: آخر تحديث

مِنْ شِعْرِ الأَشرَافِ... أَنصَفُ بَيتٍ قَالَتْهُ العَرَب

5
5
5

وَكَمَا حَمَلَ الشّعرُ العَرَبِيُّ بَيَانًا لِمَوَاقِفَ مُتَشَنّجةٍ وَمُنَاكِفَةٍ وَمُضَادَّةٍ وَعَكْسِيَّةٍ مِنَ الأقَارِبِ عَلَى وَجْهِ العُمُوم، وَمِن أَبْنَاءِ العُمُومَةِ عَلَى وَجْهِ الخُصُوصِ، فَإنَّهُ حَمَلَ أبياتًا فِيهَا وُقُوفٌ إلَى جَانِبِ أَبْنَاءِ العَمِّ، وَمُنَاصَرةٌ لَهُمْ، وَدِفَاعٌ عَنْهُمْ، وَمُنَافَحَةٌ عَنْ أَثْلَتِهِمْ، وَنِضَالٌ عَنْ شَوْكَتِهِمْ، وَمِنْ ذَلِكَ، مَا نَقِفُ مَعَهُ مِنْ أَبْيَاتٍ اليَوْمَ.

قَالَ الشَّاعِرُ:

إِنِّي وَإِنْ كَانَ ابْنُ عَمِّيَ غَائِباً لَمُقَاذِفٌ مِنْ خَلْفِهِ وَوَرَائِهِ

يَحْكِي الشَّاعِرُ وَاقِعَ عَلَاقَتِهِ مَعْ ابنِ عَمِّه، فَيَقُولُ فِي البَيْتِ الأَوَّلِ أنَّهُ حَتَّى لَوْ غَابَ ابْنُ عَمِّهِ، فإنَّهُ يُرَامِي وَيُدَافِعُ عَنْهُ، إذَا مَا ذُكِرَ بِسُوء.

وَوَصفَ نفسَه في دفاعِه المُستميتِ بأنَّهُ (مُقَاذِفٌ) تأكيدًا علَى اسْتِبسَالِهِ فِي الذَّبِّ عَنْ عِرضِ ابنِ العَّم، وأنَّ ذلكَ يكونُ خَلفَ ابنِ عَمِّهِ ومِنْ وَرَائِهِ.

واخْتُلِفَ فِي تَفْسِيرِ قَولِهِ (وَرَائه): فَقيلَ: أنَّهَا من مُرَادِفاتِ كلمةِ الخَلفِ، وَيَعْنِي بِهمَا الجِهَةَ الَّتِي تُعَاكِسُ الأَمَامَ، وهيَ مَا يلِي الظَّهرَ.

وَقِيلَ: وَرَاءَ هُنَا تعني أمامَ، وهوَ ما يكونُ من جهةِ الوَجْهِ وَمُقدمِ الإنْسَان، واسْتَشهَدُوا بِقَولِ اللهِ تَعَالَى: (وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا...)، وَالمَقْصُودُ بِالآيَةِ أنَّ المَلِكَ كَانَ أمَامَهُمْ.

قَالَ المُؤَيِّدُ العَلَوِيّ:

«الأَقْرَبُ أنَّ (وَرَاء)، قد يُستَعمَلُ بِمَعنَى (قُدَّام)... ولأنَّه إذَا كَانَ بِمَعنَى قُدَّام، كَان أَدخَل فِي المَدْحِ وأَعظَمَ، لتضَمُنِهِ تعميمَ الأحوالِ في الحِياطَةِ وَالدّفَاعِ عَنْهُ».

وَكانَ الخَلِيفةُ المَأْمُوْنُ، سَألَ النَّضْرَ بْنُ شُمَيْلٍ: مَا أَنصَفَ بَيتٍ قَالَتْهُ العَرَب، فاختارَ النَّضْرُ البَيتَ الَّذِي شَرَحْنَاهُ، فَقَالَ المَأمُونُ: أحسنَ واللهِ مَا شَاءَ!

وَفِي البَيتِ الثَّانِي أَكْمَلَ الشَّاعِرُ مَنْظُومَةَ دِفَاعِهِ عَنِ ابْنِ عَمّهِ، فَقَالَ:

وَمُفِيدُهُ نَصْرِي وَإِنْ كَانَ امْرًأ مُتَزَحْزِحاً فِي أَرْضِهِ وَسَمَائِهِ

يَعنِي أنَّهُ بالانْتِصَارِ لِابْنِ عَمّهِ، يَكُونُ قَدْ أَفَادَهُ بِذَلِكَ، حَتَّى لَوْ لَمْ يَكُنْ يَقِفُ عَلَى أَرْضٍ صُلْبَةٍ مِنْ دُونِ ثَبَاتٍ، وَهُوَ مَا عَبَّرَ عَنْهُ بِوَصْفِ ابْنِ عَمّهِ، بأنَّهُ (مُتَزَحْزِحٌ).

في المعاجم: (تَزَحْزَحَ الرَّجُلُ): تَحَرَّكَ مِنْ مَكَانِه.

ثُمَّ قَالَ فِي البَيْتِ الثَّالِثِ:

وَمَتَىَ أَجِئْهُ فِي الشَّدَائِدِ مُرْمِلًا أُلْقِ الَّذِي فِي مِزْوَدِي بِوِعَائِهِ

وَيُرْوَى: «وَمَتَى أَجِدْهُ في الشَّدِيدَةِ»، و«لِوِعَائِه»، وَلِلرّوَايَتَيْنِ المَعْنَى ذَاتُه.

(مُرْمِلًا): نَفِدَ زَادُهُ. أَرْمَلَ القَومُ: نَفِدَ زادُهم، وأَرْمَلُوه أَنْفدوه. وَفِي حَدِيثِ أُمّ مَعْبَد: «وَكَانَ الْقَوْمُ مُرْمِلينَ مُسْنتِينَ». قَالَ أَبو عُبَيْدٍ: المُرْمِلُ الَّذِي نَفِدَ زَادُهُ. (لِسَانُ العَرَب).

(المِزْوَد): وِعَاءُ الزَّادِ. وَالمَعْنَى:

كُلَّمَا وَجَدتُ زادَهُ قَدْ نَفِدَ مَلَأتُ وِعَاءَهُ بِمَا عِنْدِي مِنْ زَادٍ.

وَيُلحَظُ أنَّ الشَّاعِرَ قَالَ:

أُلْقِ الَّذِي فِي مِزْوَدِي

أيْ كُلَّ مَا فِي مِزْوَدِي، وَمَا لديَّ جَميعهُ، وليسَ بَعضهُ، فَهوَ قَالَ: الَّذِي فِي مِزْوَدِي، وَلَمْ يَقُلْ: بَعض الَّذِي فِي مِزْوَدِي. وَهَذَا عَطَاءٌ فِي مُنْتَهَى السَّخَاء.

وَفِي البَيْتِ الرَّابِعِ يَقُولُ:

وَإِذَا تَتَبَّعَتِ الجَلائِفُ مَالَهُ خُلِطَتْ صَحِيحَتُنَا إِلَى جَرْبَائِهِ

وَتُرْوَى: (الخَلَائِفُ)، وَ(الجَلَائِفُ).

(الجَلَائِفُ): السَّنَوَاتُ الَّتِي تَذْهَبُ بِالمَال.

الجَالِفَةُ: الشَّجَّةُ الَّتِي تَقْشِرُ الْجِلْدَ مَعَ اللَّحْمِ وَهِيَ خلافُ الْجَائِفَةِ. وجَلَفْتُ الشَّيْءَ: قَطَعْتُه واسْتَأْصَلْتُه. والجَلائفُ: السِّنُونَ. والجالِفةُ: هِيَ السنةُ الَّتِي تَذْهَبُ بأَمْوالِ الناسِ. كَمَا فِي الّلسان. وَالمَعْنَى:

إذَا ذهبتْ أموالُهُ فِي سَنواتِ القَحْطِ، خَلَطْنَا مِحْفَظَتَنَا الصَّحيحَة ذاتِ المَالِ بِمِحْفَظَتِهِ الَّتِي أَصَابَهَا الجَرَبُ فَلمْ يبقَ بِهَا مِنَ المَالِ شَيءٌ.

واسْتخدمَ الشَّاعرُ للتَّعبيرِ عن سنةِ القَحْطِ التي لا حصادَ فيهَا ولا ثمرَ حيثُ يطيرُ المالُ، بالإصابةِ بِمرضِ الجَرَب. وأرادَ أنَّ عادةَ النَّاسِ البعدُ عمَّن ذهبَ مالُه وشبَّه ذلكَ بِالهربِ من المُصابِ بِالجَربِ، لكنَّهُ أكَّدَ أنَّهم يفعلونَ العكسَ فهم يخلطونَ مالَهم الصَّحيحَ أو سنتَهم الصَّحيحةَ التي حقَّقتْ مكسبًا وأنتجتْ مالًا، بسنتِه الجَرباء التِي أخذتِ المالَ وَأَذهبتْهُ.

واختيارَ مفردةَ (خَلط)، لبيانِ جمعِ النَّوعينِ، جمعًا كَاملًا، دونَ تبيُّنٍ لأنْواعِ ما خُلِطَ، فالمقصدُ وحدةُ ما يكونُ بعدَ الخلطِ، لا مَا كانَ قبلَه. أيْ أنَّنا نخلطُ فَقرَ ابنِ عَمِّنَا بِثَرَائِنَا.

وَكانَ عبدُالملكِ بنُ مروانَ، إذا أنشدَ الأبياتَ، قالَ: هذَا واللهِ من شِعْرِ الأشْرَافِ. نفَى عنْ نفسِه الحَسدَ واللؤمَ والانتقامَ عندَ الإمكانِ والمَسألةَ عندَ الحَاجة.

نَسَبَ البُحتريُّ فِي حَمَاستِه بَعضَ الأبياتِ للسَّمّاك بنِ خَالدٍ الطَّائي.

ونُسِبَت لرجلٍ منْ بنِي العَنبر، وَلبعضِ شُعراءِ طَي. ونُسبت لأبِي عَرُوبَةَ، في (المَحاسن والمَساوئ) للجَاحظ. ونُسِبَ بعضُها في (الأشباه والنظائر) للغَطمَش الضَّبّي.

والأبياتُ للهُذَيلِ بنِ مَشجَعَةَ البَولَانِيّ، من بَنِي طَي، فِي (حَماسة أبِي تمَّام)، وَ(مَجموعة المَعَاني).


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد