لم تكن الحرب التي اندلعت في السودان في 2023 مجرد صدام عسكري دمّر المدن وشرد الملايين، بل كانت أيضاً زلزالاً اجتماعياً وسياسياً أحدث تحولات جذرية وعميقة في تفكير المواطن السوداني ونظرته للحياة والمشهد السياسي، متجاوزة تماماً الأطر والمفاهيم التي كانت سائدة خلال الفترة الانتقالية التي أعقبت ثورة 2018.
فقد تبدلت، تحت وطأة المعاناة، أولويات قطاعات واسعة من المواطنين، وتغيرت نظرتهم إلى الدولة والسياسة والأمن ومستقبلهم. ومن هنا يبرز سؤال جوهري: هل تتيح هذه التحولات فرصة لإعادة بناء التوافق الوطني على أسس جديدة؟
خلال الفترة الانتقالية، تصدرت شعارات الحرية والسلام والعدالة، إلى جانب قضايا التحول الديمقراطي وتقاسم السلطة، النقاش العام. أما اليوم، فقد فرضت الحرب أولويات أكثر إلحاحاً: الأمن، وتوفير الغذاء والدواء، وحماية الممتلكات، والعودة إلى المنازل، والحفاظ على الدولة من الانهيار الكامل والتقسيم.
لا يعني ذلك أن السودانيين تخلوا عن تطلعاتهم إلى الحرية والديمقراطية، بل إن التجربة القاسية أعادت ترتيب الأولويات، وجعلت تحقيق هذه التطلعات مرتبطاً بوجود دولة قادرة على حماية مواطنيها وتوفير الحد الأدنى من مقومات الحياة. فعلى الرغم من الانتقادات الحادة التي يوجهها المواطنون لتاريخ أداء الحكومات السودانية، فإن تجربة هذه الحرب تحديداً، ولّدت قناعة بأن الدولة - بأي شكل كانت - هي صمام الأمان ضد الفوضى الشاملة.
أضعفت الحرب ثقة قطاعات من المواطنين بالنخب التي تصدرت المشهد بعد الثورة. فقد أسهمت الصراعات السياسية والاستقطاب الحاد في تعميق الانقسامات، وساهمت بشكل مباشر أو غير مباشر في المناخ الذي أدى في النهاية لاندلاع هذه الحرب المدمرة.
في المقابل، أعادت الحرب تشكيل نظرة قطاعات واسعة إلى المؤسسة العسكرية، إذ بات الحفاظ على الجيش، لدى كثيرين، مرتبطاً ببقاء الدولة ووحدتها في مواجهة تهديد وجودي، بصرف النظر عن الخلافات السابقة بشأن دوره السياسي. كما نمت هوة واسعة بين المواطنين و«قوات الدعم السريع»، بفعل ما ارتكبته من قتل وانتهاكات وعمليات نهب واعتداءات على المدنيين وممتلكاتهم، وتدمير للبنى التحتية ومنشآت الدولة ومؤسساتها الخدمية والتعليمية والتاريخية والثقافية. وترافق ذلك مع رفض الناس أي بدائل لمؤسسات الدولة، وأي محاولات لإنشاء كيانات وإدارات مدنية موازية، خوفاً من سيناريوهات التقسيم.
لم تقتصر آثار الحرب على السياسة، بل امتدت إلى النسيج الاجتماعي، حيث تصاعدت خطابات الكراهية والاستقطاب القبلي والجهوي، وتعرضت الثقة بين مكونات المجتمع لاختبارات قاسية. كما أدى تسييس الإدارة الأهلية واستغلال الحواضن الاجتماعية في الصراع إلى تأجيج القبلية والجهوية وتفتيت النسيج الاجتماعي.
لكن الحرب كشفت، في الوقت نفسه، عن قدرة المجتمعات المحلية على المبادرة والتضامن وتطوير وسائل الاعتماد على الذات. فقد اضطلعت غرف الطوارئ والتكايا والمبادرات الشبابية بأدوار أساسية في توفير الغذاء والرعاية ومساعدة المتضررين، في ظل غياب الخدمات وتعطل مؤسسات الدولة. ويعكس ذلك انتقالاً من انتظار الحلول القادمة من النخب والسلطات، إلى الاعتماد على المبادرة المجتمعية، من دون أن يعفي الدولة من مسؤولياتها. وفي هذا الإطار أيضاً انخرطت قطاعات واسعة في «المقاومة الشعبية» للدفاع عن مناطقهم، أو لمساندة الجيش.
تضعنا هذه التحولات أمام حقيقة أساسية: لا يمكن استئناف العملية السياسية من النقطة التي توقفت عندها قبل أبريل (نيسان) 2023، وكأن الحرب لم تقع. فقد تغيرت الأولويات، وتبدلت موازين الثقة، واتسعت دائرة المتضررين، وأصبحت قضايا الأمن ووحدة الدولة وعودة النازحين واللاجئين وجبر الضرر والتعايش السلمي في صدارة أي مشروع وطني.
ومن ثم، فإن فرصة حوار سوداني - سوداني شامل، بملكية وقيادة سودانيتين، تتطلب الاعتراف بأن مرحلتي ما قبل الحرب وما بعدها تختلفان في الظروف والتحديات، وأن ترتيبات المحاصصة القديمة والرؤى التي حكمت المرحلة الانتقالية لا تصلح، بالضرورة، أساساً كافياً للمستقبل.
المطلوب ليس إقصاء القوى السياسية، بل توسيع المشاركة لتشمل المدنيين المتضررين، والشباب والنساء، والنازحين واللاجئين والمغتربين، والمجتمعات المحلية، وسائر القوى الاجتماعية والسياسية، مع الاتفاق على معايير واضحة للمشاركة والمسؤولية.
كما ينبغي ألّا يتحول الحوار إلى مساومة بين النخب على السلطة. فوقف الحرب، وحماية المدنيين، وخروج القوات من الأعيان المدنية، واستعادة مؤسسات الدولة، وضمان عودة آمنة وكريمة للمتضررين، ورفض خطاب الكراهية، تمثل قضايا لا يمكن تجاوزها.
لقد كلفت الحرب السودانيين ثمناً باهظاً، لكنها كشفت أيضاً حدود المقاربات السياسية التي لم تستطع منع الانهيار. والفرصة اليوم ليست للعودة إلى مشهد ما قبل الحرب، بل لبناء توافق جديد يستوعب دروسها ويستجيب لتحولات المجتمع. فالحوار السوداني - السوداني لا ينجح بمجرد جمع الأطراف حول طاولة واحدة، وإنما بقدرته على استعادة ثقة المواطنين، وربط السياسة بحاجاتهم الفعلية، ووضع أسس دولة تحمي الجميع من دون تمييز. تلك هي المهمة التي ينبغي أن يتقدم إليها السودانيون معاً، قبل أن تصبح كلفة التأخر أكبر مما تبقى للبلاد من قدرة على الاحتمال.

