: آخر تحديث

رونق الفجر... وأنشودة المستقبل

2
1
2

 

مهداة إلى البطلة الصنديدة الإعلامية الآشورية مريم شموئيل

 

 

يا شميرامَ القرنِ الحادي والعشرين
يا ابنةَ آشورَ التي غسلتْ جبينَ الصبح من عَرَقِ الخوف
ووقفتْ، حين انحنتْ أعناقُ قومٍ كالسنبلةِ المملوءةِ الكبرياء
وكالمسلةِ السمراء لا تنحني للريح
ولا تمحو حروفَها أظافرُ العابرين.

يا نكهةَ النار في صقيعِ وجودنا
يا قبساً آشورياً شقَّ عباءةَ الغمام
فاستيقظتْ في نينوى أجراسُ المعابد
وارتعشتْ أجنحةُ الثيران المجنّحة فوق بواباتِ الزمان.

أشرقتِ كالشمس من بين ركامِ الصمت
وخرقتِ حجابَ الخوف
وسمّيتِ الأشياءَ بأسمائها الحقيقية
لا يرتجفُ الحرفُ بين شفتيكِ
ولا يضلُّ المعنى طريقَه إلى الحقيقة.

كان قلبُكِ ينزفُ ناراً
وكان صوتُكِ يرتجُّ في وجهِ الزيف كالسيف
ويهبطُ فوق موائدِ المساومين كصاعقةٍ من غضبِ الآلهة القديمة.

قلتِها، والقولُ في زمنِ الخنوع بطولة: هذه أرضُ آشور
أرضي وأرضُ آبائي وأجدادي
أرضُ الذين نقشوا أسماءهم على ألواحِ الطين
وأوقدوا أولَ قنديلٍ في دهاليزِ الحضارة
وعلّموا الحرفَ أن يمشي منتصباً فوق سطورِ الخلود.

هذه أرضُ آشور
من خابورِنا المتعب حتى سهولِ نينوى
ومن قممِ هكاري وطور عبدين حتى ضفافِ دجلة والفرات
كلُّ حجرٍ فيها يحفظُ اسمَنا
كلُّ نهرٍ يردّدُ تراتيلَنا
وكلُّ حفنةِ ترابٍ تضمُّ في أحشائها عظامَ جدٍّ آشوري
مات وهو يعانقُ جذورَه.

 

يا مريمُ... يا أختَ عشتارَ في جلالِ حضورها
ويا حفيدةَ نينوى في عنفوانِها
وقفتِ على فوهةِ الريح دون مبالاة
ومن حولكِ كان الخوفُ يبيعُ ضميرَه
وكانتِ الأقنعةُ تُخفي وراء ابتسامتها وجوهاً أرهقها العار.

لكنّكِ لم تساومي
لم تستبدلي تاريخَ آشور بكرسيٍّ زائل
ولم تبيعي ترابَ الأجداد لقاءَ حفنةِ وعود
بل رفعتِ صوتَكِ كرايةٍ فوق الخرائب
وقلتِ لمن شوّهوا وجهَ الحقيقة: الاحتلالُ هو الاحتلال

مهما بدّل أسماءَه
ومهما طلى قيودَه بألوانِ الشعارات
والحقُّ يبقى حقاً ولو حاصرته البنادق
ولو تواطأتْ عليه منابرُ الأرض.

لسنا ضيوفاً في ديارنا
ولا ظلالاً عابرةً فوق جدرانِ التاريخ
نحنُ أصلُ الحكاية
وأولُ سطرٍ في كتابِ الرافدين
نحنُ الذين فتحوا للفجرِ نافذة
وشيّدوا من الطين ممالكَ لا تزالُ
تملأ الدنيا مهابةً وضياء.

قبلَ خرائطِ الطامعين... وقبلَ حدودِ الغزاة
وقبلَ أن تتناسلَ فوق أرضنا الراياتُ الدخيلة
كانت آشورُ هنا
تمشّطُ شعرَ الشمس بمياهِ دجلة 
وتعلّقُ قلائدَ النجوم على صدرِ نينوى
وتكتبُ بالمسامير وصايا الخلود.

هنا وُلدنا
وهنا صلّينا
وهنا دفنّا أحلامَنا وشهداءَنا
وهنا ستبقى جذورُنا أعمقَ من معاولِ المحو
وأقوى من صفقاتِ السياسة
وأبقى من جميعِ الطارئين.

 

يا مريمُ...
يا مصباحَ دوجين في قلبِ الظهيرة
من أين جئتِ بكلِّ هذا الضوء
حتى أضاء صوتُكِ سراديبَ أرواحنا؟

من أين جئتِ بكلِّ هذا الكبرياء
حتى خُيّل إلينا أن شميرامَ قد عادت
تمشي فوق أسوارِ نينوى
وتجمعُ شتاتَ أبنائها تحت جناحِ آشور؟

حين تكلّمتِ...
نهضَ سرگونُ من رقاده
وفتحَ آشوربانيبال أبوابَ مكتبته
وأطلَّ سنحاريبُ من شرفاتِ قصره
وأصغى الملوكُ جميعاً إلى فتاةٍ آشورية
تحرسُ بلسانها حدودَ البلاد.

حين تكلّمتِ سمعنا صهيلَ خيولنا يعبرُ سهولَ الزمن
ورأينا راياتِنا تنهضُ من رمادها
ورأينا الأمهاتِ الثكالى يمسحنَ دموعهنّ بطرفِ الرجاء.

أنتِ لم تكوني امرأةً وحيدة في ذلك اللقاء
كان خلفكِ مليونُ صوتٍ مخنوق
وألفُ قريةٍ مذبوحة
وأجراسُ كنائسَ أرهقها الحنين
وقبورُ شهداءَ تنتظرُ من يناديها بأسمائها.

 

كان خلفكِ الخابور ودجلة والفرات
والزاب الكبير
وكل جبال آشور
تحملُ جراحَها وتمشي معكِ
وكانت نينوى تطلُّ من عينيك وتقول:

أنا لم أمت... ولن أموت!

فامضي، يا ابنةَ آشور ولا تلتفتي إلى نعيقِ الخائفين
فالطريقُ إلى الحقيقة كثيرُ الأشواك
لكنّ أقدامَ الأبطال تُزهرُ فوق جراحه.

امضي... واجعلي من صوتكِ بوابةً للفجر
ومن كلماتكِ مزاميرَ قيامة
ومن شجاعتكِ خبزاً لأطفالِ آشور
كي يكبروا دون أن يخجلوا من أسمائهم
ودون أن يستأذنوا أحداً ليحبّوا أرضَ آبائهم.

قولي لهم: إنّ آشورَ ليست حجراً في متحف

ولا اسماً غابراً في كتاب
ولا إمبراطوريةً ابتلعها الماضي
آشورُ دمٌ يجري في عروقنا
وصلاةٌ تسكنُ أفواهَ أمهاتنا
وهويةٌ لا تباع
ووطنٌ لا يسقط بالتقادم.

قولي لهم: قد نسامحُ لكننا لا ننسى

وقد نمدُّ أيدينا للسلام
لكننا لا نسلّمُ مفاتيحَ الدار
فالأخوّةُ عدلٌ والتعايشُ اعترافٌ
والسلامُ الذي يُبنى فوق إنكارِ صاحبِ الأرض
ليس سوى قيدٍ تزيّنه الكلمات.

سنحيا مع الآخرين بكرامةٍ وسلام
لكننا لن نقبلَ أن يُمحى اسمُ آشور
أو تُنسبَ ديارُ أجدادنا إلى سواها
أو يصبحَ أصحابُ البيت غرباءَ عند بابه.

 

طوبى لصوتكِ حين أعادَ إلى الحروفِ شرفَها
وطوبى لقلبكِ حين اختارَ نارَ الحقيقة
ولم يخترْ دفءَ الصمت.

سلامٌ عليكِ، يا مريم
يوم وقفتِ وحدكِ... فكنتِ شعباً
ويوم نطقتِ باسمِ آشور فكنتِ وطناً
ويوم رفعتِ رأسكِ فرفعتِ معنا رؤوسَ أجيال.

سيكتبُ التاريخُ
أن امرأةً آشورية وقفتْ في وجهِ الريح
ولم تنحنِ
وأن صوتَها كان رونقَ الفجر وأنشودةَ المستقبل
وكان في ليلِنا الطويل بشارةَ القيامة.

هذه أرضُ آشور
أرضي وأرضُ آبائي وأجدادي
فوق ترابها وُلدتْ أسماؤنا
وتحت ترابها نامَ شهداؤنا
وفي سمائها ستظلُّ رايتُنا تعانقُ الشمس.

وستبقى آشور ما دام فينا قلبٌ ينبض ولسانٌ ينطق
وطفلٌ يتهجّى اسمَ نينوى
وأمٌّ توقدُ عند المساء قنديلاً لعودة الغائبين.

ستبقى آشور لا وهماً ولا ذكرى
بل وطناً حيّاً
ينهضُ كلَّ صباح من بين أضلاعنا
ويعلنُ للدهر: أنا هنا

هنا كانت جذوري
وهنا سيكونُ غدي
وهذه أرضي
وأرضُ آبائي وأجدادي.

 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في ثقافات