: آخر تحديث

هل يأتي اليمنَ دورُه بعد الصين؟

7
8
6

تتداول بعض المنصات أنباء غير مؤكدة عن وفاة عبدالملك الحوثي وآخرين من قيادات جماعته. لكن السؤال الذي جال في خاطري ورأيته يستحق التأمل يتجاوز صحة الخبر:

- هل يمكن أن تتغير السلطة الحوثية، برحيل قائدها أو حتى في حياته، فتنتقل من تعبئة المجتمع للحرب إلى تعبئة موارده للحياة؟

- وهل تقدم الصين، التي تبدلت أولوياتها بعد ماو تسي تونغ، ما يساعدنا على التفكير في يمن مختلف؟

لا أفترض أن اليمن يشبه الصين، ولا أن رحيل زعيم يصنع نهضة. وإنما أتساءل عن قدرة الأنظمة العقائدية على مراجعة نفسها، بعدما يكتشف المجتمع أن الشعارات لا تطعمه، وأن إدامة المواجهة لا تبني له مستقبلًا.

مات ماو في أيلول (سبتمبر) 1976، لكن الصين لم تستيقظ في اليوم التالي دولة مزدهرة. خلفه هوا قوه فنغ، ثم تعزز موقع دنغ شياو بينغ حتى أصبح قائدها الفعلي عام 1978. وجاء التحول عبر صراع داخل القيادة ومراجعة للسياسات، انتقلت معها الأولوية تدريجيًا من الحملات العقائدية والصراع الطبقي إلى الإنتاج والتحديث والانفتاح الاقتصادي. كانت وفاة ماو فرصة لتغيير الاتجاه، أما التغيير نفسه فاحتاج إلى قيادة وقرارات ومؤسسات تنفذها.

ولم يكن ما جرى انتقالًا إلى الديمقراطية، فقد بقي احتكار الحزب للسلطة، ولم يصاحب الإصلاح الاقتصادي انفتاح سياسي مماثل، كما أظهر قمع احتجاجات تيانانمن عام 1989. ولهذا لا يصح تقديم التجربة الصينية باعتبارها وصفة مكتملة للتحرر. قيمتها هنا أنها تكشف إمكان تبديل السياسات الاقتصادية والاجتماعية داخل نظام ظل شديد المركزية.

ومع ذلك، كانت النتائج المعيشية واسعة الأثر. فقد قدّر تقرير للبنك الدولي صدر عام 2022 أن عدد الصينيين الذين يعيشون تحت خط الفقر المدقع الدولي المستخدم آنذاك، البالغ 1.90 دولار يوميًا، انخفض بنحو 800 مليون خلال أربعة عقود. وراء هذا الرقم تحولات في حياة الأسر وفرص العمل ومستقبل الأبناء. لكنه لا يمحو القيود السياسية، ولا يجعل الإنجاز الاقتصادي مبررًا للاستبداد.

هنا يبرز السؤال اليمني: هل يمكن أن تنشأ داخل الجماعة الحوثية قيادة ترى أن استمرارها السياسي يقتضي تغيير طريقة الحكم، وقبول الشراكة، وتقديم مصالح السكان على مقتضيات التعبئة؟

ينبغي أولًا ألا نختزل الحوثيين في شخص عبدالملك الحوثي. فالجماعة لم تنته بمقتل مؤسسها حسين الحوثي عام 2004، بل انتقلت القيادة وتوسعت الحركة لاحقًا. كما أن تحليلًا نشره المجلس الأطلسي عام 2024 رأى أن غياب عبدالملك قد يفتح مرحلة من عدم اليقين والتنافس، لكنه لا يعني نهاية تلقائية للجماعة. وهذه قراءة احتمالية، وليست معرفة مسبقة بما سيحدث.

وفي تقديري، يمكن تصور ثلاثة مسارات.

أولها استمرار النهج بزعامة جديدة، إذ تتماسك مراكز القوة حول خليفة يحافظ على أدوات الحكم نفسها، وربما يزيد التشدد ليثبت قدرته على القيادة. عندها يتغير الاسم، بينما يبقى المواطن أمام القيود ذاتها، وتظل الحرب مصدرًا لتبرير تأجيل مطالبه.

وثانيها التنازع على السلطة، فتختلف مراكز النفوذ على القيادة والموارد والسلاح. وقد يبدو ضعف الجماعة لبعض خصومها بشارة خلاص، لكنه قد يحمل للسكان مزيدًا من العنف وتعدد الجهات التي تفرض سلطتها عليهم. فغياب القيادة الجامعة لا يفضي بالضرورة إلى حضور الدولة.

أما ثالثها فهو مراجعة سياسية تفتح طريق التسوية، بأن تدرك قيادة قائمة أو جديدة أن حكم السكان يختلف عن تعبئتهم، وأن اليمن يحتاج إلى اتفاق على الدولة والموارد والحقوق. وهذا المسار يمكن تصوره حتى مع بقاء عبدالملك الحوثي، إذا تغيرت حسابات القيادة والبيئة المحيطة بها. غير أن إمكانه النظري لا يكفي لترجيحه، فمصالح المستفيدين من استمرار النزاع قد تكون أقوى من دوافع الإصلاح.

وهنا تظهر حدود المقارنة بالصين. فقد جرى تحولها داخل دولة موحدة ومؤسسات مركزية وجيش يخضع لقيادة الحزب. أما اليمن فيواجه انقسام السلطة وتعدد القوى المسلحة وتباين المشروعات السياسية. لذلك لن تكفي مراجعة حوثية داخلية، مهما اتسعت، لبناء يمن جديد، إذ لا تملك جماعة واحدة حق تحديد مستقبله، ولا تختزل مناطق سيطرتها اليمن كله.

ولا يجوز كذلك مساواة سكان تلك المناطق بالجماعة الحاكمة. فاليمنيون هناك أصحاب حقوق ومصالح وتطلعات متنوعة، وليسوا كتلة عقائدية واحدة. وأي تحول يستحق الترحيب ينبغي أن يوسع قدرتهم على الاختيار والمشاركة، وأن يتيح لمختلف القوى اليمنية، وللنساء والشباب والمجتمع المدني، الإسهام في صياغة المستقبل. وهذا يلتقي مع أساس المسار الذي تدعو إليه الأمم المتحدة: عملية سياسية يقودها اليمنيون وتستوعب تنوعهم.

ولن يُقاس صدق التحول باعتدال الكلمات وحده. يمكن اختباره في إجراءات واضحة: إطلاق المحتجزين تعسفًا، ووقف تجنيد الأطفال، وحماية التعليم من التعبئة، وفتح الطرق، وضمان وصول المساعدات، والتوصل إلى ترتيبات شفافة للإيرادات والرواتب، ثم التفاوض على مؤسسات عامة يخضع لها السلاح وتخدم المواطنين بالتساوي. هذه، في رأيي، مؤشرات أصدق من أي إعلان عن "مرحلة جديدة".

كما تستطيع دول الجوار، وفي مقدمتها السعودية، دعم هذا الاتجاه من خلال ربط فرص الإعمار والتعاون الاقتصادي بالتزامات قابلة للتحقق تحمي اليمنيين وأمن المنطقة. فالسلام يحتاج إلى مصالح تنمو في ظله، وإلى عمل وخدمات تجعل العودة إلى الحرب خسارة محسوسة للمجتمع.

لا يحتاج اليمن إلى انتظار نسخة يمنية من دنغ شياو بينغ، ولا إلى استنساخ النظام الصيني. لكنه يستطيع أن يستفيد من درس محدد: تستطيع قيادة عقائدية أن تراجع أولوياتها حين تقبل محاسبة سياساتها بنتائجها في حياة الناس. وما يصلح لليمن من هذا الدرس ينبغي أن يكتمل بالشراكة والحقوق، حتى لا تصبح التنمية مكافأة يمنحها الحاكم لمن يطيعه.

قد يبقى عبدالملك الحوثي، وقد يغيب، لكن مستقبل اليمن لا ينبغي أن يظل معلقًا بمصير رجل. فالتغيير الذي يستحقه اليمنيون يبدأ حين يصبح أمن المواطن وكرامته وتعليمه ورزقه معيارًا للحكم، وحين يجدون سبيلًا لتغيير السياسات ومحاسبة أصحابها. عندئذ يمكن الحديث عن يمن جديد، يمن يملك أبناؤه مستقبلهم، بعدما استهلكت الحرب كثيرًا من حاضرهم.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.