: آخر تحديث

بين دعم الدخل وترشيد استهلاك الموارد

5
5
5

في خطوة تعكس مكانة المواطن في صدارة أولويات واهتمامات القيادة السعودية الرشيدة، وحرصها الدائم على أن ينعم بحياة كريمة ومستوى معيشي مزدهر، جاءت توجيهات خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود – حفظه الله – بناءً على ما عرضه صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء – حفظه الله – بإقرار حزمة من الإجراءات الداعمة للمواطنين، بالتزامن مع تعديل تعريفتي استهلاك الكهرباء والمياه مطلع العام المقبل.

ويأتي في مقدمة هذه الإجراءات الدعم الشهري البالغ 500 ريال، الذي يشمل شرائح واسعة من المواطنين، من الموظفين المدنيين والعسكريين والمتقاعدين المشمولين بنظام التأمينات الاجتماعية، فضلًا عن الأسر المستفيدة من الضمان الاجتماعي.

ولا تقتصر هذه الإجراءات على تقديم الدعم للمواطنين للتخفيف من الأعباء المالية المترتبة على زيادة تعريفتَي المياه والكهرباء، بل تمتد إلى نطاق أوسع من المبادرات والإجراءات الهادفة إلى تعزيز مستوى المعيشة، ومن بينها تحسين مستويات أجور السعوديين العاملين في القطاع الخاص.

إن دلالات هذه الإجراءات لا تقتصر على قيمتها المالية المباشرة، بل تتجاوز ذلك لتعكس نهجًا متوازنًا يجمع بين متطلبات الإصلاح الاقتصادي لقطاعين حيويين، هما المياه والكهرباء، وضرورة حماية دخل الأسرة السعودية والحد من انعكاسات ارتفاع تكاليف الخدمات الأساسية على مستوى معيشتها.

ومع دخول التعريفات الجديدة حيز التطبيق في الأول من يناير 2027، يبرز التساؤل الأهم: إلى أي مدى سينجح الدعم الجديد في امتصاص الزيادة في فواتير الكهرباء والمياه؟ وكيف سيختلف أثر الـ 500 ريال بين أسرة وأخرى باختلاف مستوى الدخل وحجم الأسرة وأنماط الاستهلاك؟

هذه الأسئلة تفتح الباب لقراءة أوسع في أثر الحزمة الجديدة على مختلف فئات الأسر السعودية، وما تمثله من تعزيز لشبكة الحماية الاجتماعية في مرحلة تشهد تحولات اقتصادية متسارعة.

وفي هذا السياق، فإن تحقيق المواطن أقصى استفادة ممكنة من هذا الدعم يرتبط، إلى حد بعيد، بمدى كفاءة استخدامه لموردي المياه والكهرباء وترشيد استهلاكهما؛ فكلما كان الاستهلاك أكثر وعيًا وترشيدًا وكفاءة، أمكن الحد من أثر التعريفة الجديدة على فاتورتي المياه والكهرباء، وتعظيم الأثر الحقيقي للدعم على دخل الأسرة ومستوى معيشتها.

ومن هنا، تبرز أهمية تبنّي الأسر عددًا من الممارسات التي تسهم في رفع كفاءة استهلاك المياه والكهرباء، دون المساس بمستوى الراحة وجودة الحياة. ويأتي في مقدمتها الحرص على توفير العزل الحراري الجيد للمنازل للحد من استهلاك أجهزة التكييف، واستخدام الإنارة الموفرة للطاقة، مثل مصابيح «LED»، والأجهزة الكهربائية عالية الكفاءة، إلى جانب ضبط درجة حرارة أجهزة التكييف عند نحو 24 درجة مئوية، وهي الدرجة التي يوصي بها المركز السعودي لكفاءة الطاقة لما تسهم به في التوفير وتقليل الجهد على أجهزة التكييف. كما ويوصي المركز بتنظيف مرشحات أجهزة التكييف بصورة دورية، بمعدل مرة كل أسبوعين، لما لذلك من أثر في تحسين كفاءة عملها والحد من استهلاكها للطاقة، فضلًا عن الاستفادة من التقنيات الذكية في التحكم بالتشغيل ومراقبة معدلات الاستهلاك.

وفي جانب المياه، تتسع فرص الترشيد لتشمل العديد من الممارسات اليومية، مثل الحد من استخدام المياه بكميات كبيرة في غسل المركبات والأحواش والساحات المنزلية، والاستعاضة عن تدفق المياه المستمر بوسائل تنظيف أكثر كفاءة، إلى جانب استخدام أنظمة الري الحديثة والري بالتنقيط للحدائق، واختيار الأوقات المناسبة للري للحد من الفاقد بالتبخر، والكشف الدوري عن تسربات المياه وإصلاحها، وتركيب الأدوات الصحية المرشدة للاستهلاك. وهذه الممارسات والسلوكيات قد تبدو بسيطة كلٌّ على حدة، إلا أن أثرها التراكمي يمكن أن يحدث فارقًا ملموسًا في حجم استهلاك الأسرة وفاتورتها الشهرية.

ولا ينبغي النظر إلى هذه الممارسات باعتبارها مجرد وسائل لخفض قيمة الفواتير، بل بوصفها استثمارًا طويل الأجل في كفاءة المنزل وحسن إدارة الموارد، بما يتيح للأسرة تعظيم الاستفادة من الدعم المقدم لها، والحد من استنزافه في تكاليف المياه والكهرباء، وتوجيه جزء أكبر منه إلى احتياجاتها المعيشية الأخرى. كما يتجاوز أثر الترشيد حدود التوفير المالي ليشمل المحافظة على الموارد الطبيعية، وتعزيز استدامتها، وضمان استمرارية الاستفادة منها للأجيال القادمة، بما يرسخ ثقافة الاستهلاك المسؤول ويجمع بين المصلحة الأسرية والمسؤولية البيئية.

وفي موازاة الدعم المباشر، يأتي رفع الحد الأدنى للأجر المحتسب كاملًا في نسب التوطين ضمن برنامج «نطاقات» خطوةً تستهدف تحسين دخول المواطنين والمواطنات، وتعزيز فرص توظيفهم، ورفع جاذبية وظائف القطاع الخاص واستدامتها، بما يسهم في توفير دخل مناسب، ودعم الاستقرار الوظيفي، والإسهام في خفض معدلات البطالة. ويأتي تطبيق القرار على مرحلتين؛ الأولى في 25 أبريل 2027 برفع الحد الأدنى إلى 5 آلاف ريال شهريًا، والثانية في 25 أبريل 2028 إلى 6 آلاف ريال، لمنح منشآت القطاع الخاص فرصة للتكيف التدريجي، ومراجعة هياكل الأجور والتكاليف التشغيلية، واستيعاب المتطلبات الجديدة دون إرباك خطط التوظيف.

وفي المحصلة، تتكامل هذه الإجراءات لتجسد نهجًا يوازن بين متطلبات الإصلاح الاقتصادي ومراعاة الأبعاد الاجتماعية والمعيشية للمواطن. ويبقى تعظيم أثرها مسؤولية مشتركة؛ فكما تعمل الدولة على دعم دخل الأسرة وتخفيف الأعباء عنها، يستطيع المواطن الإسهام بترشيد استهلاكه ورفع كفاءة استخدام موارده، بما يحول الدعم إلى أثر مستدام يتجاوز قيمته المالية المباشرة.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد