جاءت قضية نقل المتفجرات من البقاع إلى بيروت لتبدد الآمال في أن تشكل الذكرى الثانية لاغتيال الأمين العام الأسبق حسن نصر الله مناسبة لمراجعة خيارات الحزب العسكرية والسياسية، في ضوء خسائره الجسيمة وما عاناه لبنان، وبيئة الحزب بخاصة، من قتل وتهجير ودمار؛ فخطاب الحزب وأمينه العام، نعيم قاسم، أكد استمرار المسار والدفاع عنه، بدل مساءلة القيادة وسياساتها ونتائجها.
ومع هذا الإصرار على النهج، يُقدّم الحزب بقاءه وقدرته على الاستمرار بوصفهما دليلاً على صواب خياراته. فهل يكفي مجرد البقاء؟ أم أن حجم الخسائر وتغيّر موازين القوة يفرضان مراجعة تتجاوز التمسك بالسلاح واستحضار إرث القائد الراحل دون مساءلة خياراته؟
يستحضر الحزب نصر الله باعتباره مصدر شرعية تتكئ عليه القيادة الحالية للحفاظ على تماسك جمهورها. غير أن الوفاء للقائد الراحل لا يعفيها من تقييم خياراته، ولا يجعل استمرار نهجه واجباً يعلو على أي اعتبار. فبعدما غلّب الحزب مقتضيات دوره الإقليمي على مصالح لبنان واللبنانيين، لم تدفعه حتى الخسائر التي ألحقها بنفسه وببيئته إلى تغيير خياراته. ويزداد هذا الإصرار استعصاءً على التبرير بعدما تغيّرت الظروف التي صنعت نفوذ الحزب وتراجعت قدرته على التأثير وارتفعت تكلفة استخدام سلاحه. والقيادة مسؤولة عن مراجعة خياراتها في ضوء هذه الوقائع، بدل تحويل إرث القائد إلى حصانة تحول دون مساءلتها.
أكد قاسم أن إسرائيل لم تنجح في كسر المقاومة. لكن بقاء التنظيم ومواصلته القتال لا يعنيان نجاحه في الردع وحماية السكان والأرض. وحين يُقدَّم بقاء الحزب دليلاً كافياً على صواب خياراته، تصبح المحافظة على التنظيم معيار النجاح ويتراجع أمن المواطنين إلى مرتبة ثانوية. وعليه، ينبغي أن تبدأ المراجعة بتقييم قرار الانخراط في الحرب ومواصلتها: هل كانت تقديرات الحزب لموازين القوة واقعية؟ وهل احتسب حدود دعم إيران وحجم الرد الإسرائيلي وقدرة المجتمع على تحمل التكلفة؟ وكيف يفسر الفجوة بين الوعود بالحماية والنتائج الفعلية للحرب؟
وتشمل المراجعة علاقة الحزب ببيئته الحاضنة، التي تحملت جانباً كبيراً من تكلفة الحرب؛ فاستمرار الولاء له لا ينفي التململ داخلها، ولا يحجب أصواتاً شيعية باتت أكثر جرأة في معارضة سلاحه وخياراته. ولا تعني هذه الأصوات انهيار قاعدته الشعبية، لكنها تكشف أن تماسك القاعدة لا يعني إجماعها على جدوى الحرب أو قبولها بتكلفة الارتباط بإيران. وتقتضي المراجعة احترام حق المتضررين في محاسبة القيادة، بدل اعتبار ولائهم تفويضاً مفتوحاً للاستمرار في الخيارات نفسها.
وتشمل المراجعة أيضاً علاقة الحزب بالدولة؛ فقد اتجهت خطب أمينه العام وعدد من مسؤوليه إلى مهاجمة خيارات السلطة اللبنانية، والدعوة إلى تجميد المفاوضات المباشرة مع إسرائيل، ورفض البحث في حصرية السلاح بذريعة استمرار الاحتلال الإسرائيلي للجنوب. وهو بذلك يُبقي سيادة الدولة معلقة على شرط يحدد بنفسه معايير تحققه وفقاً لأجندة راعيته إيران، فيما يطالبها بالحماية ووقف الاعتداءات وإعادة الإعمار. وهنا يكمن التناقض: يحمل الدولة مسؤوليات السيادة، ويحجب عنها أدوات ممارستها باحتفاظه - بوصفه ميليشيا مرتبطة بطهران - بقرار عسكري مستقل.
ولا تنفصل مراجعة علاقة الحزب بالدولة عن مراجعة ارتباطه باستراتيجية إيران؛ فطهران تتحرك وفق مصالحها وقد توظف وكلاءها للضغط على خصومها وتحسين موقعها التفاوضي، ولو على حساب مصالحهم ومصالح بلدانهم. ومع تعثر المفاوضات الأميركية - الإيرانية، يبقى لبنان معرضاً لتبعات حسابات لا يملك قرارها. والمأزق الذي يواجهه الحزب هو مدى استعداده لتقديم حاجة بيئته وعموم اللبنانيين إلى إنهاء الحرب واستعادة السيادة على مقتضيات الدور الذي يؤديه ضمن الاستراتيجية الإيرانية.
وبمعزل عن مآلات عملية «فجر اليمن»، التي أطلقتها القوات الحكومية اليمنية بإسناد جوي من التحالف لاستعادة الدولة وإنهاء سيطرة الحوثيين على صنعاء، تعزز التطورات اليمنية ضرورة مراجعة الحزب لدوره الإقليمي؛ فقدرة الحوثيين على تهديد الملاحة في باب المندب والمصالح الدولية تزيد أهميتهم في حسابات طهران، وقد تمنحهم أولوية في التمويل والتسليح على حساب «حزب الله» الذي تراجعت فاعليته الإقليمية، بفعل خسائره واختلال ميزان القوة مع إسرائيل، وتصاعد الرفض اللبناني لسلاحه؛ فالدعم الإيراني تحكمه منفعة الحليف لطهران لا حجم تضحياته، فيما يبقى لبنان وبيئة الحزب مثقلين بتكلفة دوره ضمن استراتيجيتها.
بعد عامين على اغتيال نصر الله، تحتاج قيادة الحزب إلى المراجعة. وتكمن صعوبتها في أنها تقتضي إنهاء دوره العسكري ضمن الاستراتيجية الإيرانية وقبول حصرية السلاح والقرار في السياسة الخارجية بيد الدولة، وممارسة دوره في العمل السياسي الداخلي ضمن مؤسسات الدولة وقوانينها. وبالتوازي، تقع على الدولة مسؤولية تمكين الجيش وتكثيف الضغط الدبلوماسي لوقف الاعتداءات، وانسحاب إسرائيل وتأمين عودة النازحين وإعادة الإعمار؛ فالتمسك بالنهج الذي يُبقي لبنان ساحة لمعارك تتجاوز مصالحه يعيد إنتاج أسباب الأزمة، ولا يكفي بقاء الحزب لتبرير مواصلة الخيارات التي جرّت على لبنان، وعلى بيئته بخاصة، القتل والتهجير والدمار.

