: آخر تحديث

من اتفاقية مكة إلى طهران: هل اقترب السلام أم الحرب حتمية؟

5
6
4

ليست كل مفاوضات علامة على اقتراب السلام، كما أن كل استعداد عسكري لا يعني أن الحرب أصبحت حتمية. ففي السياسة الدولية، لا يكفي أن تتوازن القوى كي يستقر السلام، فقد يتحول التوازن، حين تغيب التفاهمات القادرة على احتواء تضارب المصالح، من أداة لردع المواجهة إلى عامل يفاقم احتمالاتها.

ومن هذا الخيط الدقيق بين القوة والدبلوماسية، تكتسب التحركات الممتدة من اتفاقية مكة إلى اجتماع طهران دلالتها الاستراتيجية. فالسؤال لا يتعلق بمجرد اجتماع أطراف إقليمية حول طاولة واحدة، بل بقدرة هذا المسار على تحويل توازن القوة والمصالح إلى معادلة أكثر استقرارًا للأمن الإقليمي، أم أن التباينات السياسية والضغوط العسكرية ستبقي الدبلوماسية محاصرة بحدود يصعب تجاوزها؟

وبالرغم من ذلك تُطرح الدبلوماسية أولًا، ولكن إلى متى؟

لا أرى أن إغلاق أبواب التفاوض هو الخيار الأفضل كلما تعقدت الأزمات. فالحوار، حتى بين الأطراف الأكثر اختلافًا، يظل وسيلة لاختبار النيات، واحتواء التصعيد، والبحث عن مخارج سياسية قبل أن تصبح كلفة المواجهة أكبر من قدرة الدول على تحمّلها.

لكن إبقاء باب الدبلوماسية مفتوحًا لا يعني منح الوقت بلا حدود، ولا التعامل مع كل جولة تفاوضية باعتبارها تقدمًا بحد ذاتها.

وهنا يبرز السؤال: هل يمكن أن يؤدي منح الدبلوماسية مزيدًا من الوقت إلى تفاهمات فعلية، أم أن استمرار التوتر والهجمات المنسوبة إلى الحوثيين، الذين تتهمهم السعودية بالارتباط بإيران، يجعل الحاجة إلى ضمانات أكثر وضوحًا وإجراءات قابلة للتحقق أمرًا لا يمكن تأجيله؟

الدبلوماسية التي لا تستند إلى حماية المصالح وآليات متابعة واضحة قد تتحول إلى عملية مفتوحة بلا نتائج، فيما قد يؤدي التخلي عنها مبكرًا إلى إغلاق فرص كان يمكن أن تمنع التصعيد.

السعودية وحلف مكة: هل يتعارض التفاوض مع الردع؟

أثار توجه السعودية إلى المشاركة في اجتماع طهران قراءات متباينة، فهناك من رأى في الخطوة فرصة لاحتواء التوتر، ومن تساءل عن جدوى الحوار مع إيران في ظل استمرار الملفات الخلافية.

لكن زيارة طهران لا تعني بالضرورة تراجع السعودية عن حساباتها الأمنية، كما أن التفاوض لا يساوي التنازل. ويمكن قراءة الخطوة في سياق محاولة إدارة المخاطر من خلال أكثر من مسار: الإبقاء على أدوات الردع، وتعزيز التعاون الدفاعي مع الشركاء، وفتح قنوات مباشرة لمعالجة مصادر التوتر.

وهنا تبرز أهمية اتفاقية مكة للدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان، التي تنطلق من مبدأ التعاون في مواجهة الاعتداءات على الدول الأعضاء. فوجود إطار دفاعي مشترك لا يلغي الحاجة إلى الحوار، بل قد يمنح الأطراف مساحة أوسع للتفاوض من موقع يتيح لها حماية مصالحها.

والتعامل مع إيران دبلوماسيًا يضع الدول الثلاث أمام مهمة دقيقة: منع التصعيد من دون إضعاف مصداقية التزاماتها الدفاعية.

من يصنع الأمن الإقليمي؟

تدفع إيران باتجاه مفهوم الأمن الذي تتولى دول المنطقة مسؤولية بنائه، بعيدًا عن التدخل الخارجي. لكن تطبيق هذا التصور يواجه تحديًا أساسيًا: كيف يمكن بناء أمن مشترك بين دول تختلف في تحالفاتها، وتقديراتها للتهديدات، وتعريفها لما يشكل استقرارًا إقليميًا؟

كما أن الدور الأميركي لا يمكن تجاهله في هذه المعادلة. فالولايات المتحدة تمتلك مصالح وأدوات تأثير في المنطقة، وترتبط بعلاقات أمنية مع عدد من دولها. لذلك، فإن الحديث عن استقلالية القرار الإقليمي لا يعني افتراض أن واشنطن ستنسحب من المشهد، بل يفتح سؤالًا حول حدود قدرة الدول الإقليمية على تنسيق مواقفها وإدارة خلافاتها، حتى في ظل استمرار التأثير الأميركي.

فلا يكفي إعلان الرغبة في أمن تصنعه دول المنطقة بنفسها، إذ يتطلب ذلك تفاهمات عملية، وقواعد واضحة لإدارة الأزمات، واستعدادًا للتعامل مع مخاوف الأطراف المختلفة بدلاً من الاكتفاء بتأكيد المواقف السياسية.

هل نحن أمام محاولة أخيرة أم مواجهة محتملة؟

لا يمكن الجزم بأن اجتماع طهران يمثل الفرصة الأخيرة للدبلوماسية، كما لا يمكن اعتبار الحرب نتيجة حتمية للتوتر القائم. لكن تعدد مسارات التصعيد، وتداخل الملفات الأمنية، واستمرار الخلافات، كلها عوامل تجعل نتائج الحوار أكثر أهمية من مجرد انعقاده.

وإذا كان الهدف من هذا الاجتماع فتح نافذة جديدة للتفاهم، فإن قيمة الخطوة ستتحدد بقدرتها على إنتاج نتائج ملموسة: خفض التوتر، والحد من الهجمات، وتطوير قنوات اتصال فعالة، والتوصل إلى تفاهمات تقلل احتمالات سوء التقدير والانزلاق إلى مواجهة أوسع.

وهنا أستحضر أفكار هنري كيسنجر حول توازن القوى، والتي تبدو مفيدة لفهم أن الاستقرار لا يتطلب بالضرورة إنهاء التنافس بين الدول، بل إدارة هذا التنافس ضمن حدود تمنع تحوله إلى صراع مفتوح. كما تذكّرنا مقاربات توماس شيلينغ للعلاقة بين القوة والتفاوض بأن أدوات الضغط قد تفتح باب التسوية، لكنها قد تزيد المخاطر أيضًا إذا أسيء تقدير حدودها.

القوة ليست في رفض التفاوض دائمًا، ولا في التفاوض بأي ثمن، بل في القدرة على حماية المصالح وتحويل التفاوض إلى نتائج.

من اتفاقية مكة إلى طهران، لا تكمن المسألة في معرفة ما إذا كان السلام قد اقترب لمجرد أن الأطراف جلست إلى طاولة واحدة، ولا في افتراض أن الحرب باتت حتمية بسبب استمرار الخلافات. المسألة الحقيقية هي ما إذا كانت دول المنطقة قادرة على تحويل الحوار إلى تفاهمات قابلة للاستمرار، والردع إلى وسيلة لحماية الاستقرار بدلاً من أن يصبح مقدمة لمواجهة جديدة.

فالدبلوماسية لا تُقاس بعدد الأبواب التي تفتحها، بل بما تستطيع تحقيقه عبرها، والردع لا يكتسب قيمته بمجرد امتلاك القوة، بل بقدرته على حماية المصالح ومنع الانزلاق إلى حرب لا يستطيع أحد التحكم في نتائجها وكارثية تداعياتها ليس على دول المنطقة فحسب، بل على العالم بأسره.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.