: آخر تحديث

صنع في السعودية.. ماذا يعرف العالم عن منتجاتنا؟

4
5
4

بدأت فكرة هذا المقال من حديث جمعني بإحدى صديقاتي، أخبرتني فيه أنها وجدت بالصدفة، أثناء زيارتها أحد متاجر «وول مارت» في الولايات المتحدة الأمريكية، بطارية سيارة تحمل عبارة «صنع في السعودية». كان موقفًا بسيطًا، لكنه أثار بيننا حديثًا عن الصناعات السعودية التي وصلت إلى أسواق عالمية، وربما لا يعرف كثير منا أنها تُصنع في المملكة.

ومن ذلك الحديث، بدأت أتساءل: ماذا نصنع في السعودية ويشتريه العالم، بعيدًا عن النفط والصادرات التقليدية التي اعتدنا الحديث عنها؟

ومع البحث، اكتشفت أن الإجابة أوسع مما نتصور. فالقائمة لا تقتصر على التمور والبتروكيماويات والأسمدة، بل تمتد إلى بطاريات السيارات، والألواح الشمسية، والأدوية، والزجاج الصناعي، والكابلات الكهربائية، ومواد التغليف وغيرها من المنتجات التي تجد طريقها إلى الأسواق العالمية.

ولعل ما يثير الاهتمام أن بعض هذه الصناعات ليس حديث العهد في المملكة، بل بدأ قبل عقود، ونجح في بناء خبرات إنتاجية وتطوير منتجات قادرة على المنافسة خارج حدودها.

فبطاريات السيارات السعودية تصل إلى أسواق من بينها الولايات المتحدة وأوروبا، والألواح الشمسية المصنّعة في جدة وصلت إلى ألمانيا، فيما تصدر مصانع سعودية الزجاج الصناعي إلى أكثر من ثلاثين دولة، والكابلات الكهربائية إلى أكثر من أربع وثلاثين دولة. كما وصلت الصناعات الدوائية السعودية إلى أسواق متعددة تتطلب مستويات عالية من الجودة والاعتماد الفني.

هذه الأمثلة تكشف حقيقة اقتصادية مهمة: أن ما تصنعه المملكة لا يقتصر على المنتجات التي يشتريها المستهلك مباشرة، بل يشمل أيضًا منتجات ومواد تدخل في صناعات أخرى، وقد لا يظهر اسم المصنع السعودي على المنتج النهائي رغم مساهمته في إنتاجه.

والفرق هنا جوهري. فحين تصدر المملكة مادة صناعية أو مكونًا متخصصًا، فإنها لا تصل إلى مستهلك واحد فقط، بل قد تدخل في سلسلة إنتاج تمتد عبر عدة دول، وتصبح جزءًا من منتجات تستخدم في مجالات مختلفة.

ولذلك فإن أهمية الصادرات لا تُقاس فقط بعدد المنتجات أو الدول التي تصل إليها، بل بطبيعة القيمة التي تضيفها الصناعة السعودية، وما تتطلبه من معرفة وتقنية ومهارات وقدرة على الإنتاج وفق المواصفات العالمية.

وفي عام 2025، بلغت صادرات السلع غير النفطية نحو 225 مليار ريال، وفق بيانات هيئة تنمية الصادرات السعودية، مقارنة بنحو 217 مليار ريال في العام السابق. كما ارتفعت صادرات السلع غير البتروكيماوية إلى نحو 78 مليار ريال، مقابل 58 مليار ريال في عام 2021.

وهذه الأرقام تكتسب أهمية أكبر عندما نقرأها إلى جانب تنوع المنتجات الصناعية التي أصبحت تصل إلى الخارج. لكنها تحتاج أيضًا إلى تمييز بين المنتجات المصنعة محليًا وإعادة تصدير السلع الأجنبية، حتى نفهم حجم مساهمة الصناعة الوطنية في التجارة الخارجية.

والسؤال الذي يستحق الاهتمام هنا ليس فقط: ماذا نصدر؟ بل لماذا يختار المشتري العالمي المنتج السعودي؟

فالسوق الدولية لا تمنح أفضلية دائمة لمنتج بسبب بلد منشئه، وإنما تحكمها الجودة والتكلفة والاعتمادات الفنية وموثوقية التوريد. وكلما استطاعت الشركات السعودية تلبية هذه المتطلبات، ازدادت فرصها في بناء علاقات تجارية مستمرة وتوسيع حضورها الخارجي.

ومن هنا تظهر أهمية الصناعات الوطنية التي استطاعت الوصول إلى أسواق عالمية؛ فهي لا تحقق مبيعات إضافية فحسب، بل تكتسب خبرة في المنافسة والتعامل مع معايير وأسواق مختلفة، ويمكن أن تفتح فرصًا لموردين ومصانع سعودية أخرى.

لكن طموحنا لا ينبغي أن يتوقف عند زيادة قيمة الصادرات وحدها. فالأثر الاقتصادي الأوسع يتحقق عندما يزداد عدد الشركات السعودية المصدرة، وتتسع الأسواق التي تصل إليها، وترتفع القيمة المضافة المحلية في منتجاتها، وتتطور قدرتها على إنتاج سلع أكثر تخصصًا وتنافسية.

وهنا تبرز أهمية التعريف بالصناعة السعودية نفسها. فربما يعرف المستهلك في الخارج بعض منتجاتنا أكثر مما نعرف نحن عن المصانع التي أنتجتها، وربما تكون صناعات وطنية ناجحة قد سبقت شهرتها خارج المملكة معرفتنا بها.

إن ما حققته المملكة في تطوير صناعاتها وصادراتها يستحق الفخر، وما وصلت إليه الشركات الوطنية هو ثمرة سنوات من العمل والاستثمار وبناء الخبرات، وهو رصيد يمكن أن ننطلق منه نحو أسواق وصناعات أوسع.

ولعل أجمل ما كشفه حديث عابر أن علامة «صنع في السعودية» لا تخبرنا فقط عن المكان الذي صُنع فيه المنتج، بل تفتح أمامنا قصة أكبر عن قدرات وطنية وصلت إلى العالم، وما زال أمامها الكثير لتقدمه.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد