عبده الأسمري
ما بين أصول الفقه وفصول القضاء وهمم الإمامة مضى يحصد ثمار «العلم»، ويوظف استثمار «الذات» في إضاءات سطعت في أفق الأثر وإمضاءات ترسخت في عمق «التأثير» وومضات تجلت في صدى «المآثر».
قطع «مفازات» الأماكن بحثاً عن «ضياء» المعرفة فكان سليل «العلم» ونبيل «الإرث «وأصيل «الصيت» الذي بنى صروح «السمعة» على أركان من «الحياد» وأسس من «السداد».
حول «الدروس الدينية» إلى «مناهج دنيوية» تتعالى في سماء «النفع» وتتجلى في فضاء «الشفع» أمام مرأى «الذاكرة».
إنه عضو هيئة كبار العلماء القاضي والفقيه وإمام الحرم المكي الأسبق العلامة عبدالله بن عبدالرحمن البسام- رحمه الله- أحد أبرز العلماء والفقهاء ومدرسي المسجد الحرام.
بوجه «قصيمي» تسكنه سمات «الوقار» وتعلوه ومضات «الاقتدار» مع ملامح باهية مسجوعة بوميض «الزهد» ومشفوعة بفيض «التواضع» وعينان تدمعان حين «التراحم «وتسطعان حيث «الإنصات» وتقاسيم «نجدية» ندية تتقاسم الشبه مع والده الشيخ الوقور وتقتسم التشابه مع أخواله الكرماء وشخصية يغلب عليها «جميل الصمت» و»نبيل القول» و»أصيل الحديث» تنبع منها محاسن «الأخلاق» ولطف «المعشر» وأناقة الكلمة ولباقة الإسلوب ولين الجانب وصفاء المعنى ووفاء الجانب ولغة فصيحة تتوارد وسطها «عبارات «الفصاحة و»اعتبارات» الحصافة تنطلق من «مخزون شرعي» وتستند على «مكنون علمي» قوامه الفقه ومقامه الشريعة تتحد اتجاهاته في سداد «الفتوى» وعتاد «الحجة» وحياد «الرأي» وخبرة عريضة انطلقت في حلقات «التدريس» وتجلت في محطات «المناصب» وصوت ممزوج بترتيل «فريد» وتلاوة «فاخرة» وعلم «عميق» صادر من «كنوز» الحفظ وراسخ في «خزائن» الشرح قضى البسام من عمره عقودا وهو يؤصل ثوابت «الشرع» ويعلي شأن «الوسطية» ويرسخ دلائل «الصلاح» وينشر براهين «الفلاح» ويرفع راية «الفتوى» ويحقق غاية «الحسنى» إماماً وفقيهاً ومدرساً وعالماً وقاضياً بارزاً في قوائم «العلماء» ومقامات «الفضلاء».
في عنيزة درة «نجد» وجوهرة «القصيم» الباذخة بتخريج القضاة والفقهاء في شؤون «العلم الشرعي» ومتون «العمل التنموي» ولد عام 1346هـ وسط أسرة توارثت العلم واستورثت العمل وتناقل جيران «المكان» النبأ على أجنحة الفرح وامتلأ منزل والده «الفقيه الوجيه» بأصداء الفرح في فضاءات من المشاركة والمباركة من سكان القرى ووجهاء العائلة.
أنصت صغيراً إلى صوت «النصح» في تربية والده المجللة بالنجاح والمكللة بالتفوق وظل ينهل من «معين» «الحرص» الذي حصده واقعاً أمام بصر «الواقع» وإرتهن لحنان أمه» الفاضلة» التي ملأت وجدانه بغنائم «الدعاء» ومغانم «العطف» فتواءمت في طفولته موجبات «التوجيه» وعزائم «اليقين» والتي اكتملت بدراً في محيط «العمر» وتكاملت جبراً في معالم «القدر».
تعتقت نفسه صغيراً برياحين «التقوى» في حلقات «التحفيظ» وتشربت روحه نفائس «الالتزام» وسط مجاميع «التعلم» فنشأ في «واحة روحانية» غمرت قلبه بأنفاس «الفضائل» وملأت عقله بجواهر «القيم»..
ركض البسام مع أقرانه بين واحات «عنيزة» الخضراء مستنشقاً «نسيم» ليالي الشتاء ليظل ثاوياً» في أهل التدين باحثاً عن «إجابات» مثلى لتساؤلات «أولى» أبانت عن نبوغه «الباكر» بين أوساط «الأقارب» ومحافل «الأقربين».
حرص والده على تعليمه حيث ألحقه بكتاتيب «القرية» ودرس في كتَّاب الشيخ الداعية عبد الله القرعاوي وحفظ على يد والده القرآن الكريم وحفظ من شقيقه صالح مبادئ علم الفقه ومبادئ علم النحو.
رافق والده الذي كان مرجعاً في أخبار السيرة النبوية والأنساب والتاريخ والشعر واللغة حيث تعلم منه الكثير من «المعارف» والعديد من «العلوم» وظل مرتبطاً بمكتبة والده «المكتظة» بأمهات الكتب مثل تفسير ابن كثير البداية والنهاية وأسد الغابة في معرفة الصحابة والعقد الفريد ومجمع الأمثال وغيرها.
استمر والده في تشجيعه على العلوم ورأى فيه «مشروع عالم» منذ وقت مبكر الأمر الذي جعله يكمل دروسه مع طلاب الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي والتي استمر فيها لمدة ثماني سنوات، ثم التحق بكلية الشريعة في مكة المكرمة، وظل يتردد على حلقات التدريس بالمسجد الحرام ويستمع لكبار العلماء ويحضر دروسهم بين الكلية والحرم.
تم ترشيحه للتدريس في الحرم المكي بعد طلب رئيس القضاة حينذاك الشيخ عبد الله بن حسن آل الشيخ من مدير المعارف محمد بن عبد العزيز المانع أن يرشح أربعة من البارزين من طلاب كلية الشريعة ليتولوا المهمة فكان أحدهم حيث بدأ التدريس منذ عام 1372هـ.
أنهى البسام دراسته الجامعية عام1374هـ وعمل قاضياً في القضايا الجزئية المستعجلة في مكة، وعين مدرساً رسمياً في المسجد الحرام، فكان يلقي دروساً عامة وخاصة. فمارس التدريس بالحرم منذ عام 1372هـ إلى 1417هـ حيث لم ينقطع عنها لمدة سوى ثلاث سنوات أثناء توليه رئاسة محكمة الطائف أو حين الإجازات الرسمية أو المرض.
تم ترشيحه للإمامة في المسجد الحرام في غياب إمام المسجد الحرام عبد المهيمن أبو السمح حيث أم المصلين في صلاتي العشاء والفجر لمدة ثلاثة أشهر وطلب منه الاستمرار رسمياً، ولكنه لم يرغب نظراً لضرورة الارتباط بالمهمة بشكل دقيق ومستمر في وقت كانت لديه مهام متعددة ومن أهمها التدريس.
تعين رئيساً للمحكمة الكبرى بالطائف عام 1387هـ وعمل قاضياً في محكمة تمييز الأحكام الشرعية للمنطقة الغربية التي مقرها مكة المكرمة عام 1391هـ ثم رئيساً لمحكمة التمييز بمكة المكرمة 1400هـ، حتى تقاعد عام 1417هـ.
للشيخ البسام عضويات في عدة هيئات وقطاعات، ومنها المجمع الفقهي الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي وهيئة المراقبة الشرعية في شركة الراجحي للاستثمار واللجنة الثقافية برابطة العالم الإسلامي ومجمع الإعجاز العلمي في الكتاب والسنة، وكان عضواً في هيئة الإغاثة الإسلامية العالمية وعضواً في تحديد الحرم المكي.
كما تعين عضواً في مجلس هيئة كبار العلماء في السعودية وتم تعيينه عضواً في المجلس الأعلى لدار الحديث الخيرية بمكة.
وعين رئيساً للجمعية الخيرية لمساعدة الشباب على الزواج في مكة المكرمة وشغل منصب رئيس للمكتب التعاوني للدعوة والإرشاد وتوعية الجاليات في جدة ورئيسا لمجلس إدارة المستودع الخيري بمكة المكرمة.
إرتبط البسام بالتأليف وأصدر عدة كتب، ومنها تيسير العلام شرح عمدة الأحكام، وخلاصة الكلام على عمدة الأحكام وتقنين الشريعة أضراره ومفاسده وعلماء نجد خلال ثمانية قرون، والقول الجلي في زكاة الحلي والاختيارات الجليلة في المسائل الخلافية والدين الإسلامي كفيل بتحقيق المصالح وتوضيح الأحكام في شرح بلوغ المرام والفقه المختار موسوعة فقهية ومجموعة تواريخ نجدية وأنساب وحاشية على عمدة الفقه وتنبيه ذوي الأبصار عما في كتاب الآثار المحمدية من الأضرار، ونيل المآرب في تهذيب شرح عمدة الطالب وشرح على كشف الشبهات.
انتقل البسام إلى رحمة الله يوم الخميس الموافق 27 ذي القعدة 1423 هـ وتمت الصلاة عليه في المسجد الحرام بعد صلاة الجمعة وووري جثمانه مقبرة العدل، وقد تناقلت وسائل الإعلام خبر رحيله مقترناً بما قدمه من إرث شرعي وأثر علمي وكنوز علمية ودرر معرفية.
الشيخ عبد الله البسام.. القاضي الفقيه والإمام الهمام صاحب السيرة الساطعة بالمعارف المسيرة النابعة بالمشارف.

