كانت الفكرة بسيطة، بالرغم من طابعها الاستعماري البشع، وتمثلت في قيام الحركة الصهيونية بنفس الأفعال التي سبق أن قامت به القوى الاستعمارية الأوروبية، من بريطانية وفرنسية وبلجيكية وغيرها، والتي تمثلت في اختيار أرض وشعب، والسعي لاحتلاله، وقتل أكبر عدد منه، وإحلال أعداد كبيرة من شعوبهم، خاصة من أصحاب السوابق والمساجين والعاطلين عن العمل، مكانهم، كما حصل في استراليا وجنوب أفريقيا، وناميبيا، والكونغو، ونيوزيلندا، والولايات المتحدة، وغيرها، وهذا ضمن للحركة الصهيونية عدم اعتراض القوى الأوروبية على ما ستقوم به، من جانب أخلاقي على الأقل، لأنها سبق وأن قامت بمثله. كما أن خروج اليهود من أوروبا كان مطلب الكثير من سياسيي أوروبا في حينه (من منطلقات معاداة السامية)، ولا تزال هذه المشاعر حية بينهم.
ما يدحض بقوة خرافة أن فلسطين كانت دائما «أرض الميعاد»، ما جرى في المؤتمر الصهيوني الأول من نقاش قوي وجاد تعلق في اختيار «الوطن الأفضل»، الذي سيتم تهجير يهود أوروبا له، وكانت الآراء تتراوح بين الأرجنتين أو أوغندا، قبل أن «يقع الاختيار» على فلسطين، لتكون، مصادفة، «أرض الميعاد». ثم عقد مؤتمر «سان ريمون»، وقبلها «وعد بلفور»، ليعطي الإشارة لبريطانيا لتسهيل هجرة يهود أوروبا إلى فلسطين، وتاليا صدور قرار تقسيمها، من قبل الأمم المتحدة، عام 1947، وإعلان اليهود قيام دولتهم عام 1948.
تضمن كتاب «وهم الحضارة الغربية»، منشورات تكوين، حجم الإبادة الجماعية، التي تعرض لها الشعب الفلسطيني، وكانت آخرها في غزة. وبيّن «حميد دباشي»، مؤلف الكتاب، حيثيات الامتحان الذي سقطت فيه الحضارة الغربية، والحلف القذر، بين الطرفين، وأن دعم الغرب لإسرائيل كان نتيجة سنوات طويلة «التخادن غير الأخلاقي» بين الطرفين. فما حدث ويحدث في غزة اليوم ليس استثناء، بل هو تكرار لما سبق أن وقع في عشرات الدول التي تعرضت للغزو والاستعمار من تلك القوى، ودليل إفلاس واضح، وحجم الغضب الذي رأيناه في بعض العواصم الأوروبية، على مذابح غزة، ما هو إلا محاولة من بعض أصحاب الضمائر الحية لاستعادة مجتمعات تلك الدول ومثقفيها لما فقدوه من أخلاق. فإبادات غزة ما هي إلا تكرار لإبادات استعمارية سابقة. وبالتالي فإن وجود إسرائيل غير طبيعي، كما كان وجود فرنسا في الجزائر وفي فيتنام، خلال الحقبة الاستعمارية، غير طبيعي، فهي تتواجد في محيط معاد لها، ولا يمكن أن يصبح يوما مسالما ومتعايشا معها، ومن السخف بالتالي الاعتقاد أن يهود إسرائيل سيشعرون يوما بالأمان، أو أن الظروف ستدفعهم لأن يصبحوا القاطرة التي ستجر «أعداءهم» نحو التقدم والحضارة، كما يشتهي البعض ويروج، فهي ليست بذلك الغباء، وخير دليل على ذلك، أنها، وبعد أربعين عاما من السلم مع دول عربية، فشلت في أن تخلق مجتمعات أقل عداء لها، فلا تزال كراهيتها مترسخة، والعداء لها واضحا، وهذا رسخ رغبتها الأصلية والحقيقية في عدم المساهمة يوما في رفعة وتقدم أعدائها، ولم ولن تتبرع يوما بتقديم شيء من «خبراتها وتقنياتها» لها.
أحمد الصراف

