: آخر تحديث

صدام بين صاروخ الحوثي ورزقه: بأيّ عين تراه؟

7
7
5

في الطائف، يوم الخميس 17 أيلول (سبتمبر) 2026، اعترضت الدفاعات السعودية مسيّرة حوثية، فسقط بشظاياها صدام حسين المنعي، ابن المحويت الذي كان يعمل في مغسلة ليعيل ستة أبناء ينتظرونه في صنعاء الخاضعة للحوثي، جاء يطلب رزقه كما جاء قبله ملايين من أبناء بلده على مدى نصف قرن. وكان من أوائل ضحايا موجة أعقبت تهدئة بدأت بهدنة نيسان (أبريل) 2022، وطالت مكة المكرمة والمدينة المنورة، وبلغت مطار الملك خالد في الرياض، فقُتل فيه ثلاثة عشر شخصًا وجُرح المئات في صالة كان فيها معتمرون ينتظرون رحلتهم.

في التحليلات صار المشهد "ورقة ضغط" و"معادلة ردع"، ولم يدخل صدام المنعي الحساب. وربما مرّ بك الخبر أنت أيضًا: "وفاة مقيم من الجنسية اليمنية"، ثم انتقلتَ إلى غيره. هكذا يعمل الخطاب الذي يختزل اليمن في الحوثي: يظهر الصاروخ وتغيب الحوالة، وتتصدّر الجماعة ويتوارى الشعب. ونادرًا ما يُطرح السؤال الذي تُقاس به المشاريع السياسية في كل مكان: ماذا بنى الحوثي؟ وللجواب رحلتان عرفهما اليمن: رحلة بدأت بصرخة في جبال صعدة، وأخرى سبقتها بسبّورة في قراه.

الرحلة الأولى: من صرخة في صعدة إلى مسيّرة فوق الطائف

مطلع التسعينيات، خرجت في صعدة حلقات صيفية باسم "الشباب المؤمن"، بدت نشاطًا دينيًا عاديًا، لكن أحد وجوهها، حسين بدر الدين الحوثي، حمل خطابًا يستلهم الثورة الخمينية، وتبنّى اتجاهًا جاروديًا داخل الزيدية، أقرب إلى الإمامية في تصوّره للإمامة، غير أن الزيدية، بتاريخها المتنوع وتعايشها مع شافعية اليمن، لا تُختزل في جماعة الحوثي. وعام 2002 أطلق "الصرخة": "الموت لأميركا، الموت لإسرائيل"، شعار يُردَّد بعد الصلاة، ويصنع جمهورًا يعرف عدوّه قبل أن يعرف طريق رزقه. وبعد عامين قُتل حسين في المواجهة الأولى مع الدولة، فورث أخوه عبدالملك القيادة، ولم تنتهِ الحرب. وبعد أكثر من عقدين بلغت الصرخة الطائف، ووصلت مسيّراتها مكة والمدينة، فلم تُصب أميركيًا ولا إسرائيليًا، بل أصابت صدام المنعي.

ست حروب مع حكومة علي عبدالله صالح بين 2004 و2010 حوّلت الحلقات إلى ميليشيا، ثم انقسمت الدولة عام 2011 فاتّسع نفوذ الجماعة، فجلست إلى طاولة الحوار الوطني بين 2013 و2014، ثم انقلبت على مساره بالسلاح، وتحالفت مع الرئيس السابق الذي حاربها، فدخلت صنعاء في 21 أيلول (سبتمبر) 2014، ووضعت الرئيس هادي تحت الإقامة الجبرية مطلع 2015. وفي 26 آذار (مارس) 2015 بدأ تدخّل تحالف عسكري تقوده السعودية بطلب من هادي. ثم قتلت الجماعة حليفها صالح حين انهار تحالفهما عام 2017.

ربع قرن من حلقة في صعدة إلى قصر في صنعاء: حروب وهدنات، وتحالفات وانقلابات، ابحث فيها عن مصنع بُني أو مدرسة فُتحت، فلن تجد إلا مصانع تجميع الصواريخ والمسيّرات. وحتى سنوات التهدئة التي تلت هدنة نيسان (أبريل) 2022 ذهبت إلى ما تحت الأرض: رصد المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية بالأقمار الصناعية أنفاقًا تُرمَّم ومنشآت جديدة تُشيَّد. بُنيت ترسانة، ولم يُبنَ اقتصاد.

وفي صنعاء بقيت أسماء المؤسسات وعلت فوقها سلطة المشرفين، وتعطّلت رواتب شريحة واسعة من موظفي الدولة منذ 2016، وشاعت في الشهادات اليمنية ثنائية "القناديل والزنابيل": فئة تحتكر الامتياز بالسلالة، وأتباع يدفعون الثمن. وبالتوازي تعمّق الدعم الإيراني العسكري والتقني، وفق تقارير خبراء الأمم المتحدة، فتعاظمت قدرة الجماعة على القتال، وتآكلت قدرة اليمني على العيش. وهو نهج طهران حيث تمدّدت: لبنان الذي عدّ البنك الدولي أزمته من أشد أزمات العالم منذ منتصف القرن التاسع عشر، والعراق النفطي الذي ينتظر الغاز الإيراني ليضيء ثلث كهربائه، وسوريا التي حمت طهران نظامها ثلاثة عشر عامًا، ثم سقط في أيام وبقي خرابها. تتضخّم الميليشيا وتذبل الدولة، ويكثر السلاح ويقلّ الخبز.

الرحلة الثانية: من معلم في قرية إلى مستشفى في عدن

وقبل أن تُعرف حلقات صعدة بعقدين، كان في قرى اليمن وجباله معلّم سعودي يقف أمام سبّورة. فبعد ثورة 1962 احتاج اليمن إلى نظام تعليمي يكاد يبدأ من الصفر، فكانت المملكة من أبرز مموّليه عبر مجلس التنسيق السعودي اليمني، وأوفدت معلمين سعوديين إلى اليمن خلال السبعينيات والثمانينيات. تكفّلت المملكة برواتبهم وسكنهم وتنقّلهم، فتعلّم الطالب اليمني مجانًا، وخرج من فصولهم معلمو اليمن وأطباؤه ومهندسوه.

ومن الفصل امتدّت الشراكة إلى الجوّ. ففي السبعينيات دخلت السعودية شريكًا في الخطوط اليمنية بحصة 49 بالمئة مقابل 51 بالمئة لليمن، وما زالت شريكًا حتى اليوم عبر صندوق الاستثمارات العامة، طائرة حملت العامل إلى رزقه، والمريض إلى علاجه، والطالب إلى جامعته، والتاجر إلى العالم. وعلى مدى العقود موّل الصندوق السعودي للتنمية مشاريع في الطرق والصحة والتعليم والتدريب المهني.

وكانت السوق السعودية نفسها مدرسة ثانية لبلد تقلّ فيه المعاهد الفنية: يصلها الشاب حديث السن، فيتعلّم في موقع العمل الحدادة والنجارة والدهان والكهرباء وميكانيكا السيارات، ثم يبني بالحرفة مستقبله حيثما اتّجه. واليوم يعمل في المملكة أكثر من مليوني يمني يعيلون نحو أربعة عشر مليونًا في الداخل، أي ستة عشر مليون يمني، قرابة 40 بالمئة من سكان البلاد البالغ عددهم نحو 41 مليونًا، يعيشون من هذا المورد. وتُقدَّر تحويلاتهم، المسجّلة وغير المسجّلة، بنحو 4.2 مليار دولار سنويًا، تعادل 21 بالمئة من الاقتصاد اليمني، ويذهب معظمها إلى الغذاء والإيجار والعلاج، وتستأثر السعودية بنحو 61 بالمئة من التحويلات المسجّلة بحسب مركز النمو الدولي. وهي أيضًا سوق لإنتاج اليمن، استحوذت على 32 بالمئة من صادراته السمكية في بيانات البنك الدولي.

هذا هو النصف الذي يغيب عن عينك حين ترى في الهجمات "ورقة ضغط" على السعودية. فلو تراجعت التحويلات ربعًا لاقتطع ذلك وحده 1.05 مليار دولار، أي أكثر من 5 بالمئة من اقتصاد اليمن، قبل خسائر الصادرات والنقل. ومنذ أواخر 2023 امتدّت الفاتورة إلى البحر: هاجمت الجماعة السفن في البحر الأحمر، فخسرت مصر قرابة ثلثي إيرادات قناة السويس في عام واحد، وارتفعت كلفة الشحن والتأمين على موانئ المنطقة، ومنها موانئ اليمن الذي يستورد معظم غذائه، فعاد الصاروخ إلى اليمني غلاء في رغيفه. هنا الترجمة الحرفية لـ"الزنابيل في خدمة القناديل": يدفع الزنابيل وتقبض القناديل، والزنابيل اليوم كل يمني يُقتطع من حوالته وراتبه ولقمته ثمن مكسب لا يناله.

وبالرغم من الحرب، لم يتوقف البناء، فقد تجاوز الدعم الاقتصادي والتنموي السعودي لليمن 12.6 مليار دولار بين 2012 و2026. ومنذ 2018 ينقل البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن مسار المعلّم إلى مرحلة المؤسسات، وقد بلغت مشروعاته ومبادراته نحو 300 في 16 محافظة. وخلف الأرقام مستشفى الأمير محمد بن سلمان في عدن بسعة 270 سريرًا، ومدينة الملك سلمان الطبية والتعليمية في المهرة، وأكثر من 40 مدرسة نموذجية، وكليات للطب والحاسب، ومطار الغيظة وميناء نشطون، ومشتقات نفطية تُبقي محطات الكهرباء عاملة.

الكهرباء تخفّض كلفة الورشة، والطريق يوسّع سوق المزارع، والمدرسة ترفع إنتاجية العامل، هكذا تتحوّل المساعدة إلى إنتاج. وهذه استراتيجية المملكة في اليمن: أمن تصنعه التنمية، فاليمني الذي يجد عمله ومدرسة أبنائه لا يحمل بندقية لغيره، والجار المستقر يعني حدودًا آمنة، وبحرًا مفتوحًا، ومنطقة تتّسع فيها الأسواق لا الجبهات.

أما طهران، فماذا تركت في اليمن غير الترسانة والصرخة؟ مشروع لا ينجح إلا بنقيض التنمية: يحتاج إلى فقير ليجنّده، وجاهل ليصدّقه، وتابع لينفّذ، ثم يغرس فيه ولاء يعبر الحدود إلى "محور" تُرسم بوصلته في طهران، ويُلبس الطاعة ثوب الدين، فيسمّي الحكم السلالي "اصطفاء" والحرب "مسيرة قرآنية". ولهذا يخسر كلّما اتّسع رزق اليمني وتعلّم أبناؤه. وتلك مفارقته: جماعة تزعم الهداية الإلهية، وتُطلق مسيّراتها نحو مكة والمدينة، وتقتل معتمرين وتجرحهم في مطار الرياض. وقارِن بين محافظات تصلها المدرسة والمستشفى ومحطة الماء، ومحافظات لا يصلها من سلطتها إلا المشرف والجباية. مشروعان في وطن واحد: تنمية تصنع جيلًا، وصرخة تستهلكه، الأولى تكسب حين يستغني اليمني، والثانية تكسب ما دام محتاجًا.

حين يكبر ابن صدام حسين المنعي

بعد عشرين عامًا تهدأ الشاشات، ويبقى أثر الحرب في البيوت: طفل فاتته المدرسة، وأم باعت مسكنها لتعالج ابنها، وبحر غدا طريقًا للخوف. وسيعود أحد أبناء صدام المنعي الستة، وقد بلغ أشدّه، إلى ما قيل يوم سقط أبوه، ويعرف مَن أرسل إلى قرى بلده المعلّم، ومَن أرسل المسيّرة. فبأيّ عين سيقرأ ما كتبه المحلّلون وشهد به المراقبون: عين امتنان لمَن أيّد مشروع تنمية اليمن، أم عين ازدراء لمَن صفّق لمشروع دماره أو غضّ النظر عنه، المشروع الذي قتل أباه وآباء كثيرين غيره، ويتّم أبناءهم صغارًا؟

والجواب لن يكتبه هو يومها، تكتبه أنت اليوم بالعين التي رأيتَ بها أباه، وتشهد به على نفسك، كلّما أسقطتَ اليمني من حسابك، في الفضائيات ومنصّات التواصل. كان أبوه عندك خبرًا عابرًا، وستكون عند ابنه شاهد زور.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.