية، أولهما أن مؤلفها تصورها وبناها على نسق مختلف، سواء بالمعايير والأقيسة المرعية للجنس الأدبي المتبنى، وكذلك لما كان عليه جيله الأدبي. وثانيهما أن المصباحي لم ولا يفرق بين الذات (ضمير المتكلم) والصوت (التلفظ الموضوعي). وتبعا لذلك، يضيف المديني، يمكن للدارس أن يستخرج العديد من الانزياحات، يبني بها نظام كتابة مختلف، خاص بصاحبه.
وشدد المديني على أن التجربة المصباحية، فردا ونصا ومعيشا،واحدة مندمغة ومتداخلة، وإن تعددت على مستوى ألوانها ومعمارها. وختم: "ما أقسى غيابه عنا اليوم".

حسن طارق: غبطة الجوار.. في حب المغرب
تحدث حسن طارق، الكاتب والأكاديمي وسفير المغرب السابق في تونس ورئيس مؤسسة الوسيط، عن اللقاءات التي جمعته بالمصباحي، بداية من أصيلة ثم تونس حين عين سفيرا للمغرب.وقال إن لقاءاتهما هناك كانت طويلة وممتعة، قامت على تواصل مستمر وحوارات مسترسلة حول الكتابة والحياة والفكر والتاريخ والسياسة والمغرب وأصيلة.
وأشار طارق إلى أن المصباحي كان من أوائل المثقفين التونسيين الذين اتصل بهم حين عين سفيرا للمغرب في تونس، مشيرا إلى أن الراحل انخرط، وقتها، وبلا هوادة، في مشروع ثقافي تحت عنوان "غبطة الجوار"، فكتب عن محبة المغرب ورافق المشروع بكثير من العطف والاهتمام، وصولا إلى طرح فكرة كتاب عن المغرب يدون فيه مشاهداته، مستعيدا فيه ذاكرة لقاء استثنائي نادر بين رجل وبلاد بادلته الحب والاعتراف.
نور الدين بالطيب: كان شخصية طريفة.. عاش الحياة بامتلاء كبير
تحدث الكاتب الصحفي التونسي نور الدين بالطيب عن بدايات تعرفه كقارئ على تجربة المصباحي، حين بدأ لونا جديدا في الكتابة مبني على الاستلهام والنهل من الحياة اليومية.
وذكر بن الطيب أنه رافق المصباحي في إحدى زياراته إلى أصيلة، قبل أن يعود إليها اليوم بمناسبة الندوة الاستعادية. وأضاف: "شاءت الأقدار أن تكون علاقتي بالمغرب مرتبطة بحسونة المصباحي في حياته وموته".
وقال بالطيب إن المصباحي فتح له نافذة كبيرة على المغرب، اكتشف من خلالها بلدا جميلا، وكون صداقات مع كثير من كتابه وفنانيه، مشيرا إلى أن الراحل لم يكن ينقطع، في جلساتهما، عن الحديث عن المغرب ومدنه وشخصياته، وكان يعتبره وطنه الروحي وجناحه الثاني الذي يحلق بها بعيدا.
وأشار بالطيب إلى أن المصباحي كان شخصية طريفة، عاش الحياة بامتلاء كبير، وأقبل على ملذاتها قبل أن يخفت صوته بسبب المرض ويختفي نهائيا من المشهد بلا صخب، لكن هذا الاختفاء هو اختفاء جسدي، إذ سيبقى في المدونة السردية العربية كروائي وكقاص غزير الإنتاج، مسكونا بالسؤال، مناصرا لقيم الحرية والحداثة، ضد الكهنوت الديني.
وحيد الطويلة: ذهب في الطريق الذي أحبه وطبخ على طريقته
قال الروائي المصري وحيد الطويلة إن المصباحي ذهب في الطريق الذي أحبه، والذي يشبهه تماما. واختار كتابته على وقع غناء حياته، بجمالها وعثراتها.
وأضاف الطويلة أنك تشعر في كتابة المصباحي بالصدق الفني، الذي يأتيك بالحياة في أصدق صورها. وهي الصور التي صدقها وأصر أن يحكيها لنا لا أن ينقلها فقط لأسماعنا وأبصارنا. وتساءل: ماذا نريد من كاتب عاش حياته هائما باختياره، لا بالغصب؟ ماذا نريد من كاتب كل ما فعله أنه حمل معه ريف بلده، وهو يعيش في واحدة من أجل حواضر الإنسانية؟كاتب كلما نغزه برد الغياب عاد إلى مسقطه الأول لينتصر على البرد الذي يخترق روحه.
وأضاف الطويلة: خذ حسونة من فمه، من كتبه، فكل جملة تدل عليه، وعلى المعنى الذي اقتنع ألا حياة ولا كتابة خارجه.
وأشار الطويلة إلى أن المصباحي، الذي فعل ما أحب وطبخ على طريقته، أحب التعدد فراح ينتقل على مختلف فنون الأدب، وأحب التمرد على الأشكال المتعارف عليها، بقوانينها حتى غير المكتوبة؛وعاد لمسقط مشاعره ورؤاه وتصوراته عن الحياة.
ليلى المطوع: حر لم يجد في الشرق إلا القيود
تحت عنوان: "حسونة المصباحي الباحث عن شجرة كي يستقر أسفلها"، تحدثت الروائية البحرينية ليلى المطوع عن علاقة المصباحي بمسقط رأسه، وبوالدته التي قالت له يوما وضعتك أسفل شجرة.
وركزت المطوع على سؤال الانتماء الذي يظهر في كل أعمال المصباحي، وتمثله كل الشخوص التي قابلها في المهجر، مشيرة إلى أنه يمم وجهه نحو الشمال، هو الحر الذي لم يجد في الشرق إلا القيود.
ولاحظت المطوع أن المصباحي، في كل أعماله، كان بدويا ورحالة يصف المكان بدقة، ينتظر في الميناء مع المشتاقين، ويأخذ شخوصه من مدينة إلى أخرى.
درموش: ذات أدبية عاشت الإبداع حياة والحياة أبداعا
قدم الناقد نور الدين درموش المصباحي كذات أدبية، أدمنت القراءة منذ طفولتها، واختارت الكتابة حياة وسلوكا وحرفة. ذات مرتحلة، راغبة، متمردة، متوحدة تعيش الإبداع حياة والحياة أبداعا.
وأشار درموش إلى أن الذات في روايات المصباحي لا تكف عن الارتحال داخل البلد وخارجه، لكنه رحيل لم يكن يعني الانفصال عن البلد وقطع الصلة به.
وأكد درموش أن المصباحي سيظل صوتا فريدا في الرواية العربية. كتابته تدل عليه لا على غيره. كرسها حياة والحياة كتابة. ذاته تخاطر حين تكتب، تكشف أهواءها ونوازعها وقطائعها، وتحملنا نحن القراء أن نعيش تجربة قرائية مغايرة تمتحن قدرتنا على أن نضاهي أسئلته ورهاناته.
حنان زبيس: كان كاتبا صحفيا غزير الإنتاج وواسع المعرفة
تناولت حنان زبيس، الكاتبة الصحفية التونسية، تجربة المصباحي الصحفية، مشيرة إلى أنه كان غزير الإنتاج، واسع المعرفة، دؤوبا على الكتابة في عدد من الصحف العربية والفرنسية، هو الذي كان يعيش من قلمه. وأضافت: "أكاد أجزم أنه لا يوجد موضوع لم يكتب عنه المصباحي".
وأثنت زبيس على سعة اطلاع المصباحي وعمق فضوله المعرفي ومتابعته اليومية لكل ما يجري، سواء في بلده أو في العالم؛ فكتب بأسلوب مبسط وجميل، بعيدا عن اللغة الأكاديمية المعقدة أو المصطلحات العلمية الصعبة، بحيث يمكن لكل قارئ مهما كان مستواه أن يفهم القضية التي تتناولها مقالاته.
وشددت زبيس على أن لغة المصباحي الصحفية، بحكم خلفيته كروائي وقاص، كانت تتسم بروافد سردية واضحة، تستخدم التكثيف المشهدي دون إخلال بالوضوح الصحفي، كما أنه كان يعتمد لغة عربية فصيحة، صافية، جزلة وخالية من التعقيد اللفظي أو العبارات البلاغية الطنانة.
صمويل شمعون: لم يكن صديقا فقط.. كان أخا
تحدث صمويل شمعون عن علاقته بالمصباحي، مشيرا إلى أنها بدأت من تونس، وتعود إلى سنوات سابقة لإقامة الكاتب الراحل في ألمانيا.
وأشار شمعون إلى أن المصباحي كان يعيش وقتها ظروفا صعبة في تونس، قبل أن تتحسن عند انتقاله إلى ميونيخ.
كما تحدث شمعون عن ظروف إنجاز الشريط الذي عرض بمناسبة الندوة، مشيرا إلى أنه جزء من عمل توثيقي طويل يناهز 15 ساعة، وأنه تم تسجيله سنة 2000، بمناسبة فوج المصباحي بإحدى أرفع الجوائز الألمانية، بعد ترجمة روايته "هلوسات ترشيش".
وشدد شمعون على أن المصباحي لم يكن مجرد صديق، وقال كنا أخوين، ساردا، في هذا السياق، جانبا من الروابط الإنسانية التي جمعتهما، ومد يد العون المتبادل الذي طبع علاقتهما.


