: آخر تحديث
نص قصصي

عصام محمد الجاسم: صرخة من قبر الحياة

5
6
3

يقفُ ذلك المبنَى المتهالكُ كأثرٍ من زمنٍ انقضى، واجهتُهُ التي كانت يومًا محلَّ إعجابِ القاطنينَ أكلها الزمنُ، وبرزتْ من تحتِها طبقاتُ الأسمنتِ المتفتَّتِ. يلتفُّ نباتُ اللَّبلابِ حولَ هيكلِ المبنَى ذي الواجهةِ الكئيبةِ كأنّهُ شبحٌ حيٌّ يزحفُ على الجدرانِ، ويتغلغلُ في النوافذِ المتشقَّقةِ ذاتِ الزجاجِ المعتمِ. الدرجُ منهارٌ جزئيًّا، وأجزاؤُهُ المثبّتةُ بألواحٍ خشبيةٍ رخوةٍ توحي أنّ المبنَى قد ينهارُ في أيِّة لحظةٍ، مستسلمًا لعواملِ الزمنِ التي لا ترحمُ.

أمامَ هذا الصرحِ المتآكلِ، يقفُ حارسُ البوابةِ بزيٍّ رقيق الحال، وسلوكٍ حذِرٍ يجسّدُ اليقظةَ المتأصلةَ. ملامحُهُ صارمةٌ، تنطقُ بتاريخٍ منسيٍّ، وبجانبِهِ حقيبةٌ جلديةٌ داكنةٌ أنهكها الزمنُ، لا يُعلَمُ ما تخبّئهُ: أسرارٌ أم وثائقُ، أم بقايا لا تهمّ أحدًا. دافورُ غازٍ صغيرٌ بأسطوانة زرقاءَ يجاورُه، يعلوهُ إبريقٌ أسودُ بفعلِ الاحتراقِ المزمنِ. عيناُهُ تراقبانِ ما حولَهُ، تخترقانِ الضبابَ المحيطَ، ترصدانِ كلَّ حركةٍ، كأنّما يتوقّعُ اضطرابًا قادمًا من العدمِ، يقفُ شامخًا بجوارِ بوابةٍ من حديدٍ مطاوعٍ، تعلوها طبقاتُ الصدأِ، وتزينُها نقوشٌ معقدةٌ تشيرُ إلى مهارةِ حدادينَ من زمنٍ مضى. صريرُها المتكررُ مع كلِّ فتحٍ وإغلاقٍ، يشبهُ نذيرًا، كأنّما المبنَى يتأوّهُ من وجعِهِ، ويحتجُّ على نسيانِهِ.

هَا أَنَا ذَا لِلْمَرَّةِ الثّالِثَةِ هَذَا الأُسبوعَ عَلَى وَشْكِ الوُلوجِ إلى هَذَا المَبْنَى، ما إنْ تدخُلَه حتى تواجهَ بابًا إلى اليمينِ، من المفترضِ أنَّهُ مخزنٌ قديمٌ لأدواتِ تنظيفٍ أُهْمِلْت كما أُهْمِلْ كلُّ شيءٍ هنا، بابُهُ بالكادِ يصمدُ أمامَ دقاتٍ خفيفةٍ، وفيهِ تمتزجُ ألوانُ الحزنِ مع رائحةِ اليأسِ.

هناك، يقيمُ صديقي العزيزُ أشرفُ.

حيثُ الجدرانُ متشققةٌ من كلِّ جانبٍ، والبقعُ تنتشرُ عليها كأنّها وشومٌ من الهمِّ، والسقفُ المنخفضُ يضغطُ على صدرِ القاطنِ كما لو أنَّ الحياةَ نفسَها تثقله.

الغرفةُ ضيقةٌ، مظلمةٌ، ذاتُ ورقِ حائطٍ متقشّرٍ وأرضيةٍ تصدرُ صريرًا متعبًا مع كلِّ خطوةٍ، وكأنّ المكانَ يتألّمُ من خُطى من يسكنُهُ. الطِّلاءُ باهت، كاشفً عن عورة الجدرانِ، بينما نافذةٌ وحيدةٌ، مغطاةٌ بطبقةٍ من الأوساخِ، تسمحُ بمرورِ ضوءٍ شاحبٍ بالكادِ يلامسُ الأركانَ.

السكون يملأ المكانَ، لكنّهُ ليس سكون الراحةِ، بل صمتَ الذكرياتِ المثقلةِ والحنينِ المهزومِ، الجوُّ مشبعٌ بإحساسٍ عالقٍ بالإهمالِ. تنتشرُ على الأرضِ عبواتُ طعامٍ شبهُ فارغةٍ وأوراقٌ مجعَّدةٌ، بقايا أيامٍ لم يعدْ أحدٌ يذكرُها. وسطَ الفوضى هُدوءٌ كئيبٌ، كأنّ الغرفةَ نفسَها قررتْ أنْ تستسلمَ، أنْ تشاركَ في هذا العجزِ، رائحةُ العفنِ تخنق المكانِ، الحرارة تسكنُ الزوايا كضيفٍ ثقيل لا يغادرُ.

على أحدِ الجدرانِ أرففٌ مائلةٌ بالكادِ تثبِّتُها بعضُ المساميرِ المتعبةِ، تحملُ كتبًا متربةً من الأدبِ العربيِّ والعالميِّ، كأنّها شهودٌ صامتةٌ على زمنٍ أجملَ. وفي الزَّاويةِ، كرسيٌّ بذراعينِ ممزقٌ، يجلسُ عليهِ أشرفُ حينَ تسمحُ حالتُهُ بالقراءةِ وسطَ هذه العتمةِ، يضيعُ بين السطورِ، بين أسماءٍ تائهة، وعناوينَ طواها الغبارُ، من حولِهِ تتراكمُ الفوضى، كأنّها مرآةٌ لعتمةٍ، داخلية، لا تعبأُ بالترتيبِ، ولا بالزمنِ.

صديقي أشرفُ في الثلاثينياتِ من عمرِهِ، لكنّهُ كان يبدو أكبرَ كثيراَ ممّا هو عليهِ، عيناُهُ الغائرتانِ تدلّانِ على فقدانِ الأملِ، وشعرُهُ الفوضويُّ يعكسُ عدمَ اهتمامِهِ بنفسِهِ، نافذةُ غرفتِهِ الصغيرةِ تفتحُ على منظرٍ مروِّعٍ للشارعِ المليءِ بالفوضى والقذارةِ. في كلِّ صباح يستيقظُ ليجدَ نفسَهُ محاطًا بأكياسٍ فارغةٍ، وأطباقٍ غيرِ نظيفةٍ، تقول الكثير عن الوجباتِ التي لم تُعدَّ منذ أيامٍ. يكتفي بشربِ فنجانِ قهوةٍ مُرّةٍ قبلَ أنْ يستقرَّ على كرسيِّهِ المتداعي.

يشعرُ بأنَّهُ عالقٌ في دوامةٍ لا تنتهي، صوتٌ داخليٌّ يهمسُ لهُ بأنّهُ لا جدوى من المحاولةِ، أحدَ أَحلَامهِ الَّتِي لطَالَمَا آمنَ بِهَا — أنْ يصبحَ كاتبًا — سرعانَ ما تبدّدَ تحتَ وطأةِ الواقعِ القاسي. الأفكارُ التي كانت تجولُ في رأسِهِ تحولتْ إلى سطورٍ محبطةٍ ومشاعرَ خانقةٍ، ومع ذلك كان شيءٌ ما يجذبُهُ نحوَ النورِ، على الرَّغمِ من سخونةِ الغرفةِ وعتمتِها، كانت بعض لحظاتٌ تُذكّرُهُ أنّ الحياةَ ما زالتْ تحملُ بعضَ الجمالِ؛ مثل خيوطِ الشمسِ التي تتسللُ في وقت قصير عبرَ نافذتِهِ لتُضفي لونًا دافئًا على جدرانِهِ الباهتة، تلك اللحظاتُ الكئيبةُ كانت تخاطبُ قلبَهُ وعقلَهُ المُتعبَ، وتحثُّهُ على التفكيرِ في تغييرِ مسارِ حياتِهِ الرتيبةِ، مَعَ ذلكَ، لَم يَتَغَيَّرْ شَيْءٌ يُذكَرُ.

كلُّ يوم، يستيقظُ ليجدَ نفسَهُ في نفسِ الحالةِ المزريةِ، لم يكنْ لديهِ عملٌ أو طموحاتٌ تدفعُهُ للنهوضِ من سريرِهِ. الكآبةُ كانت تسيطرُ على تفكيرِهِ سيطرةً متزايدةً، متغلغلةً في أعماقِ روحِهِ حتى أصبحتْ جزءًا منهُ، كثيرًا ما كان يسيرُ في الشوارعِ بلا هدفٍ، بات كلّ شيء من حوله باهتًا وخاويًا.

شمسُ ذلكَ اليومِ خانقةٌ، بالرغمِ من أنَّ الوقتَ كان مبكراً، إلا أنّ الحرارةَ مرتفعةٌ. حين مررتُ بجانبِ البوابِ لأدخلَ ذلك المبنَى العتيقَ، رمقني بنظرةٍ جانبيةٍ تحملُ الكثيرَ من الازدراءِ والغضبِ، تحدّثَ بطريقةٍ غيرِ مريحةٍ عن صديقي وتأخرِهِ في دفعِ الإيجارِ الذي تراكمَ عليهِ منذ عدّةِ أشهرٍ، أخذَ يحملقُ في السماءِ وهو منطلقٌ في حديثِهِ لي بأنَّه أخبرَ أشرفَ أنَّ الوقتَ قد حان لتركِ الغرفةِ إن لم يُسدَّد الإيجار في وقت قصير، تركتُهُ يهذرُ بكلماتٍ لم أتمكنْ من سبرِ فحواها، ظل يتمتمُ بينهُ وبينَ نفسِهِ وأنا متوجّهٌ نحوَ بابِ غرفةِ صديقي أشرفَ.

البابُ لا يتحملُ الطرقَ الثقيلَ، بمجردِ أنْ تدفعَهُ بيدِكَ، تكونُ قد دخلتَ هذه المساحةَ الضيقةَ الباهتةَ، عزلتُهُ بين جدرانِ تلك الحجرةِ جعلتْ منهُ سجينًا لأفكارِهِ المظلمةِ، حيثُ تترددُ في ذهنِهِ أسئلةٌ بلا إجاباتٍ وذكرياتٌ مؤلمةٌ، عيناهُ تُظهرانِ بوضوحٍ علاماتِ اليأسِ، تعكسانِ سماءً ملبدةً بالغيومِ، كان كمنْ يسمعُ صوتًا من الخارجِ يهددُهُ بزيادةِ رقعةِ الكآبةِ التي يعيشُ فيها. أفكارُهُ هلاوسُ تدورُ في مخيلتِهِ عن مستقبلٍ مظلمٍ يعتقدُ أنَّهُ ينتظرُهُ؛ حيثُ يشعرُ أنَّهُ محاصرٌ بلا أملٍ، أو مخرجٍ. تراهُ يجلسُ على طرفِ سريرٍ، أغطيتهُ ممزقةٌ، محاطًا بأغراضٍ باليةٍ، وأشياءٍ متناثرةٍ، تتراكمُ حولَهُ الأغراضُ المبعثرةُ، وتغمرُهُ ظلالٌ من الإحباطِ والضَّياعِ.

نظر إليَّ وانحنى يلتقطُ كأسَ ماءٍ ليشربَ، لثوانٍ حَدَّقَت في وضعِهِ العصيِّ على التغييرِ، وسلّمتُ عليهِ بودٍّ، ردَّ بتحيةٍ باهتةٍ، على الرغمِ من أنَّهُ يحملُ تجاهي مودَّةً خاصةً صديقاً مخلصاً ويتفهمُ حالتَهُ.
"أتمنى أن يكونَ يومُكَ هذا أفضلَ من قبلِ؟"
أجابَ بصوتٍ خافتٍ وروحٍ منهكةٍ: "الحمدُ للهِ على كلِّ حالٍ."
قلتُ وأنا أتأملُ ملامحَهُ المتعبةَ: "لا يبدو أنكَ في أفضلِ حالٍ، هل بالإمكانِ أن نرى وجهًا مغايرًا هذا اليومَ؟ على الأقل وجهَ أشرفَ كما عهدناهُ في أيامِ الجامعةِ، أيامِ المَرَح والضحكِ؟"
انتزعَ نفسَهُ من ركنِهِ، واتجهَ نحو البابِ محاولًا إغلاقَهُ قدرَ استطاعتِهِ، كأنَّهُ يصدُّ عن نفسِهِ من العالمِ كلماتٍ لا طاقةَ لهُ بها.
"نومي قليلٌ... لياليَّ تنقسمُ بين سهرٍ لا طائلَ منهُ، واكتئابٍ لا يُطاقُ."
قلتُ بقلقٍ صادقٍ: "هذا ما يزيدُني همًّا يا صديقي العزيزُ، دعنا نخرجْ من هذا الجوِّ الكئيبِ، نقضي بعضَ الوقتِ مع بقيةِ الأصدقاء.ِ"
ردّ بنبرةٍ حاول أن يُجمّلَها بابتسامةٍ مصطنعةٍ، سرعانَ ما خفَتَتْ: "أنا بخيرٌ، ألا تراني أُحدّثُ الجميعَ وأبتسمُ؟ ألا ترى أنني أمنحُ الطمأنينةَ للعابرينَ؟ وأنني متّزنٌ؟" ثم استرسلَ: "لا تقلقْ، فقط... روحي مكدودة، ونظراتي شاردةٌ، وندوبي غائرةٌ، ومشاعري ذابلةٌ، حتى ابتسامتي حائرةٌ. يا صديقي، لم أكنْ يومًا الشخصَ المناسبَ لصديقٍ، رغم أنَّ من احتاجني وجدني معهُ، كنتُ مجرّدَ محطةِ انتظارٍ، يرتاحُ عندها البعضُ، ثم يرحلونَ".
تبدلت ملامحُهُ فجأةً، كأنّما فُتحَ فيهِ جرحٌ قديمٌ.
قال بصوتٍ أضعفَ: "أحيانًا أنامُ من الحزنِ، لا الإرهاق. أنا لستُ الشخصَ المناسبَ لأحدٍ، أنا مملٌّ جدًا، لا أُجيدُ الحديثَ مع من لا يفهمني، ومنطفئٌ من الداخلِ، ولن أستطيعَ أن أكونَ كما تريدُ، ماذا تنتظرُ من كائنٍ فقدَ كل شيء حتى شعورَهُ بالبكاءِ؟ لستُ ممّن يُحبُّ الغَمُّ عَلَى الإطلاقِ، بل العكسِ... أملكُ روحًا تُحبُّ الضحكَ والمرحَ، لكن... بعض الأوقاتٌ تحدثُ فيها أشياءُ تُطفئ الكونَ كلَّهُ في عينيَّ."
قطعتُ حديثَهُ مندهشًا: "أُوف! لِمَ كلُّ هذا اليأسِ؟"
ردّ بنبرةٍ تفيضُ ألمًا: "يا صديقي، أشدُّ أنواعِ الألمِ هو الألمُ الداخليُّ؛ ألمُ الروحِ، فهو مخفيٌّ لا يراهُ أحدٌ، لا نستطيعُ وصفَهُ، ولا يعلمُهُ إلا اللهُ. ليس كلُّ ما في القلبِ يُقالُ، ولذلك خلقَ اللهُ الزفرة، والدموعَ، والنومَ الطويلَ، والابتسامةَ الباردةَ، ورجفةَ اليدينِ. سأكتمُ ما يؤلمني حتى ينتهي... أو أنتهي أنا.
أتمنى أن أمحوَ من ذاكرتي سنواتٍ عشتُها، ومواقفَ واجهتُها، وأشخاصًا دخلوا حياتي دون استئذانٍ، أريد أن أمسحَ كثيرًا من الاضطرابِ الذي عاشَ معي في أيامي،
فأمّا القلبُ... فمتعبٌ،
وأمّا الخاطرُ... فمكسورٌ،
وأمّا الروحُ... فما عادت تشتهي شيئًا."
قلتُ لهُ وأنا أشعر بأسى عميق: "تحملُ الكثيرَ من الثقلِ الروحيِّ السلبيِّ داخلكَ يا عزيزي، الحياةُ لا تستحقُّ هذا الجهدَ النفسيَّ المُضني، هوِّن عليكَ يَا صَاحبِي. الحيَاةُ جَميلَةٌ تَستَحِقُّ أن تَحْيَاهَا يَا صديقِي."
أجابَ متنهّدًا: "لم أكنْ أتخيّلُ يومًا أنَّ هذا الثقلَ والتعبَ، وهذا الضغطَ النفسيَّ، سيجثمُ داخلي هكذا. لن يفهمَ أحدٌ ما تعنيهِ هذه الطاقةُ السلبيةُ التي تملأُ صدرَكَ، ولا كم هو صعبٌ أن تبذلَ جهدَكَ لتحافظَ على ما تبقّى من روحِكَ المتآكلةِ.
لن يفهمَ أحدٌ شعورَكَ بالاختناقِ وأنتَ صامتٌ، بالضيقِ وأنتَ تبتسمُ.
أصعبُ شعورٍ أن تكتمَ الألمَ، حتى ينفجرَ قلبُكَ بنزيفٍ داخليٍّ."
قلتُ وأنا أشعرُ أنَّ كلماتي لم تعدْ تُواسي: "صديقي العزيزُ، هذا يستنزفُ روحَكَ قبلَ جسدِكَ."
هزّ رأسَهُ وقالَ:
"عندما ترى الشيبَ في رأسي، لا تسألْ كم عمري، فالشيبُ لا يحكي عددَ السنينِ، بل عددَ الأوجاعِ التي مررتُ بها.
ملامحي بدأتْ تنبئ عن التعبِ الساكنِ في داخلي.
لا أعرفُ المعنى وراءَ ما يحدثُ الآن، كأنّي في انتظارِ شيءٍ لا أعرفُ ما هو.
كلُّ شيءٍ صامتٌ، كلُّ شيءٍ حزينٌ.
ليس من المفترضِ أن يكونَ المرءُ وحيدًا إلى هذا الحدِّ.
لم يُؤلمني التقدُّمُ في السنِّ، لأنَّهُ قَدَرٌ، لكن... تُؤلمني الأمنياتُ التي شاختْ داخلي.
أصعبُ شعورٍ هو أن يضيقَ صدرُكَ، ويُثقلَ قلبُكَ بالحكاياتِ، وحين تلتفتَ لا تجدَ أحدًا يسمعُكَ أو يفهمُكَ.
ذلك الضيقُ يُجبِرُكَ على الهروبِ إلى النومِ، وأنتَ مختنقٌ بدمعةٍ في عينيكَ."
سألتُهُ وأنا أحاولُ أن أجدَ خيطَ ضوءٍ: "ما الذي يُخيفُكَ من أنْ تحيا حياةً طبيعيةً؟ ما الذي يُرعبُكَ من هذه الحياةِ؟ لِمَ كلُّ هذا الحزنِ؟"
قالَ والدمعةُ تخنقُ صوتَهُ:
"الرعبُ الحقيقيُّ في الوجودِ ليس هو الخوفَ من الموتِ، بل الخوفُ من الحياةِ، الخوفُ من الاستيقاظِ كلَّ يومٍ لمواجهةِ الصراعاتِ نفسها،الخيباتِ نفسها، والآلامِ نفسها. الخوفُ من ألا يتغيرَ أيُّ شيءٍ أبدًا، وأن تبقى عالقًا في دائرةٍ من المعاناةِ لا مخرجَ منها.
أرهقني هذا الثباتُ الكاذبُ، وأرهقني تجاوزُ أشياءَ تفوقُ قدرتي على التجاوزِ، وتحملُ أيامٍ صعبةٍ أكبرُ من احتمالي.
أرهقني هذا الكتمان الظاهريُّ، وضجيجُ رأسي الذي لا يهدأُ أبدًا.
مُحبط لدرجةٍ أنَّي حين أشاهدُ نفسِي في المرآةِ، أرى شخصاً آخر لا يشبهني.
تمرُّ عليّ لحظاتٌ لا أريدُ فيها شيئًا من الحياةِ سوى أنْ ينتهي يومي؛ أن ينتهي فقط، لأهربَ إلى النومِ.
لا أحد يعلمُ شيئًا عن جهادي في مواجهةِ الحزنِ، أو عن معاناتي مع الأرقِ الدائمِ، ووحشةِ الوحدةِ، وقسوةِ الأيامِ.
الجميعُ يراني هادئًا، متزنًا، متماسكًا... لكنهم لا يرونَ الروحَ المنهكةَ، ولا القلبَ المُضنى الذي يغلي من الداخلِ كبركانٍ.
لا أحد يعلمُ شيئًا عمّا خفي.  السكوتُ والوحدةُ أصبحا الحلَّ الأمثلَ لكلِّ مشاكلي تقريبًا.
لا أحد يدركُ كيف تنهارُ من الداخلِ وأنتَ تبتسمُ.
أنتَ، والآخرون، ترونَ أنَّ الأمرَ يسير، رغم أنَّهُ مدمِّرٌ تمامًا بالنسبة لي.
أنا لستُ بخيرٍ يا صديقي، أنا لستُ بخيرٍ.
ضغطٌ نفسيٌّ كبيرٌ أتحمّلهُ كلَّ يومٍ، أرتدي قناعَ التماسكِ فقط لأبدو طبيعيًا أمامَ الناسِ، فقط كي لا يراني أحدٌ فيُذلّني بعطفِهِ.
حتى حزني لم يكنْ حزنًا عاديًا. لم أبحثْ عن كتفٍ أبكي عليهِ، ولا عن أذنٍ تسمعني. كلُّ ما أردتُهُ من هذا العالَمِ هو أن يتركني وشأني. أشعرُ أنَّ الأحزانَ، والأوجاعَ، وخيباتِ الحياةِ كلَّها، ملتفّةٌ حولَ عنقي.
يا اللهُ، قليلٌ من التنفّسِ...
فلم أعدْ أحتملُ هذا الاختناقَ القاتلَ.
هل تعلمْ يا صديقي ما الذي أشدُّ من الكَمَد؟ أنكَ لا تستطيعُ أن تُخرجَ نفسكَ منهُ، ولا تعرفَ حتى ما الذي تُريدهُ بالضبطِ.
تتخبطُ في داخلِكَ تائهًا، لا خريطةَ للنجاةِ، ولا وجهةَ للهرب. كلُّ الطرقِ تؤدي إلى نفسِ الجدارِ، نفسِ النهايةِ". 

توقف فجأة عن الكلام وأدار وجههُ عنيٌّ لِبُرهةً.

"أرى حزنًا حتى البكاءِ في عينيكَ يا صديقي. قلتها، كأنما فَتحتُ بابٌاً كنت أحاول غلقه بلا جدوى."
“أحيانًا أبكي من وجع الكتمان،
أبكي لأنني لا أشعرُ بشيءٍ سوى الفراغِ.
أبكي من يأسي، ومن عجزي، ومن خوفي، ومن قلقي الذي لا يتوقفُ. أبكي من شرودي المستمرِّ، من قلّةِ نومي، ومن نفسي التي تفتكُ بي. لم أعد أستطيعُ التحملَ. سئمتُ من مجاراةِ ما يحدثُ، أشعر أنني أفقدُ نفسي يومًا بعد يومٍ، أبكي بكاءَ التائهِ، الذي لا يعرفُ أين يذهبُ، ولا أين المفرُّ.
أرى كلَّ الأماكنِ تآلفتْ بالحزنِ. حتى جدرانُ غرفتي ملّتْ من سماعِ شكواي، أنا مجرّدُ رقمٍ بين آلافِ المحاولينَ لقهرِ الحزن،
لكنني لم أستطعْ أبدًا أن أكونَ من المنتصرينَ عليهِ.
أريد أن أبكي وأبكي حتى أفقدَ الوعي، ففي قلبي ألمٌ يكادُ يقتلني، يستنزفُ طاقتي، ويهدرُها عبثًا في لا شيء، في صدري ضيقٌ لا يعلمُهُ إلا اللهُ،
مؤلمةٌ جدًا تلك اللحظةُ التي تبكي فيها وأنت صامتٌ، من شدةِ القهرِ.
هل تعرفُ ما يوجعني؟
أنني أريدُ أن أقولَ كلامًا كثيرًا...
لكنني لا أعرفُ من أين أبدأُ.
تعودّْتُ أن أبقى صامتاَ إذا اشتدَّ الألمُ،
لكنّي... تعبتُ،
تعبتُ من صمتي.
في داخلي حربٌ ضروسٌ،
أتمنى أن أصمتَ من الداخلِ كما أصمتُ من الخارجِ.
يُقالُ أنَّ البكاءَ في الليلِ مؤذٍ يا صديقي.
يزيدُ ضرباتِ القلبِ، يُضعفُ وظائفَهُ،
ويُعرّضُ الإنسانَ لسكتةٍ مفاجئةٍ.
لهذا، يوصونَ بتفريغِ ما بداخلكَ،
بالبوحِ، بالفضفضةِ، بالكلامِ مع الأهلِ أو الأصدقاءِ.
وها أنا ذا...
أنتَ الوحيدُ الذي أبوحُ لهُ بخلجاتِ نفسي”.

أصواتُ القططِ والكلابِ السائبةِ في الخربةِ المحيطةِ بالمبنى تقطعُ حديثَنا الكئيبَ، كأنَّ هذه الأوجاعَ التي يحملُها صاحبِي أصابتْها بعدوى، فبدأوا يئنّونَ منها بأنينٍ خافتٍ. ما زالَ يعيشُ كلَّ يومٍ كأنَّهُ محبوسٌ في سجنٍ مظلمٍ، لا أملَ يلوحُ في أفقِ حياتِهِ، ولا طَعمَ لشيءٍ حولَهُ. يشعرُ أنَّ الحياةَ خذلتْهُ، وأنَّ كلَّ أحلامِهِ تحولتْ إلى أشباحٍ تطاردُهُ في هدوءٍ قاتل. حتى أبسطِ الأشياءِ التي كانت يومًا تُسعدُهُ أصبحتْ تُثقلُ كاهلَهُ، يسَكنهُ شعُورٌ بأَن العالمَ كلَّهُ يقفُ ضدَّهُ بلا رحمةٍ، ولا شفقةٍ.

ينظرُ إلى المستقبلِ بعينينِ مليئتينِ بالخوفِ والقلقِ، كأنَّهُ يسيرُ في نفقٍ لا نهايةَ لهُ، لا يرى في نهايتِهِ نورًا أو خلاصًا.
لم يعدْ يجد معنى لأيِّ شيءٍ، حتى ابتسامتِه البريئةِ صارتْ مجردَ قناعٍ يُخفي دموعًا لا تنتهي، وحياةً بلا لونٍ ولا طَعمٍ.
يشعرُ بأنَّ الحياةَ قد فقدتْ معناها، وأنَّ أحلامَهُ وطموحاتِهِ تلاشتْ في بحرٍ من التيه.

لا أعرفُ ما الذي يدفعُهُ إلى إحساسٍ عميقٍ بالوحدةِ، حتى بدا لهُ أنَّ العالمَ من حولِهِ فارغٌ وبلا حواس، لا يجدُ من يُحادثُهُ عن أوجاعِهِ سوى نفسِهِ.
تتلاعبُ بهِ أفكارٌ سوداءُ مظلمةٌ، تجعلُ رؤيتَهُ لكلِّ شيءٍ مشوبةً بالتشاؤمِ، مما يزيدُ من شعورِهِ بالعزلةِ وعدمِ الجدوى.
كثيرًا ما تراهُ يحاولُ البحثَ عن أسبابٍ للابتسام، لكنهُ غالبًا ما يشعرُ أنَّ كلَّ محاولةٍ تنتهي بالفشلِ، فتتراجعُ روحُهُ ويخيِّمُ عليه الإحباطُ.

تلاشتِ الألوانُ النابضةُ بالحياةِ من وجودِهِ، فصار كلُّ ما حولَهُ أُحاديَّ اللونِ، ولا أثرَ للفرحِ أو حبِّ الحياةِ، كأنهما باتا ذكرى بعيدةً، أو لغةً منسيةً لا يفهمُها إلا من كان يومًا في قاعِ بئرِ الوحدةِ مثلَهُ.

البوحُ لي بما يحملُهُ من حزنٍ يُثقلُ كاهلي أنا أيضًا، ويعزُّ عليّ أن أراهُ في هذه الحالِ المزرية.
أردتُ أن أُخففَ من وطأةِ هذا الوجعِ العميقِ الذي يسكنُهُ، فقلتُ لهُ:
"لكنكَ يا صديقي، تُجهدُ روحكَ وتحمّلُها فوقَ ما تُطيقُ، الحياةُ أمامكَ، اجعلْ أملَكَ باللهِ كبيرًا، وتجلّدْ أمامَ ما يُحاولُ سحقكَ من الداخلِ."
اندَمَجَ مَعَ صَمتِ المَكَانِ، فَاتَّجَهَ بِبُطءٍ مُوجِعٍ نَحْوَ السرير الَّذي أنهَكَه الزَّمَنُ ثُمَّ تَوقُّف، ارتَفَعَ صَوتُهُ مُتَقَطِّعًا يَختَرِقُ حَنجَرَتَهُ هَمسٌ مُؤلِمٌ حَامِلًا فِي طَيَّاتِهِ تَنهِيدَةَ دَمعٍ مَكبُوتٍ وَصَدَى ذِكرَيَاتٍ أَنهَكَهَا طُولُ الأَمَلِ، ثُمَّ أَردَفَ قَائِلًا:

"يقولُ المتفائلونَ إن الحياةَ رحلةٌ تحملُ تعبًا وأملًا، وأنَّ النهاياتِ الطيبةَ تأتي لمن يصبرُ ويؤمنُ بالخيرِ رغم كلِّ الصعابِ.
لكنني لم أعدْ أستطيعُ تحمّلَ همومٍ جديدةٍ، تعبتُ ومللتُ.

منذ بواكيرِ طفولتِي، كنتُ دومًا لوحدي، دائمًا بلا سندٍ أو حمايةٍ، بلا إخوةٍ أو أخواتٍ. والدي مشغولٌ طوالَ اليومِ، وأمي لا تكادُ تغيبُ عن زياراتِها المتكررةِ للصديقاتِ، لم أشعرْ بوجودِهِما يومًا. أسوأُ ما أصابني هو فقدانُ شغفِي بالحياةِ، ليس أَسَىً عابرًا.
بقيتُ أراقبُ انقضاءَ الأيامِ يومًا تلوَ الآخرِ وأنا وحيدٌ، ليتني لم أمتلكْ هذا العمقَ في التفكيرِ، ليتني كنتُ مجردَ إنسانٍ ينظرُ إلى الأمورِ بسطحيةٍ وبلا مبالاةٍ. لم أشعرْ بوجودِ أحدٍ في حياتي، كلُّ يومٍ يمرُّ أستيقظُ فيهِ لأجدَ نفسي وحيدًا بلا سببٍ.
في أحيانٍ كثيرةٍ، تستيقظُ على حلمٍ مزعجٍ في منتصفِ الليلِ، ويلفُّكَ ظلامٌ دامسٌ.
تتمنى أن يكونَ بجانبك أحدٌ قريبٌ منك؛ لتخبرَهُ أنكَ لستَ على ما يُرامُ، لكن لا تجدُ من تُخبرَهُ.
قد أبدو بخيرٍ، لكنَّ روحي تذبلُ بشدةٍ كلَّ يومٍ، قد لا تبدو عليّ علاماتُ التعبِ، لكن أؤكدُ لك أنَّهُ ليس هناك مكانٌ في جسمي أو روحي يعملُ كما ينبغي.
يراودني شعورٌ أنَّ روحَ شخصٍ آخرَ تقبعُ داخلي، تذهبُ وتعودُ في أوقاتٍ متباعدةٍ. أشعرُ بغربةٍ داخليةٍ، وبغربةٍ عن الحياةِ نفسها. أتساءلُ كثيرًا إن كان بالإمكانِ أن أعودَ كما كنتُ من قبلُ.
وفي لحظةِ إدراكٍ مؤلمةٍ، تُصدمُ حين تعرفُ أنكَ تجاوزتَ الخامسةَ والثلاثينَ من عمرِكَ، ولم يتغيرْ شيءٌ في حياتِكَ.
ما زلتَ واقفًا في مكانِكَ، عاجزًا عن إدراكِ ما يدورُ حولَكَ".

سكتَ بُرهةً، ثمَّ توجَّهَ إلى رفِّ الكتبِ المتهاوي بجانبِ سريرِه.
أخذَ يُحدِّقُ لفترةٍ في العناوينِ المنثورةِ أمامَه، كأنَّها تحاولُ أن تُخبِرَه شيئًا ما.
ظننتُ أنَّه سيذكُرُ لي بعضَ الكتبِ التي يهوَى مطالعتَها بينَ الحينِ والآخرِ، الكتبِ التي لا أعلمُ إن كانت هي التي زادت من اكتئابه، أو التي هدَمَتْ روحَه وفَتَّتتْ تفكيرَه!
أعرفُ أنَّه يهوى قراءةَ أعمالِ عبدِ الرحمنِ منيفٍ، ومحمدٍ شكري، وكافكا، ودوستويفسكي، وشوبنهاور، وكنفاني، وأنطون تشيكوف، وأحمد خالد توفيق، وكثيرٍ من الروائيينَ والكُتّاب الذينَ لا أتذكَّرُ أسماءَهم أو عناوينَ مؤلفاتِهم كلَّها.
لكنَّني أعتقدُ أنَّ مزاجَه هو الذي يحدِّدُ ما يحبُّ أن يقرأَ، وليس هؤلاءِ الكُتّابُ من سبَّبوا تعاستَه.

لم أعلمْ لماذا أخذَ يسترسلُ في هذا اللقاءِ بالحديثِ عن كلِّ ما يجولُ في نفسِه من ألمٍ وقلقٍ.
أصبحتْ خواطرُه ممتدة، كأنَّه يريدُ أن يُخفِّفَ ما بداخلِه بالحديثِ الطويلِ معي. الاستماعُ إليه بهذا الطولِ سيُصيبُني باكتئابٍ أيضًا.

سكت لبرهةٍ، ثم رفعَ رأسَه بنظرةٍ مشوبةٍ بالألمِ والخذلانِ.
“انظر إلى حالِكَ، أصبحتَ هزيلًا بسببِ الوضعِ الذي تُعانيه، اخرجْ، رَوِّحْ عن نفسِكَ بأيِّ طريقةٍ ممكنةٍ. القلقُ والحزنُ يستنزفانِكَ يا صديقي”.

رمقني بِنظرةٍ سريعةٍ وعابِسةٍ واَستَطرد:
"كَيْفَ أُقْنِعُكَ يَا صَدِيقِي أَنَّ سَبَبَ نَحَافَتِي لَيْسَ لَهُ عَلاقَةٌ بِالأَكْلِ؟ نَحْنُ يَا عَزِيزِي نَتَآكَلُ مِنَ الدَّاخِلِ. نَحْنُ مَنْ كُتِب عَلَيْهِمُ العَيْشَ عَلَى هَامِشِ الحَيَاةِ، الأُمُورُ خَرَجَتْ عَنْ سَيْطَرَتِي، وَلا شَيْءَ عَلَى مَا يُرَامُ، رُوحِي حَزِينَةٌ مِثْلَ نَجْمٍ وَحِيدٍ فَقَدَ ضَوْءَهُ الأَخِيرَ وَلَمْ يَعُدْ يُرَاهُ، مُثْقَلٌ بِهُمُومٍ لا حَدَّ لَهَا، فَقَدْتُ شَهْوَتِي لِلأَكْلِ مُنْذُ وَقْتٍ لا أَذْكُرُهُ. عَلَى الرَّغْمِ مِنْ نَحَافَتِي، إِلَّا أَنَّنِي لا أَشْعُرُ بِالْجُوعِ، العُمْرُ يَمُرُّ وَلا تَشْعُرُ بِهِ، الأَكْلُ لَنْ يُسَاعِدَ فِي تَرْمِيمِ مَا هَدَمَهُ الزَّمَنُ.
يَا عَزِيزِي، بغتةً وَجَدْتَ أَنَّنِي فِي عُمْرٍ تخطَّى اَلثَّلَاثِينَ! سُنُونَ لَمْ تَكُنْ يَوْمًا فِي حِسَابِي، رقمٌ ظَلَّ حُلْمًا بَعِيدًا، أَوْ حكايةً لَا تَعْنِينِي! ظَنَنْتُهُ خَيَالاً، فَإِذَا بِهِ وَاقِعُ معيشٌ. وَأَخَذَ اَلذُّهُولُ يَتَحَوَّلُ إِلَى قَلَقٍ حِينَ أَسْمَعُ "يَا حَاجُّ" مِنْ اَلْأَقْرَانِ، و"يَا عَمُّ" مِنْ الفِتْيَانِ. ثُمَّ بَلَغَتْ اَلْغُرْبَةُ مَدَاهَا، حِينُ تنازل اَلصِّبْيَةُ اَلْمُهَذَّبون عن مَقَاعِدِهِمْ لِي فِي اَلْحَافِلَاتِ، فَأَدْرَكَتْ أَنَّ اَلزَّمَنَ قَدْ سَبَقَنِي خُطواتٍ.

ألَى هَذَا الحَدِّ أَبْدُو كَهْلًا فِي هَذَا العُمْرِ؟ لَقَدْ بَدَأَ شَعْرِي بِالتَّسَاقُطِ، وَعَيْنَايَ لَمْ أَعُدْ أَرَى بِهِمَا جَيِّدًا. جَسَدِي أَصْبَحَ مُنْهَكًا جِدًّا. يَبْدُو لِي أَنَّهَا النِّهَايَةُ قد أقتربت.
تَسْأَلُنِي يَا صَدِيقِي عَنْ سَبَبِ عُزْلَتِي وَكآبتي، فِي عُزْلَتِي أَرَى نَفْسِي، وَأُحَاوِلُ تَضْمِيدَ جِرَاحٍ تَأْكُلُنِي مِنَ الدَّاخِلِ، جِرَاحٌ لا يَرَاهَا أَحَدٌ. مُرْهَقٌ يَا صَدِيقِي لِدَرَجَةِ أَنَّ كُلَّ جارحة فِي جَسَدِي لا تكَاد ألَا تَسْتَطِيعَ حَمْل أُخْتهَا. وَقَلْبِي بِالكَادِ يَحْمِلُ نَفْسَهُ مِنْ ثِقَلِ هُمُومِ الأَيَّامِ الَّتِي يُكَابِدُهَا. يَا صَدِيقِي، لَوْلَا أَنَّ الأَضْلُعَ حَوْلَهُ حِصْنٌ مَنِيعٌ - وَإِنْ كنْتَ أَشُكُّ أَنَّهَا بِتِلْكَ اَلصَّلابَةِ، لَطَارَ القَلْبُ مِنْ مَأْمَنِهِ شَرِيدًا.

هَذِهِ المرحلة في حياتي كلها هي الَّتِي أَحِسُّست فيها أَنِّي فَقَدْتُ كُلَّ طَاقَتِي وَشَغَفِي وَأَمَلِي للحَيَاةِ، وَلَيْسَ لِلأَكْلِ فَقَطْ، حَتَّى نَفْسِي فَقَدْتُهَا. بداخلي تَعَبٌ كَبِيرٌ، وَشُعُورٌ يَقهرُ مَا فيَّ مِنْ أَمَانٍ. صَارَتْ حَيَاتِي خَوْفاً وَتَفْكِيراً لا نِهَايةَ لَهُ. الكُلُّ يَطْلُبُ مِنْكَ أَنْ تُقَاوِمَ، وَلَكِنْ لا أَحَدَ يَعْرِفُ صُعُوبَةَ أَنَّكَ تُحَاوِلُ وَلَا تَسْتَطِيعُ.
أُعَانِي مِنَ التَّفْكِيرِ الْمُفْرِطِ الَّذِي لا حَدَّ لَهُ، لَمْ أَعُدْ أَقْوَى عَلَى النَّوْمِ حَتَّى أَسْتَطِيعَ أَنْ أُفَكِّرَ فِيمَا حَدَثَ وَمَا لَمْ يَحْدُثْ، أَنَا فِي شَتَاتٍ تَامٍّ.
هَلْ تَعْلَمُ يَا صَدِيقِي؟ إَنَّنِي فِي كَثِيرٍ مِنَ الأَحْيَانِ أَجِدُ نَفْسِي جَالِسًا فِي مَكَانٍ مَا لِسَاعَاتٍ طَوِيلَةٍ، أُحَدِّقُ فِي لا شَّيْءِ، أُعَانِقُ الفَرَاغَ، غَارِقًا بِالتَّفْكِيرِ فِي العَدَمِ، لا أَشْعُرُ بِشَيْءٍ. وَالأَسْوَأُ مِنْ ذَلِكَ هُوَ فُقْدَانُ الشَّغَفِ بِفعل أَيِّ شَيْءٍ".

سكَن للحظات، ثم جَذَبَ إِلَى فَمِهِ كَأْسَ الْمَاءِ مَرَّةً أُخْرَى، عَلَى مَا يَبْدُو أَنَّهُ غَيْرُ نَظِيفٍ، فِي تِلْكَ الأَثْنَاءِ حَاوَلْتُ أَنْ أُغَيِّرَ مَسَارَ الحَدِيثِ، خَطَرَ في نَفسِي أَنْ أَسْأَلَهُ عَنْ عَائِلَتِهِ - أُمِّهِ وَأَبِيهِ - وَهَلْ كَانَتْ بينهم ذِكْرَيَاتٌ جَمِيلَةٌ وَلَوْ قَلِيلَةٌ فِي حَيَاتِهِ مَعَهُمْ.

“لَقَدْ أَرْهَقَنِي حَدِيثُكَ يَا صَدِيقِي نَفْسِيًا. دَعْنَا نَتَحَدَّثْ فِي أَمْرٍ غَيْرِ تِلْكَ المَخَاوِفِ مِنَ الحَيَاةِ وَتَعَاسَاتِهَا، أَخْبِرْنِي عَنِ اللَّحَظَاتِ الجَمِيلَةِ الَّتِي تَتَذَكَّرُهَا مَعَ وَالِدَيْكَ.”

ظَلَّ صامتًا مُدَّةً طَوِيلَةً، كَأَنَّهُ يُحَاوِلُ التَّعَافِي مِنْ شَيْءٍ مَا وَيَفْشَلُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ، تَمْتَمَ بِكَلِمَاتٍ لَمْ أَسْمَعْهَا، وَبَدَأَ يَتَحَدَّثُ عَنْ أَبِيهِ فِي الْبِدَايَةِ.
"وَهَلْ تَعْتَقِدُ أَنَّ الحَدِيثَ يُجدِي بِتَذْكُرِهِمْ؟ لا أَظُنُّ ذَلِكَ يَا صَدِيقِي، هِيَ فَتْرَةٌ وَلَّتْ دُونَ رُجُوعٍ.

هَلْ تَعْرِفُ يَا صَدِيقِي أَنَّ أَوْقَاتاً تَمُرُّ عَلَيْكَ تَتَمَنَّى أَنْ تَتَحَدَّثَ فِيهَا مَعَ أَيِّ أَحَدٍ، تُحَاوِلُ أَنْ تُفضِي لَهُ بمَا يَجُولُ فِي خَاطِرِكَ، وَعِنْدَمَا يَسْأَلُكَ هذَا الَّذِي تَتَمَنَّى أَنْ تُحَادِثَهُ عَمَّا يَدُورُ فِي نَفْسِكَ وَخَاطِرِكَ وَيَطْلُبُ مِنْكَ الحَدِيثَ، فَجْأَةً تَعْجِزُ عَنْ الكَلَامِ وَتُلْجَمُ، عِنْدَهَا تَتَمَنَّى أَنْ تَنْفَجِرَ بِالبُكَاءِ بِسَبَبِ هذَا العَجْزِ اللَّاإرَادِيِّ.
تَسْأَلُنِي عَنِ اللَّحَظَاتِ الجَمِيلَةِ مَعَ وَالِدَيَّ، لا أَتَذَكَّرُ أَنَّهَا كَانَتْ كَثِيرَةً، أَحْدَاثٌ قَلِيلَةٌ لا تَبْعَثُ عَلَى البَهْجَةِ حِينَ أَتَذَكَّرُهَا.

قَدْ لا تُصَدِّقُنِي إِذَا أَخْبَرْتُكَ أَنَّنِي أَتَذَكَّرُ بِوُضُوحٍ اللَّحَظَاتِ غَيْرَ الْمُبْهِجَةِ فِي حَيَاتِهِمَا، أَتَذَكَّرُ اللَّحَظَاتِ الأَخِيرَةَ مِنْ حَيَاتِهِمَا، لِأَنَّهَا تَجَمَّدَتْ فِي دَهَالِيزِ ذِكْرَيَاتِي.

أَبِي عَاشَ شَامِخًا رَغْمَ قَسْوَةِ الحَيَاةِ، مَرِضَ بِصَمْتٍ وَكَتَمَ الأَنِينَ، صَبَرَ وَلَمْ يَشْكُ، ثُمَّ رَحَلَ عَنْ عَالَمِنَا المُؤْلِمِ بِكُلِّ هُدُوءٍ.

وُجُودُهُ الشَّحِيحُ فِي حَيَاتِي وَإِنْ كَانَ قَاسِيًا مَعِي، إِلَّا أَنَّنِي كُنْتُ أَحُسُّ بِالأَمَانِ جَانِبَهُ، فِي حَيَاتِي كُلِّهَا لَمْ أَشْعُرْ بِالضَّيَاعِ كَمَا أَشْعُرُ هذِهِ الأيام.
مَن أَنَا؟ مَاذَا أُرِيدُ؟ مَاذَا أَفْعَلُ؟ وَإِلَى أَيْنَ أَذْهَبُ؟ أَيْنَ أَنَا؟ صِدْقَنِي، لا أَعْرِفُ.

رَحَلَ أَبِي بِهُدُوءٍ وَلَمْ يُؤْذِ أَحَدًا، اللَّطِيفُ أَنَّ الجَمِيعَ يُحِبُّهُ وَيَدْعُو لَهُ، رَحَلَ وَعَلَى وَجْهِهِ ابْتِسَامَةٌ، لَمْ أَفْهَمْ مَغْزَاهَا حَتَّى هذِهِ اللَّحْظَةِ.

لَنْ أَنْسَى عِنْدَمَا مَشَيْتُ إِلَيْهِ بِخُطُوَاتٍ ثَقِيلَةٍ جِدًّا لِتَوْدِيعِهِ الوَدَاعَ الأَخِيرِ، قَبَّلْتُ جَبِينَهُ الْبَارِدَ وَأَنَا أَرْتَعِدُ، كُنْتُ أَقْتَرِبُ مِنْ جُثْمَانِهِ وَأَنَا أُرَدِّدُ في نفسي أَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حُلْمًا.

الفِرَاقُ صَعْبٌ جِدًّا يَا صَاحِبِي، سَرَقَ مِنِّي الزَّمَانُ عُمُرِي وَرَحَلِ.
مَا زَالَتِ الحَيَاةُ بِثَقْلِهَا عَلَى كَتِفَيَّ مُنْذُ أَنْ رَحَلَ، مَوْتُهُ تَرَكَنِي مَبْتورَ القَلْبِ، لَا أعرفُ مَعْنَى السَّعَادَةِ وَالأَمَانِ.
ما زِلتُ أَتَذَكَّرُ تِلْكَ الرَّجْفَةَ الَّتِي هَزَّتْ قَاعَ قَلْبِي حِينَ قَالُوا لِي إِنَّ أَبَاكَ قد مَاتَ، كَرَحِيلِ الشَّمْسِ عِنْدَ الغُرُوبِ، رَحَلَ بِهُدُوءٍ، رَحَلَ وَلَمْ يَودعنا. عِشْتُ وَفَاةَ أَبِي بِأَدَقِّ التَّفَاصِيلِ، لَحْظَةَ احْتِضَارِ رُوحِهِ، لَحْظَةَ خُرُوجِهِ مِنْ بَيْنِنَا جَسَدٌاً مُنْهَكٌاً لا رُوحَ فِيهِ، نَظَرَاتُ أُمِّي إِلَيْهِ، صَرَخَاتُ الفَاجِعَةِ، لا أَلَمَ يُداني تِلْكَ اللَّحَظَاتِ.
غَادَرَ أَبِي فَجْأةً، خَفِيفًا مِنْ أَحْمَالٍ تَرَكَهَا خَلْفَهُ، تَرَكَ أَثَرًا فِي حَيَاتِي، وَجُرْحًا فِي قَلْبِي.
رَحَلَ قَبْلَ أَنْ أُخْبِرَهُ أَنَّنِي ما زِلْتُ أَحْتَاجُ أَنْ أَتَعَلَّمَ مَزِيدَاً عَلَى يَدَيْهِ لِمُجَابَهَةِ هَذهِ الحَيَاة القَاسِيَة".
تَوَقَّفَ قَلِيلًا، أَشَاحَ بِوَجْهِهِ نَحْوَ الجِدَارِ وَرفع يَدَهُ نَحْوَ عَيْنِهِ كَأَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَمسَحَ دَمعةً بَاغَتَتهُ فَجْأَةً.
ألتَفَتَ نَاحِيَتِي وقال بِصَوْتٍ بِهِ حشْرجةٌ: "أُمِّي، رَحِمَهَا اللهُ، بِسَبَبِ ابْتِعَادِهَا العَاطِفِيِّ عَنِّي، أَصْبَحْت مُجَرَّدَ ذِكْرَى.
لَطَالَمَا تَمَنَّيْتُ أَنْ أَعِيشَ حَيَاةً مَلِيئَةً بِحَنَانِ أُمِّي كَمَا كَانَ يَعِيشُهَا أَصْدِقَائِي مَعَ أُمَّهَاتِهِمْ.
كَمَا أَخْبَرْتُكَ سَابِقًا كَانَتْ تَقْضِي مَعَ صَدِيقَاتِهَا أَوْقَاتًا أَكْثَرَ مِمَّا كَانَتْ تَقْضِيهِ مَعَنَا، أَنَا وَأَبِي.
مَنْزِلُنَا كَانَ بُؤْرَةَ التَّجَمُّعِ، عَلَى مَا يَبْدُو أَنَّ جَلَسَاتِهَا الطَّوِيلَةَ مَعَهُمْ كَانَتْ تُخَفِّفُ عنها نَوَبِاتِ الاِكْتِئَابِ الَّتِي كَانَتْ تَمُرُّ بِهَا.

يبدو أَنَّهَا كَانَتْ عِدَّةَ مَرَاحِلَ وَلَيْسَتْ مَرْحَلَةَ اكْتِئَابٍ وَاحِدَةٍ. قَبْلَ وَفَاةِ أُمِّي كُنْتُ أَتَعَجَّبُ مِنْ قدْرِ القُوَّةِ الَّتِي أَعْطَاهَا اللهُ لِلَّذِينَ فَقَدُوا أُمَّهَاتِهِمْ، كَيْفَ يَضْحَكُونَ وَيُوَاصِلُونَ حَيَاتَهُمْ إِلَى أَنْ جَاءَ دَوْرِي، وَوُضِعْتُ فِي نَفْسِ مَوْقِعِهِمْ. وَاِكْتَشَفْتُ الحَقِيقَةَ الَّتِي هَزَّتْ كُلَّ كِيَانِي وَوَعْيِي، أَنَّهُمْ أَصْبَحُوا مُخَدَّرِينَ مِنَ الأَلَمِ، الضَّحْكَةُ لَمْ تَعُدْ مِنَ القَلْبِ، وَتَعَابِيرُ الوَجْهِ كَاذِبَةٌ، تُخْفِي بَرَاكِينَ الاحْتِرَاقِ فِي الفُؤَادِ".

سَكَتَ فَجأَةً، رَمَى بِجَسَدِهِ المُنْهَكِ عَلَى السَّرِيرِ. حَضَنَ رَأْسَهُ بِكَفَّيْهِ وَكَأَنَّهُ يُعَانِي مِنْ صُدَاعٍ لا يُمْكِنُ تَحَمُّلُهُ.

حَرَارَةُ الغُرْفَةِ أَصْبَحَتْ خَانِقَةً، فَقَطْ مِرْوَحَةُ السَّقْفِ الَّتِي تُجْبِرُكَ أَنْ تَكُونَ حَذِرًا مِنْ أَنْ تَسْقُطَ عَلَيْكَ فَجْأَةً مَعَ أَنَّهَا كَانَتْ مُثَبَّتَةً فِي حَلَقَةٍ حَدِيدِيَّةٍ تَبْدُو متماسِكةً.

كُنْتُ عَلَى وَشْكِ طَلَبِ كَأْسٍ مِنَ المَاءِ الْبَارِدِ، لَكِنَّنِي تَذَكَّرْتُ أَنَّهُ لا يَمْلِكُ حَتَّى ثَلَّاجَةً صَغِيرَةً.

يرفضُ بكلّ إباءٍ من الذين حوله أن يساعدوهُ، أو أن يجلبوا له –على الأقل- أدواتٍ منزليةٍ وإن كانت مستعملةً. عنادُ صديقي هذا لا يمكنُ وصفُه، بمجردِ أن استجمعتُ همتي للانصرافِ والاستئذانِ منه بالذهابِ لإنهاءِ بعضِ المهامِّ المُلِحّةِ، فإذا به يبدأُ الحديثَ بصوتٍ بائسٍ وبنبرةٍ أبطأ من سابقتها، طبقةُ الصوتِ هذه المرّةِ تُنبِّئ بمزاجٍ محبطٍ تمامًا.

"دَاهَمَنِي الاكتِئَابُ باكرًا، لِيُفسِدَ عَلَيَّ فَرْحَةَ العُمرِ الَّذِي طَالَمَا حَلَمتُ بهِا، أشعرُ أن داخلي عدّةَ أشخاصٍ، أحدُهم يضحك، وأحدُهم حزين، وأحدُهم لم يعُد يُبالي بشيءٍ، وجميعُهم أنا، أحيانًا لا أعلمُ أين تسيرُ بي الحياةُ، كأنني أحيا على أملٍ أن أجدَ نهايةً تُنسيني مشقّةَ الطريقِ، مؤلمٌ جدًّا يا صديقي عندما تكتشفُ أنك مثلُ الدواءِ لكثيرٍ ممن حولك، تُستَخدَم وتُحْتَاج وقتَ الضرورةِ فقط، إذا وصلتَ، يا صديقي، إلى مرحلةٍ أن تسكتَ فيها بدلَ من أن تُعاتبَ، فاعلمْ أن مشاعرَك قد لبِسَت كفنَها، سامحني يا اللهُ حين أبكي على قضائِكَ وأنا أعلمُ بأنه خيرٌ لي، ولكنَّ قلبي ضعيفٌ أرهقتهُ الهمومُ يا اللهُ! هل أنا مُجبَرٌ على المسيرِ في هذا العالمِ البائسِ؟ لا أعتقدُ، لماذا لا تُمهلني الحياةُ قليلًا من الوقتِ حتى أستعيدَ أنفاسي؟ بالفعلِ هذه الحياةُ أرهقتني بضرباتِها المتتاليةِ، كلُّ ما أستطيعُ قولَه إني ميّتٌ على قيدِ الحياةِ، يبدو أن البقاءَ معي صعبٌ، فقد رحل الجميعُ".

بدأ يحثُّ الخُطى في مجالِ غرفته الضيّقةِ بيدهُ ذلك الكأسِ من الماءِ الذي بقي ممسكًا به لفترةٍ، التفتَ إليّ وقال:
"أَحيَانًا يَعجزُ اللِّسَانُ عَن النُّطقِ، فَيتكَلَّمُ الْقَلبُ بلُغَةٍ لَا تَحتَاجُ إِلَى سَمعٍ، بَل إِلَى إِحساسٍ، الاكتئابُ، يا صديقي، يشبهُ الغرقَ، باستثناءِ أنك تستطيعُ رؤيةَ الجميعِ من حولك يتنفسون، أنا متعبٌ؛ متعبٌ كعصفورٍ أجهَده الطيرانِ أثناءَ سقوطِ المطرِ، تعبتُ من البشرِ، وَمِن قُبحَ خَفَايِاهِم مَعَ بَعضِهِم، كلُّ الذين اعترفتُ لهم أن الحياةَ قاسيةٌ، لم يُقصِّروا، جعلوها أشدَّ قسوةً عليّ، تعبتُ من كلِّ الألمِ الذي أشعرُ به وأسمعُ عنه في العالمِ، لقد أصبحتُ أواجهُ كلَّ شيءٍ بالصمتِ، لأن الكلامَ يحتاجُ إلى جهدٍ، وأنا إنسانٌ منهك، بعض الناس يضحكُ ببكاء، وبعضهم حزينٌ، وبعضهم لا يُبالي بشيءٍ، هؤلاء كلُّهم أنا. تمرُّ عليك أوقاتٌ تتمنّى أن تعيشَ دونِ روحٍ، وكلُّ همِّك أن ينتهيَ يومُك حتى تتمكنَ من العودةِ إلى وَكرِكَ لتحاولَ النومَ، وتهربَ من الواقعِ قدرَ المستطاعِ، لكن لا أعرفُ كيف أقنعُ عقلِيَ المُشتَّتَ أن الليلَ خُلِقَ للنومِ لا للتفكيرِ، في كثيرٍ من الأحيانِ أتمنّى أن يحضُنني أحدٌ ما ويتركني أبكي ولا يسألني عمّا يحدثُ لي، روحي تؤلمني كثيرًا، سيأتي يومٌ يحضنني قبري، ويتوقف قلبي ويختفي صوتي، وتزولُ ابتسامتي، وربما رحيلي قريبٌ. هل تعرفُ يا صديقي أن الرغبة الوحيدة الذي أريدُ أن أنجِزَها في هذه الدنيا هي الخلاصُ منها؟ هذا هو الحلُّ الوحيدُ الذي يُريحُ، لكن على ما يبدو أنني لا أملكُ الشجاعةَ الكافيةَ للإقدام على ذلك".

سحب نفسًا عميقًا، مستأنفًا حديثَه، "من شدةِ الألمِ يزورني الموتُ كلَّ ليلةٍ، فلا يجد فّي شيئاَ يُميتُهُ فيرحلْ حزينًا، لا أريدُ أن أقتلَ نفسي، أنا فقط أريدُ النومَ الحقيقيَّ الذي ينامُه الأطفالُ قبل أن يُولدوا، ولكن عندما أموتُ، اكتبوا على قبري ’مات كثيرًا قبل وفاتِه‘. يَا صَدِيقِي، مَقبَرَة واحدةُ لَا تَكْفِي لِدَفن مَا قَتله النَّاس بِدَاخِلِيّ".

هنا انتصبَ واقفًا مادًّا بصره إلى الخارجِ من نافذةِ الغرفةِ، أرعبني كلامُه الأخيرُ، أحسستُ أنني لا أعرفُه، كلامُه يحمل الكثيرَ من الإيحاءاتِ التي تُصيبني بدُوارٍ مُربكٍ.
أرى الظلامَ يلفُّ عينيهِ، وأشعرُ بالعجزِ وأنا أراقبُه يغوصُ في سكونٍ مؤلمٍ. قلبي ينفطّرُ خوفًا عليه؛ كلُّ ابتسامةٍ مُزيّفةٍ تُذكّرني أنه يُخفي آلافَ الدموعِ، أحاولُ أن أكونَ جسرَ أمانِه، لكنني أخشى ألا تكفي كلماتِي لإنقاذِه من وحشةِ نفسِه. صار ينكمشُ كورقةِ خريفٍ، كأنّ الحياةَ تسحقهُ شيئًا فشيئًا دون أن أستطيعَ إيقافَها، أترقّبُ تحركاتِه بقلقٍ، كأنّي أخشى أن يذوبَ في الفراغِ إذا غفلتُ عنه لحظةً، حتى صوتُه صار همسًا... كأنّ الاكتئابَ سرقَ منه كلَّ ما يجعلُه "هو."
أعرفُ أنه يُحاربُ شياطينَ لا أراها، لكنّ عجزي عن رؤيتِها يجعلُ حَيْرتي أقسى. أحيانًا أتساءلُ: هل يكفي أن أكونَ بجانبهِ، أم أن سكوتي يُصبحُ جزءًا من ألمِه؟ أخافُ أن تبتلعَه الغيومُ السوداءُ، فيفقدَ آخرَ بصيصِ نورٍ كان يتمسّكُ به، كلُّ يومٍ أُصارعُ لأجلِ إعادتِه إلى الحياةِ، لكنّ الحربَ في داخلِه أشرسُ مما أتصوّرُ.

"أعلمُ أنك تمرُّ بوقتٍ عصيبٍ، وأنا هنا من أجلِك، هل تسمحْ لي بالجلوسِ معك لبعضِ الوقتِ؟"
ارتسمت على محياه ابتسامة خافتة متكلَّفة، هزُّ رأسَه بهدوء علامة الموافقةِ.
"شكرًا لك، لستُ هنا لأضغطَ عليك أو لأجعلك تفعل شيئًا لا ترغبُ فيه، أردتُ فقط أن أكونَ بجانبِك، وأن تعلمَ أنك لستَ وحدكَ."
ينظرُ إليّ للحظةٍ ثم يعيدُ نظرَه إلى الأسفلِ.
“هذا يعني لي الكثيرَ، شكرًا لوجودِك، يا صديقي”.

الجمود يلفُّ المكانَ، بَقِيَ متسمّرًا في وقفتِه أمامَ النافذةِ وعيناه تنظرانِ إلى اللاشيءِ، مضى كثيرٌ من الوقتِ ونحن في سكونٍ، ما عدا صوتَ القططِ والكلابِ في الخارجِ. 

استأذنتُه للخروجِ وجلبِ بعضِ الأكلِ والمشروباتِ والرجوعِ سريعًا حتى نأكله معًا، لم يَرُدّْ، أكدتُ عليه أن ينتظرَني لحينِ رجوعي من الخارجِ. خرجتُ وأنا في حيرةٍ من أمرِي، مما يُفكّرُ فيه هذا الإنسانُ المُتعبُ، هذا اليومُ يختلفُ عن كلِّ يومٍ لنا فيه لقاءٌ معًا، هذا اليومُ باحَ بمكنونٍ كان يَكتمُه منذ زمنٍ، كلامُه عن حالتِه أخافني عليه كثيرًا، قلقتُ عليه من أن يصلَ إلى حالةِ اضطراب نفسيٍّ تُفقِدُه عقلَه.

عُدتُ سريعًا أحمل كيسًا من الطعامِ الدافئِ — سندويتشاتٍ مُشبعةً بالخضرواتِ الطازجةِ، وأطباقًا ساخنةً مليئةً بالأرزِّ والدجاجِ المشويِّ — في محاولةٍ لإضفاءِ بعضِ البهجةِ على صديقي الغارقِ في الكآبةِ، مُحمّلًا بأملٍ خفيٍّ أن تُضيءَ هذه البادرةُ البسيطةُ شيئًا في ظلامِه.
قبل أن أصلَ إلى الغرفةِ، رأيتُ البوّابَ واقفًا عندَ المدخلِ الخارجيِّ، متسمّرًا كتمثالٍ من الرخامِ، عيناه تلتقطانِ التفاصيلَ بلا وعيٍ، مفتوحتانِ على اتساعِهما في ذهولٍ مطلقٍ أمامَ مشهدٍ مُرعبٍ، تجمّدَ في مكانِه، جسدُه يرتجفُ بينما عقلُه يُحاولُ معالجةَ المشهدِ، وجهُه أصبح شاحبًا، ويداه مشدودتانِ إلى صدرِه كأنَّه يمنعُ نفسَه من الانهيارِ، بينما أصواتُ الذبابِ الطائرِ حولَه تزيدُ من شعورِه بالرعبِ، كان يهمسُ لنفسِه بكلماتٍ متقطّعةٍ، يُصارعُ موجاتٍ متلاطمةً من الإنكارِ: "لا... هذا ليس حقيقيًّا"، ربما يرتجفُ داخليًّا، عاجزًا عن الصُراخِ ، كأنّ الجسدَ قد خانَه في لحظةِ المواجهةِ. خائِرُ الْقُوَى يَهْذي، مُحاصَرًا بين الخوفِ والصدمةِ، سكونٌ ثقيلٌ يلفُّه، كأنّ الزمنَ توقّفَ ليُطْبقَ عليه بثقلِ الكارثةِ.

حاولتُ أن أسألَه عمّا حدثَ، لكنّ الكلماتِ خانتْه، فأشار فقط بيدِه المرتعشةِ عالياً. 

جثةٌ معلّقةٌ بحبلٍ مربوطٍ في مروحةِ السقفِ المهترئةِ، الحبلُ يتأرجحُ بخفةٍ متناقضةٍ مع ثقلِ الجسدِ. 

صعدَ قلبي إلى حلقِي وأنا أدخلُ الغرفةَ، وكلُّ خطوةٍ تزيدُ من وطأةِ الخوفِ في صدري، تحوّلت خطواتي إلى جمودٍ، وها هي يداي تهويانِ وتسقطُ الوجبةُ على الأرضِ رمزًا لانكسارِ الوعدِ، المشهدُ سيظلُّ يُطاردني في أحلامي، صديقي، الذي وعدتُه بالطعامِ، الذي كنتُ آملُ أن أُخرجَه من عزلتِه، مُعلّقًا بلا حراكٍ في مروحةِ السقفِ. يا له من مشهدٍ مُروّعٍ! ألمٌ يعتصرُ قلبي، كنت آمل أن أعودَ حاملًا الأملَ، بدل أن أحمل الألم.

الغرفةُ تُشبهُ لوحةً سرياليةً، ضوءٌ خافتٌ يتسلّلُ من النافذةِ، ظلُّ الجسدِ يُلامسُ طاولةَ المكتبِ، والمروحةُ تدورُ ببطءٍ كأنّها ساعةٌ لا تعرفُ التوقّفَ، رائحةُ الموتِ تبدأُ بالانتشارِ، بينما يجثُم صمتٌ يُثقّلُ الأذنينِ، كلُّ التفاصيلِ العاديةِ تتحوّلُ إلى بقايا قصةٍ مظلمةٍ.

الحزنُ ثقيلٌ كغيومٍ لا تمطرُ، يتركُ فراغًا يصطادُ الأنفاسَ، الألمُ مُزدوجٌ، لوعةُ الفقدِ، ووجعٌ لمعاناةٍ لم تُخفّفْ. يغمرك شعورٌ بالفراغِ الذي لا يُملأُ، كأنّ جزءًا من روحِك اختفى، الدموعُ تتدفّقُ دون سابقِ إنذارٍ، أتذكّرُ إبتساماتِه الخافتةَ رغم الظلامِ الداخليِّ، تصبحُ كلُّ ذكرى لقاءٍ ثقلًا على الصدرِ، مختلطًا بالذنبِ، هل كان بإمكاني المساعدةُ أكثر؟َ

العالمُ يبدو أكثرَ برودةً، الحزنُ يتركُ جروحًا خفيّةً، تُذكّركَ بأنّ الفقدانَ يُغيّركَ إلى الأبدِ، إنّه ليس الموتُ فحسبُ، إنّه السكون الطويلُ الذي يسبقُ الانهيارَ، عن الغُرفِ المغلقةِ التي لا نطرقُها، عن الرسائلِ التي لم تُكتبْ، والقلوبِ التي ضاقتْ دون أن تجدَ من يحنو عليها.
الحزنُ يلفُّني على فقدانِه، وعلى معاناتِه التي انتهت بهذه الطريقةِ، بِالتّأكيدِ الحُزن لا يُحسِن التّخفّي، حتّى الأعمى يلمحهُ في اِنكساراتِ الصّوت وخفقاتِ القلبِ، أمّا نحُنّ فقد أدرنا أبصارَنا عنهُ وخذلناهُ في أحلّك أيّامهُ، فلم نكُن له سندًا وقتما كانت روحهُ تتهاوَى، ولم نمُدّ لهُ يدًا في اللّحظاتِ الّتي كان فيها يغرقُ وحيدًا، ويصرخُ بِلا صوتٍ يستنجِدُ بِنا، تمنيتُ لو أنني تمكّنتُ من مساعدتِه أكثرَ.

هدأ ضجيجُ الصَّدمةِ، وسكنتِ الغرفة، وجدتُ نفسي واقفًا وسطَ أطلالِ اللحظةِ، عاجزًا عن الفهمِ أو التفسيرِ.
تساءلتُ ألفَ مرّةٍ، كيف يمكنُ للإنسانِ أن يبلغَ هذا الحدَّ من اليأسِ دون أن نلمحَ في عينيهِ نداءَ الاستغاثةِ! كيف تُغادرُ الأرواحُ بينما تستمرُّ عجلةً الحياةُ في الدورانِ؟ هذه اللوحةُ القاسيةُ تُجسّدُ لحظةَ الانهيارِ التي يُدركُ فيها الإنسانُ صعوبة السَّيطرةِ على مصائرِ الآخرينَ، وحتميّةَ المواجهةِ مع الظَّلامِ وَالْمَجهُول.

 

 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في ثقافات