حين تبحث إيران عمّن يراقب معارضيها في الخارج أو يستهدف مصالح أميركية وإسرائيلية، فإنها لا تبحث دائماً عن مؤمن بمشروعها؛ فقد تجد حاجتها عند شخص يريد المال، أو مجرم يبيع خدماته، أو متعاطف مع قضية سياسية يسهل استدراجه باسمها. وقد يبدأ الأمر بصورة لمكان أو معلومة عن شخص، بينما يعرف من أصدر التكليف الغرض الذي ستخدمه. وبهذا الأسلوب تستطيع طهران استخدام أفراد لا تربطهم بها عقيدة ولا ولاء، وتوسيع دائرة التنفيذ من دون توسيع دائرة الاقتناع بها.
وتكشف الوقائع البريطانية الأخيرة إلى أين يمكن أن يصل هذا النوع من التجنيد؛ ففي محيط قاعدة فيرفورد، قادت توقيفات في 27 سبتمبر 2026 إلى تحقيق في مخطط مشتبه به لاستهداف القاعدة. وفي 12 أكتوبر، أعلنت الحكومة البريطانية تقديرها أن المخطط نُسّق على الأرجح في إيران، وأن توجيه الحرس الثوري له شبه مؤكد، وتعهدت بملاحقة شبكات الجريمة التي تستخدمها طهران وتمويلها. وفي اليوم نفسه، أدان بيان دولي مشترك الاعتداءات الإيرانية، مستحضراً حملة طالت تجمعات يهودية وصحفيين إيرانيين ومصالح أميركية في أوروبا.
وتختلف دوافع الاستجابة لهذه التكليفات باختلاف الأشخاص والبيئات التي تستهدفها طهران؛ ففي بعض البيئات العربية، تستثمر إيران الصراعات الإقليمية والهوية الطائفية وادعاء قدسية تدمير دولة إسرائيل لتجد من يستجيب لتكليفاتها، إذ تمنح التعبئة السياسية المجنِّد لغة تبرير، وتمنحه الجماعة المرتبطة به علاقات ثقة وغطاءً اجتماعياً. ويدرك كثير من المتابعين أن «القضية الفلسطينية» تجارة رائجة لدى أنظمة تستخدمها لتبرير سياساتها وتحقيق مصالحها، ثم ترميها في سلة المهملات حين تستنفد منفعتها، ليلتقطها نظام آخر ويستأنف المتاجرة بها.
وبطبيعة الحال، تتبدل الأنظمة التي تتاجر بها، وتبقى «القضية الفلسطينية» بلا حل. ومن خلال هذه المتاجرة، تستدرج طهران أبناء المنطقة إلى العمل لحسابها، وتسوّق التجسس على بلدانهم واستهداف خصومها بوصفهما خدمات مقدسة وجليلة، بينما تجني هي المكاسب ويدفع المجنَّدون الثمن.
وتجد هذه المتاجرة امتداداً على الإنترنت في حسابات تستعير رموز «القضية الفلسطينية» وتعرض المال مقابل التعاون. وقد رصدت مؤسسة «ريكورديد فيوتشر» المتخصصة في الاستخبارات الرقمية شبكة تجنيد مرتبطة باسم «حنظلة»، ورجّحت تبعيتها لوزارة الاستخبارات الإيرانية بعدما تتبعت صلات حساباتها وترويج بعضها لبعض، ووجدت فيها رسائل بالعربية تجمع بين الخطاب السياسي وعروض المال.
وفي حين يمنح الخطاب السياسي بعض المجنَّدين مبرراً للتعاون، فقد يكفي المال وحده لاستقطاب آخرين. ففي 16 أكتوبر 2026، حُكم على النرويجي يوهانس ناتلاند في بريطانيا بالسجن عشرين عاماً بعد إدانته بالتآمر على القتل، بعدما عُرض عليه خمسة وعشرون ألف يورو لتنفيذ اغتيال. وذكرت «أسوشيتد برس» أن استقطابه بدأ أثناء لعبة عبر الإنترنت، فيما قالت الشرطة إنه تلقى التكليف من شخص في شبكة «فوكس تروت»، المعاقَبة بريطانياً وأميركياً لتنظيمها العنف ضد أهداف يهودية وإسرائيلية لحساب إيران.
ولا تقتصر منفعة التجنيد المدفوع على تأمين منفذ؛ ففي دولة إسرائيل، تشتري إيران أيضاً قدرة على الوصول إلى أماكن وأشخاص يصعب على ضابط أجنبي بلوغهم بالسهولة نفسها، وقد تكفي حاجة الإسرائيلي إلى المال لقبول المهمة الأولى من دون أن يصبح نصيراً لطهران. ففي تحذيره المنشور في سبتمبر 2024، وصف جهاز الأمن الداخلي الإسرائيلي «الشاباك» استهداف مستخدمي مواقع العمل وقنوات المال والعملات الرقمية بعروض مدفوعة، تبدأ بمهام تبدو بسيطة ثم تتجه إلى الحرق والإيذاء.
وقد يقبل الشخص المهمة الأولى من دون أن يعرف موقعها في المخطط الأوسع؛ فتصوير مكان لا يكشف له بالضرورة من سيستخدم الصورة أو لأي غرض. وبينما يجمع المشغّل خدمات متفرقة في عملية واحدة، لا يلزم أن يعرف حامل الكاميرا ما يعرفه الوسيط، أو أن يعرف الوسيط جميع أهداف القيادة.
وقد يتداخل المال مع الولاء السياسي والعلاقات الشخصية في الحالة نفسها، كما تتفاوت معرفة المنفذين بالغرض من التكليف؛ فبعضهم يجهل الغاية، وبعضهم قد يتجنب السؤال عنها كي يواصل قبض المال، بينما يحتفظ الجهاز بهدفه ويشتري من كل واحد ما يحتاج إليه.
وفي ألمانيا، اجتمع استطلاع الأهداف والبحث عن منفذ للاغتيال في مخطط واحد؛ فقد قضت محكمة هامبورغ في 15 أكتوبر 2026 بالسجن ثماني سنوات ونصف وأربع سنوات ونصف على رجلين في قضية التجسس والتحضير لاعتداءات لحساب إيران. ووفق تغطية المحاكمة، اقتنعت المحكمة بارتباط المتهم الرئيسي بالحرس الثوري وفيلق القدس، وباستطلاعه أهدافاً بينها رئيس المجلس المركزي لليهود ورئيس الجمعية الألمانية الإسرائيلية ومتجر يهودي في برلين، وباستعانته بشريكه للبحث عن منفذ لاغتيال رئيس الجمعية وتوفير سلاح له.
وتستعين طهران كذلك بقادة العصابات لتأمين منفذي الاغتيالات؛ ففي الولايات المتحدة، بلغ المقابل نصف مليون دولار في مؤامرة اغتيال الصحفية الإيرانية الأميركية مسيح علي نجاد، وحُكم على اثنين من قادة العصابة المتورطة فيها بالسجن خمسة وعشرين عاماً لكل منهما في أكتوبر 2025. ثم أُدين «آصف ميرشانت» في مارس 2026 في مخطط لاستهداف سياسيين ومسؤولين أميركيين. ووفق عرض وزارة العدل لشهادته، كُلّف من الحرس الثوري بالبحث عن أفراد من «المافيا» لتنفيذ مهام بينها الاغتيال، لكن من استعان به أبلغ السلطات، ومن ظنهم قتلة مأجورين كانوا عناصر متخفين.
إلا أن تنوع قنوات التجنيد والوسطاء يوضح أن طهران تبني قدرة تتجاوز أنصارها العقائديين، ويمنحها هذا الأسلوب مرونة في اختيار الأشخاص وتوزيع المهام، ويصعّب تعقب الصلة بين المنفذ والجهة الآمرة. غير أن إخفاء هذه الصلة لا يمحوها، ولا يمنع أجهزة مكافحة التجسس من تتبعها حتى مصدر التكليف.
ولا تقف المواجهة بين إيران وخصومها دائماً عند كشف المنفذين وملاحقتهم خارج إيران؛ فقد طالت الضربات الإسرائيلية الشرسة والانتقامية قيادة الاستخبارات في عقر إيران خلال الحرب الأوسع. ففي مارس 2026، أعلن الجيش الإسرائيلي ضرب أكثر من عشرة مقرات لوزارة الاستخبارات، ثم أعلن قتل الوزير إسماعيل خطيب في طهران، رابطاً دوره بإدارة عمليات ضد أهداف إسرائيلية وأميركية في العالم وباستهداف معارضين إيرانيين، ووصف استهدافه بأنه إضعاف لمنظومة القيادة والسيطرة.
وهنا يظهر لنا مكمن الخلل في حسابات طهران؛ فهي تستطيع شراء منفذ جديد بعد سقوط سابقه، لكن تعويض ضابط تشغيل ومركز قيادة وعلاقات تراكمت خلال سنوات أصعب من تجنيد يد مأجورة. وفي تقديري، توسّع هذه العمليات الخارجية دائرة الخصوم الذين يلاحقون الشبكات الإيرانية، وتمنح دولة إسرائيل أسباباً إضافية لاستهداف قادتها في عقر إيران.
فالدولة التي تصدّر الاغتيال والتخريب عبر وسطاء لا تملك أن تحدد وحدها أين تنتهي المواجهة، ولا أن تفترض أن الحدود التي تتجاوزها لحماية مصالحها ستظل تحمي أجهزتها وقادتها من الرد الغاضب.

