: آخر تحديث

نحن بحاجة لروحية جريئة

4
4
4

سبتمبر (أيلول) 1990 عُقد مؤتمرٌ كبيرٌ لعلماء الدين ومفكّريه في مكّة المكرّمة، وكان الموضوع هو الموقف الشرعي والسياسي من غزو الجيش العراقي أيام صدّام حسين للكويت. بيان المؤتمر ركّز على:

إدانة الغزو العراقي للكويت والمطالبة بالانسحاب الفوري وغير المشروط وإعادة الشرعية.

تأييد الفتاوى والقرارات الشرعية الصادرة عن هيئة كبار العلماء في السعودية ومجمع الفقه الإسلامي، التي أجازت الاستعانة بقوات تحالف دولية لردع العدوان وحماية أمن الحرمين الشريفين والمنطقة.

تفنيد الذرائع ومحاولات التجييش والدعاية المضادة التي حاول النظام العراقي استخدامها، لكسب تعاطف بعض الشعوب الإسلامية تحت شعارات دينية أو قومية.

وكل بند من هذه البنود، إلى اليوم، كان معركة فكرية وفقهية وسياسية وأخلاقية وإعلامية بحدّ ذاته، خصوصاً البند المتعلق بجواز الاستعانة بالقوات الدولية (غير المسلمة) لدفع عدوان الجيش الصدامي على الكويت وتهديد السعودية والخليج، وأيضاً تفنيد الدعايات الإعلامية البعثية المشوبة بروح جهادية إخوانية -تخيّل- في ذاك الوقت. دعاية قامت على إيقاد نارها ماكينات «الإخوان» والبعثية والقومجية والجماهير الغوغائية، هذا قبل عصر السوشيال ميديا العجيب، فما بالك اليوم؟!

بالمناسبة أتمنّى من الدكتور عبد الله التركي، الذي كان هو مايسترو هذه الاجتماعات حينها، من الجانب السعودي، أن يكتب مُذكراته حول ذاك المؤتمر، والشيخ التركي صار لاحقاً وزير الشؤون الإسلامية في السعودية، تلك الوزارة الناشئة حينها. اليوم يجلس على كرسي هذه الوزارة الشيخ عبد اللطيف آل الشيخ، وهو قال مؤخراً إنه يجب على علماء الأمة الإسلامية ومؤسساتها الدينية الانتقال من بيانات الإدانة والاستنكار إلى اتخاذ مواقف شرعية جماعية واضحة وحاسمة.

يعني بذلك التعليق على هجمات الميليشيات الحوثية المدعومة مباشرة من خبراء الحرس الثوري الإيراني ونخبة «حزب الله» اللبناني، كما «الحشد العراقي»، وكلهم يدورون في فلك الكوكب الإيراني المُظلم.

نعم الأزهر قدّم مبادرة «للسِلم»، لكن اليوم ليس يوم الكلام عن السِلم، بل عن الحسم مع هذه الجماعات والميليشيات والتنظيمات الشبكية العابرة للحدود، التي تطلق صواريخ باليستية، وكروز، ومُسيّرات نوعية، وتضرب المطارات المدنية ومحطات الكهرباء، وتقتل المدنيين، بل وتقع صواريخها على بعد بضعة أميال من مركز الحرم في مكة أو المدينة. إنها ميليشيات تهدد أمن العالم الاقتصادي، ومنه الأمن المصري، في البحر الأحمر، وغير ذلك من الشرور الحالّة الآنية، والواجبة الحسم.

هذا هو ما يجب أن يُحشد له الرأي العام الإسلامي، وهنا كما سبق أن نقدنا بيان مؤسسة الأزهر، مع توقيرنا الكبير لمقام الأزهر، يجب أن نُدير قلم النقد إلى بعض مظاهر واتجاهات الإعلام لدينا، فما زال المستوى دون المستوى، ليس في التحميس والتعبئة واللغة الساخنة، فهذه لم يدّخروا جهداً فيها، بل في «نوعية» الخطاب وعمق تأثيره، وشمول نظرته وبُعد رَميته، وهذا بحثٌ يقبض الخاطر.

حاصل القول، نحن بحاجة لروحية جريئة وثّابة ذكية، كما كان الحال في مؤتمر مكة سبتمبر 1990.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد