تتصاعد حدة التوترات في منطقة الشرق الأوسط لتبلغ مستويات غير مسبوقة، وسط تقارير وتحليلات استخباراتية وسياسية تشير إلى أن المواجهة المباشرة بين إيران وإسرائيل وحلفائها قد تدخل مرحلة كسر العظم.
وفي قراءة متأنية للمشهد الراهن ومضامين التحليلات الدولية، تبرز تساؤلات حاسمة حول مدى قدرة تل أبيب على تحقيق أهدافها الاستراتيجية المعلنة، وعلى رأسها إنهاء الملف النووي الإيراني عبر إسقاط النظام في طهران.
يرى العديد من الخبراء العسكريين أن وتيرة الهجمات الإيرانية المتصاعدة في منطقة الخليج قد تدفع بكل من إدارة دونالد ترامب في واشنطن ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو نحو خيار توجيه ضربة استباقية واسعة النطاق.
وتشير التقديرات إلى أن أي هجوم وشيك قد يستهدف العمق العسكري والنفطي الإيراني بشكل مباشر (مثل جزيرة خارك)، وذلك في محاولة لتقويض القدرات الاقتصادية والعسكرية لطهران.
كما يكتسب التوقيت الحالي حساسية مفرطة، حيث يربط مراقبون احتمالية حدوث هذه الضربات ببدء عمليات التصويت الانتخابية الوشيكة، مما يجعل المشهد مشحونًا بالحسابات السياسية الداخلية والدولية.
وفقًا لتحليلات نشرتها صحف دولية بارزة مثل The Guardian، فإن الاستراتيجيات التقليدية التي اعتمدت عليها إسرائيل وحلفاؤها سابقًا قد لا تكون كافية في المرحلة المقبلة:
أثبتت التجربة أن سياسة "قطع الرأس" والضربات التقليدية المكثفة التي طالت قيادات عليا في وقت سابق لم تنجح في إنهاء الخطر الفعلي للنظام الإيراني أو تأمين اليورانيوم المخصب.
ومع دخول المنطقة مرحلة "الحرب الهجينة" وحرب المسيّرات والوكلاء، أصبح تفكيك فتيل الصراع أمرًا يتجاوز القدرة السياسية للأطراف الدولية، مما ينذر بالوقوع في فخ تصعيد لا رجعة فيه.
وهنا السؤال المهم: هل نتنياهو قادر على إسقاط النظام الإيراني؟
إن الحديث الإسرائيلي المتكرر عن "إسقاط النظام" كمخرج نهائي لإنهاء الطموح النووي الإيراني يصطدم بالعديد من العقبات الواقعية على الأرض، حيث تمتلك إيران منظومة دفاعية معقدة ومنشآت نووية محصنة في أعماق الجبال (مثل منشأتي فوردو ونطنز)، مما يجعل تدميرها بالكامل عبر ضربات جوية خاطفة أمرًا شديد الصعوبة دون تدخل عسكري بري واسع ونطاق دولي شامل، كما أن أي محاولة لتقويض النظام الإيراني ستشعل الجبهات كافة عبر شبكة الوكلاء في المنطقة، مما يعني تحول الصراع إلى حرب إقليمية شاملة تمتد من الخليج إلى البحر المتوسط، وهو سيناريو تخشاه القوى الكبرى لما له من تبعات كارثية على إمدادات الطاقة العالمية والاقتصاد الدولي.
إن تغيير الأنظمة من الخارج، تاريخيًا، أثبتت التجارب الدولية فشله، كما أن إسقاط الأنظمة بالقوة العسكرية الخارجية غالبًا ما يؤدي إلى فوضى عارمة ودول فاشلة بدلاً من تحقيق الاستقرار، وهو ما يدركه صانع القرار في واشنطن والعواصم الغربية. أضف إلى ذلك أن أي محلل سياسي سيأخذ بنظر الاعتبار أن أي مخطط لإسقاط النظام يجب أن يرتبط بتحضير جسم سياسي معارض، سواء من الداخل أو الخارج، إلا أن هذا لم يحصل حتى الآن، فالمعارضة الإيرانية المرشحة للحلول بديلًا للنظام الحالي تتوزع بين حركة مجاهدين خلق وما تبقى من المعارضة التقليدية ذات الصلة بنجل الشاه محمد رضا بهلوي المقيم في أميركا، لكن مثل هذا التوجه لم يظهر على السطح، وهو ما يثير الاستغراب: كيف يمكن لنتنياهو والموساد والإدارة الأميركية إسقاط النظام؟
الاحتمالات والنتائج المستقبلية
في حال تجددت الضربات العسكرية، فإن المنطقة تقف أمام ثلاثة سيناريوهات رئيسية:
السيناريو الأول (حرب الاستنزاف المتبادلة): استمرار الضربات المتبادلة المحدودة واستهداف المنشآت النفطية أو العسكرية دون الانزلاق إلى غزو شامل، وهو ما سيبقي المنطقة في حالة غليان دائم ويقوض النمو الاقتصادي.
السيناريو الثاني (الانفجار الكبير): تدحرج الصراع إلى مواجهة إقليمية مفتوحة تشارك فيها الولايات المتحدة بشكل مباشر، مما يؤدي إلى إغلاق الممرات المائية الحيوية (مثل مضيق هرمز) وارتفاع قياسي في أسعار النفط.
السيناريو الثالث (التسوية الاضطرارية): أن تؤدي الضغوط العسكرية الهائلة إلى دفع الأطراف نحو طاولة المفاوضات خلف الكواليس لإيجاد صيغة اتفاق جديدة تحد من الطموح النووي الإيراني مقابل ضمانات أمنية معينة تجنبًا لسيناريو الحرب الشاملة.
وختامًا، يبدو أن قرار إسقاط النظام الإيراني ليس مجرد زر يمكن لنتنياهو أو الإدارة الأميركية الضغط عليه، بل هو مغامرة غير محسومة النتائج قد تفتح أبواب الجحيم في المنطقة وتثبت أن الحرب في الشرق الأوسط من السهل البدء بها، ولكن من المستحيل التنبؤ بنهايتها.
ويبقى نظام الملالي، مع كل ما تعرض له من حصار خانق وضربات موجعة وما رسخه من دمار في المنطقة ونشر الميليشيات والأذرع، بات هذا النظام يشبه الدواء منتهي الصلاحية، لا فائدة من تناوله ولا إبقائه على رفوف الصيدلية، فإن أفضل خيار شحنه إلى أقرب برميل نفايات طبية.


