: آخر تحديث

الإعلام يفقد الإثارة

4
4
4

في زمن تتسارع فيه الأخبار كما تتسارع نبضات القلق في صدور الناس، لم تعد الصحافة مجرّد مهنة تنقل ما يحدث، ولم يعد الإعلام مساحة محايدة تقف على هامش المشهد، تراقب العالم من بعيد وتنقل وقائعه ببرود.

لقد تغيّر كل شيء، تغيّر الإنسان نفسه، وتبدّلت طريقته في الفهم والخوف والتفاعل، حتى غدت الكلمة قادرة على أن تصنع مزاجًا عامًا، أو تهدم يقينًا مستقرًا، أو تشعل خصومة، أو تمنح إنسانًا مجهولًا شعورًا بأنه مرئيّ أخيرًا وسط هذا الضجيج الهائل.

واليوم، يقف المجتمع أمام أسئلة لم تعد قابلة للتأجيل: من هو الصحافي الحقيقي؟ وما معنى الإعلام في عصر يستطيع فيه أيّ شخص أن يحمل هاتفًا صغيرًا، فيصبح خلال لحظات ناقلًا للأحداث وصانعًا للرأي ومؤثرًا في وعي الآخرين؟ وأين تنتهي حرية التعبير، وأين تبدأ المسؤولية المهنية والأخلاقية، في فضاء مفتوح اختلطت فيه الحقيقة بالشائعة، والمعرفة بالاستعراض، والرسالة بالرغبة الجامحة في الشهرة والانتشار؟

لقد كانت الصحافة، في جوهرها الأصيل، ابنة الحقيقة والتأنّي. كانت تؤمن بأن للكلمة وزنًا، وأن الخبر مسؤولية قبل أن يكون سبقًا، وأن الوصول إلى الناس لا يتحقق بالصراخ، بل بالثقة. وكان الصحافي يقترب من الحوادث بوعي الباحث عن المعنى، لا بعجلة الباحث عن التفاعل، ويتوقف أمام التفاصيل الصغيرة التي قد تكشف ما تخفيه العناوين الكبيرة. لذلك حافظت الصحافة التقليدية، بالرغم مما اعتراها من بطء وقيود، على شيء من هيبة الكلمة ووقارها، ومنحت المجتمع شعورًا بأن هناك من يُصغي إلى آلامه، ويبحث بجدية، ويحاول أن يرى ما خلف المشهد، لا ما يطفو على سطحه فحسب.

وكان الصحافي الحقيقي يدرك أن الإنسان الذي يكتب عنه ليس رقمًا ولا مادة للاستهلاك، بل حياة كاملة لها كرامتها وأسرارها ومخاوفها. لذلك لم تكن المهنة مجرد امتلاك قلم أو بطاقة صحفية، بل موقفًا أخلاقيًا من العالم، ومسؤولية تجاه الحقيقة والناس والتاريخ.

لكن العالم لم يبقَ على صورته القديمة. جاءت الثورة الرقمية كإعصار غيّر شكل العلاقة بين الإنسان والمعلومة، وأعاد تشكيل مفهوم الزمن ذاته. لم يعد الخبر ينتظر صحيفة الصباح أو نشرة المساء، بل صار يولد وينتشر ويُستهلك وربّما يُنسى في اللحظة نفسها. وأصبحت الصورة أسرع من التحليل، والانفعالات أسبق من التفكير، والانتشار أهمّ أحيانًا من الدقّة، حتى بدا كأن السباق لم يعد نحو الحقيقة، بل نحو الوصول إليها قبل الآخرين، ولو كانت مبتورة أو ملتبسة أو غير مؤكدة.

وهكذا وجد الإنسان المعاصر نفسه محاصرًا بسيل لا ينتهي من الأخبار والصور والآراء والمشاهد. يرى الحروب والكوارث والمجاعات والفضائح والانتصارات والهزائم وهو جالس في غرفته، ينتقل بينها بحركة إصبع واحدة، من دون أن يمتلك الوقت الكافي لفهمها أو التفاعل الإنساني العميق معها.

لقد بات يرى كل شيء تقريبًا، لكنه لا يفهم إلا القليل، يعرف كثيرًا من التفاصيل، لكنه يفقد القدرة على وضعها في سياقها الحقيقي.

وهنا تظهر إحدى أخطر أزمات الإعلام الحديث: الإرهاق النفسي الناتج عن فائض المعلومات. فالإنسان الذي يتلقى عشرات المآسي يوميًا قد يفقد، من فرط الصدمة والتكرار، قدرته على التعاطف. تتحول المأساة أمامه إلى خبر عابر، والضحية إلى صورة، والحرب إلى مقطع فيديو قصير، ثم ينتقل بعده مباشرة إلى مادة ترفيهية أو إعلان تجاري. وهكذا لا يستهلك الإعلام الأحداث وحدها، بل قد يستهلك أيضًا حساسية الإنسان تجاه الألم.

ومن هنا تغيّر سلوك المتلقي. فالناس، المثقلون بالخوف من المستقبل وضغط الحياة وتسارع الأيام، لم يعودوا يبحثون دائمًا عن الحقيقة الكاملة، بل عن المحتوى الذي يمنحهم شعورًا فوريًا بالغضب أو الطمأنينة أو الانتماء. إنهم يميلون غالبًا إلى ما يؤكد أفكارهم المسبقة، ويمنحهم يقينًا سريعًا في عالم مضطرب، حتى لو كان ذلك اليقين مبنيًا على معلومة ناقصة أو رواية منحازة.

ولهذا ازدهرت منصات التواصل الاجتماعي، لأنها خاطبت الجانب العاطفي في الإنسان أكثر مما خاطبت عقله. قدّمت له إعلامًا سريعًا وقريبًا، يشبه لغته اليومية، ويتيح له التعليق والمشاركة وإعلان موقفه، ويمنحه شعورًا بأنه شريك في صناعة الحدث، لا مجرد متلقٍّ صامت له. وهذا، في حد ذاته، تحوّل إيجابي، إذ كسر احتكار المعلومة، وأتاح للمهمّشين أن يرفعوا أصواتهم، وكشف كثيرًا من الوقائع التي كان يمكن أن تبقى خلف الأبواب المغلقة.

غير أن هذا التحوّل حمل معه وجهًا أكثر قسوة. فحين تصبح الشهرة معيارًا، ويغدو التفاعل رقمًا يُقاس به النجاح، تبدأ الحقيقة بخسارة موقعها شيئًا فشيئًا. عندها يتحول بعض صنّاع المحتوى إلى تجّار للانفعال الإنساني، يقتاتون على الخوف والغضب والفضائح، لأن الإثارة أسرع انتشارًا من الحكمة، والاتهام أكثر جذبًا من التحقق، والصوت المرتفع أكثر حضورًا من الصوت العاقل.

وفي هذا المناخ، تصبح حياة الناس وسمعتهم وخصوصياتهم مواد قابلة للاستثمار. تُلتقط لحظة ضعف إنسانية، فتُعرض على الملأ، ويُحاكم أصحابها في فضاء افتراضي لا يعرف التريث ولا يمنح حق الدفاع. قد تُهدم سمعة في دقائق، وتُشوَّه حياة كاملة بسبب خبر كاذب أو صورة خارج سياقها، بينما تبقى الحقيقة، حين تظهر لاحقًا، عاجزة عن إصلاح الضرر الذي وقع.

وفي المقابل، بدا الإعلام التقليدي كأنه يُعاني عزلة صامتة. فقد أثقلته البيروقراطية، وأبطأت خطواته القيود الإدارية والاقتصادية والسياسية، حتى خسر جزءًا من قربه من الناس. لم يعد قادرًا دائمًا على ملامسة نبض الشارع، ولا استطاع مواكبة السرعة التي يفرضها العصر، فتحوّل في أحيان كثيرة إلى متأخر عن الحدث، بعدما كان شريكًا في صناعته وتوجيهه.

لكن الحقيقة الأعمق أن الصراع بين الإعلام التقليدي والإعلام الرقمي ليس صراع وسائل، بقدر ما هو صراع رؤى حول معنى الكلمة نفسها. فالمجتمع لا يحتاج إلى إعلام يختار بين السرعة والعمق، أو بين الحرية والمسؤولية، بل يحتاج إلى صيغة أكثر توازنًا وإنسانية، إعلام يجمع بين مهنية الصحافة التقليدية وحيوية الإعلام الرقمي، وبين دقة المعلومة وسهولة الوصول إليها، وبين حق الإنسان في التعبير وحق المجتمع في الحماية من الفوضى والتضليل.

إن الصحافة الحقيقية ليست تلك التي تكتفي بإضاءة الواقع، بل التي تمتلك الشجاعة لقراءة ما بين السطور، واستشراف ما قد يتحول غدًا إلى أزمة اجتماعية أو إنسانية كبرى. وهي لا تكتفي بنقل الوقائع، بل تحلل أسبابها، وتقترح الحلول، وتبدي الرأي المسؤول من دون أن تخلط بينه وبين الخبر أو تفرضه على المتلقي بوصفه حقيقة مطلقة.

فالصحافة، في معناها الأعمق، محاولة دائمة لفهم الإنسان نفسه، مخاوفه وهشاشته وأحلامه وصراعه الداخلي في عالم يزداد تعقيدًا ووحدة، بالرغم من كل وسائل الاتصال. وهي أيضًا مساحة لمن لا صوت لهم، وذاكرة تحفظ ما تحاول السلطة أو المصالح أو النسيان محوه، وضمير يذكّر المجتمع بأن وراء الأرقام وجوهًا وحكايات وآلامًا حقيقية.

ولهذا، فإن مستقبل الإعلام لن يُبنى على التكنولوجيا وحدها، ولا على عدد المتابعين والمشاهدات، بل على قدرة الكلمة على أن تبقى صادقة وإنسانية وسط هذا الصخب. فالتكنولوجيا تستطيع أن تمنح الإعلام سرعة الوصول، لكنها لا تمنحه الضمير، والمنصات قادرة على توسيع الانتشار، لكنها لا تصنع المصداقية.

وعندما يستعيد الإعلام رسالته الأخلاقية، ويتذكّر أن مهمته الأولى ليست إثارة الناس، بل بناء وعيهم وحماية حقهم في المعرفة، عندها فقط تصبح الصحافة قوة تحفظ توازن المجتمع، وتفتح نوافذ الفهم والحوار، لا مرآة تعكس فوضاه وتضاعفها. وعندها يمكن للكلمة أن تستعيد مكانها الحقيقي: جسرًا بين الإنسان والحقيقة، لا سلاحًا في يد الضجيج.

بقي أن أقول إن الإعلام، في كثير من تجلياته المعاصرة، أصبح أسير الإثارة والبحث المحموم عن المشاهدات والشهرة، على حساب الحقيقة والمصداقية والمسؤولية المهنية والأخلاقية. ولم يعد السبق الصحفي يُقاس دائمًا بقيمة المعلومة ودقتها، بل بقدرتها على إثارة الجدل واستقطاب المتابعين، حتى لو كان الثمن تشويه الوقائع أو العبث بوعي الناس.

والأخطر من ذلك أن تتحول الكلمة من رسالة تنويرية إلى سلعة تُباع في أسواق الشهرة والانتشار، وأن تتراجع مهنة البحث عن الحقيقة أمام سطوة الاستعراض والضجيج. وحين يفقد الإعلام ضميره المهني، فإنه لا يخسر ثقة جمهوره فحسب، بل يفقد أيضًا جوهر رسالته ودوره في بناء الوعي وحماية المجتمع من التضليل.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.