: آخر تحديث

الربيع الأوروبي

2
3
2

لم تعد الاحتجاجات التي شهدتها مدن أوروبية في الأيام الأخيرة مجرد تحركات مطلبية متفرقة يمكن احتواؤها ببيانات رسمية أو إجراءات ظرفية. فخلف الغضب المتصاعد أسئلة أعمق عن القدرة على العيش بكرامة، وجدوى السياسات الاقتصادية، واتساع المسافة بين قرارات المؤسسات وتجربة المواطنين اليومية. لكن هل نحن أمام "ربيع أوروبي" بالمعنى السياسي الواسع، أم أمام موجة احتجاجات تتقاطع أسبابها من دون أن تتوحد أهدافها؟

تزامنت التحركات في فرنسا وبلجيكا والبرتغال وإيطاليا، لكن لكل بلد خصوصيته. ففي فرنسا، اتسعت الاحتجاجات التي بدأت من أوساط طلابية لتشمل فئات اجتماعية ونقابية أخرى، مستعيدة بعض ملامح احتجاجات السترات الصفراء، من دون أن تتطابق معها في الأسباب والظروف. وقدّرت وزارة الداخلية الفرنسية عدد المشاركين في تحركات 17 تشرين الأول (أكتوبر) بنحو 550 ألف شخص، بينما ذهبت تقديرات أخرى إلى أرقام أعلى. ولا تكمن دلالة الحشد في حجمه وحده، بل في اتساع الاعتراض على أوضاع التعليم والخدمات العامة وتكاليف المعيشة، وفي عودة الشارع إلى واجهة الصراع السياسي.

ولا يمكن فصل المشهد الفرنسي عن أزمته السياسية والمالية. فالانقسامات وصعوبة بناء التوافقات تضيقان هامش المناورة أمام السلطة، لكن القيود المالية لا تفسّر كل قرار ولا تبرّر كل إخفاق. يبقى السؤال: كيف تُوزّع أعباء الإصلاح؟ وهل تتحمل الفئات الأكثر قدرة نصيبًا متناسبًا من الكلفة، أم يقع العبء الأكبر على الخدمات العامة والشرائح الأقل دخلًا؟ عندما يُطلب من المواطنين الصبر باستمرار من دون أن يلمسوا تحسنًا في حياتهم، تتحول الموازنة من مسألة تقنية إلى قضية عدالة وثقة.

أما في بلجيكا، فقد ارتبطت الاحتجاجات الطلابية والنقابية بالرسوم الجامعية والإصلاحات التعليمية والاعتراض على تقليص الإنفاق العام. وتدافع الحكومة عن إجراءاتها باعتبارها ضرورية لضبط الدين وتجنب نقل أعباء أكبر إلى الأجيال المقبلة، فيما يخشى المعترضون أن تصبح الاستدامة المالية ذريعة لتقليص فرص التعليم وإضعاف الحماية الاجتماعية. وتزيد تعددية مستويات القرار في بلجيكا تعقيد المشهد، إذ تتوزع المسؤوليات بين مؤسسات اتحادية وإقليمية، ما يجعل تحديد المسؤولية السياسية وتنسيق الحلول أكثر صعوبة. لذلك لا يقتصر الخلاف على ضرورة ضبط الإنفاق، بل يشمل ماهية الإنفاق الذي ينبغي حمايته، ومن يستحق الأولوية عند توزيع الموارد المحدودة.

في البرتغال، تتخذ الأزمة وجهًا أكثر مباشرة: السكن. فقد خرج عشرات الآلاف في لشبونة في 17 تشرين الأول (أكتوبر) احتجاجًا على غلاء المعيشة وضعف الأجور وصعوبة العثور على مسكن مناسب. وتكشف أزمة الإيجارات عن خلل يتجاوز سوق العقارات، فعندما يلتهم المسكن جزءًا متزايدًا من الدخل، تتراجع قدرة الشباب على الاستقلال وتكوين الأسر، وتصبح فرص العمل في المدن الكبرى أقل جاذبية لمن لا يستطيعون تحمل كلفة الإقامة فيها. عندئذ لا يعود السكن سلعة فحسب، بل شرطًا من شروط تكافؤ الفرص والاستقرار الاجتماعي.

وفي إيطاليا، امتزج الاعتراض على تكاليف المعيشة بمواقف سياسية أوسع، بينها الاحتجاج على الحروب والسياسات الحكومية. وشهدت ميلانو مواجهات وأعمال تخريب بعد انطلاق تحركات احتجاجية، فيما بقيت المطالب المعيشية المرتبطة بالأسعار والطاقة والأجور جزءًا أساسيًا من المشهد. ولا تتوزع آثار هذه الضغوط بالتساوي في بلد تتفاوت فيه فرص العمل والخدمات ومستويات الدخل بين الشمال والجنوب. لذلك قد يجتمع في الشارع أشخاص يتفقون على رفض الأوضاع القائمة، لكنهم يختلفون في تفسير أسبابها وفي الحلول التي يريدونها. وهذا التباين يجعل التعامل مع الاحتجاجات باعتبارها حركة سياسية واحدة قراءة متسرعة.

وعلى اختلاف هذه الحالات، تكشف الأرقام عن ضغط اقتصادي لا يمكن تجاهله. فقد بلغ التضخم السنوي في منطقة اليورو 3.8 بالمئة في أيلول (سبتمبر) 2026، مقابل 3.2 بالمئة في آب (أغسطس)، وفق بيانات يوروستات المنشورة في 16 تشرين الأول (أكتوبر). وكانت الطاقة والخدمات من أبرز المكونات التي أسهمت في المعدل السنوي. لكن ثمة فرقًا ضروريًا بين تراجع التضخم وانخفاض الأسعار: فالأول يعني تباطؤ وتيرة ارتفاع الأسعار، ولا يعني عودة الأسعار إلى مستوياتها السابقة. ولهذا قد تتحسن المؤشرات الاقتصادية نسبيًا، بينما تبقى الأسر مثقلة بفواتير مرتفعة لا تتناسب مع دخولها.

ولا تقع المسؤولية كلها على الحكومات الوطنية، كما لا يجوز إعفاؤها بحجة القيود الأوروبية. فقواعد الحوكمة المالية للاتحاد تنظم مسارات الإنفاق والدين والعجز، ويؤثر البنك المركزي الأوروبي في كلفة الاقتراض والنشاط الاقتصادي والتضخم، لكنه لا يستطيع وحده معالجة أزمة السكن أو إصلاح المدارس أو ضمان عدالة توزيع الدخل. هنا تكمن المعضلة: كيف تحافظ الدول على استدامة ماليتها العامة، من دون أن تتحول إجراءات الضبط إلى تقليص للفرص والخدمات التي تمنح الاستقرار الاقتصادي معناه الاجتماعي؟

وليست أوروبا خالية من الأدوات التي يمكن أن تسهم في المعالجة. فقد طرحت المفوضية الأوروبية خطة للإسكان الميسور تستهدف زيادة المعروض، وتشجيع الاستثمار، ومساندة المناطق التي تعاني ضغوطًا سكنية. كما صُمّم "صندوق المناخ الاجتماعي"، الذي يبدأ عمله في 2026، لمساندة الفئات الأكثر تأثرًا بتكاليف الطاقة والنقل في سياق التحول المناخي. لكن وجود الخطط والصناديق لا يكفي في ذاته، ففاعليتها تتوقف على سرعة التنفيذ، ووصول الدعم إلى مستحقيه، وقدرة المواطنين على رؤية أثر ملموس في الإيجارات والفواتير وفرص العيش. فالمصداقية لا تُبنى بالإعلان عن البرامج، بل بنتائجها.

ومن الضروري أيضًا التمييز بين الاحتجاج السلمي والعنف. فالتخريب والاعتداء على الأشخاص والممتلكات لا يمنحان المطالب شرعية إضافية، ولا يجوز تبريرهما بوصفهما نتيجة حتمية للغضب. لكن الاقتصار على مشاهد العنف وتجاهل الأسباب الاجتماعية التي سبقت الاحتجاج لا يعالج الأزمة بدوره. المطلوب حماية الناس والممتلكات، مع إبقاء المطالب المشروعة موضع نقاش واستجابة، بدلاً من أن تضيع بين الإدانة الأمنية والتوظيف السياسي.

ويبرز خطر آخر عندما تستثمر التيارات الشعبوية في الإحباط، مقدمة إجابات سهلة لمشكلات مركبة، أو محوّلة القلق الاقتصادي إلى خصومة مع فئات مستهدفة. فضعف الثقة بالأحزاب التقليدية قد يمنح البدائل الأكثر حدة فرصة للصعود، لكنه لا يجعل وعودها أكثر قابلية للتحقق. ولهذا تصبح الاستجابة الاجتماعية الفعالة ضرورة ديمقراطية، لا مجرد تنازل لامتصاص غضب الشارع.

ويمكن متابعة اتجاه الأزمة من خلال ثلاثة مؤشرات واضحة: أولها، ما إذا كانت الحكومات ستترجم وعودها إلى إجراءات ملموسة في التعليم والسكن والأجور، وثانيها، مسار الأسعار والدخول، ولا سيما كلفة الطاقة والسكن ومدى تحسن القدرة الشرائية، وثالثها، انعكاس الغضب على استطلاعات الرأي والانتخابات وصعود القوى الشعبوية. فاستمرار الضغط على الأسر، أو غياب الاستجابة الحكومية، أو تراجع الأحزاب التقليدية انتخابيًا، قد يكشف أن الاحتجاجات أعمق من موجة عابرة. أما الإصلاحات القابلة للقياس، فتمنح المؤسسات فرصة لاستعادة الثقة قبل أن يتسع الشرخ.

قد لا تكون أوروبا أمام ربيع واحد، ولا أمام لحظة ثورية تتشابه فيها البلدان. لكنها تواجه اختبارًا مشتركًا: هل تستطيع مؤسساتها أن تجعل الاستقرار الاقتصادي متصلًا بالعدالة الاجتماعية، وأن تقنع مواطنيها بأن المستقبل ليس امتيازًا لمن يملكون أكثر، بل أفقًا مفتوحًا لمن يعملون ويتعلمون ويحلمون؟ فالمعيار الحقيقي ليس أن تخلو الشوارع من المحتجين، بل أن يجد المواطن سببًا مقنعًا كي لا يعود إليها.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.